كنت اول الاسبوع الذي مات في آخره سماحته أتابع في هذه الجريدة افتراءات الورداني - وأتكلم عن أصحاب شواهد الحال المتواترة الذين تجب موالاتهم - والتقرب إلى الله بمحبتهم,, ومنهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - قدس الله روحه - ونوّر ضريحه - وهو فقيد العالم الإسلامي المعاصر اليوم في العلم الشرعي والفتوى ممن لم يعمهم ويصمهم هوى البدعة المتوارثة حميةً عن غير برهان، وعن غير حرص على طلب البرهان خارج تكايا المبتدعين المتوارثة، وكان رحمه الله شجى في حلوقهم,, ثم نعي سماحته يوم الخميس الموافق 27/1/1420ه، وصُلِّي عليه يوم الجمعة بالمسجد الحرام بمكة المكرمة، ودفن بها,, فانا لله وإنا إليه راجعون .
قال ابو عبدالرحمن: أقطع الحديث عن تهويش الورداني إلى حين، وأعود إلى الحديث عن سماحة الشيخ ابن باز علمياً - وهذا أمر مهم جداً، وميزاته التي تجعله قريباً من الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في عمله ومنهجه العلمي,, ولئن ذكرتُ أثر فقدان العلماء في الأمة: فإنني حريص على تحرير مفهوم آية كريمة رددها كثير من مشيِّعيه، وأضع ما بني على ذلك موضعه كقول أحمد بن غزال:
الأرض تحيا إذا ماعاش عالمها
متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلَّ بها
وإن ابى عاد في أكنافها التلف
وأهم وأجلى وأنفع ميزة للشيخ أنه علم ليعمل، وتوسَّع في العلم الأخروي النافع، ولم يخلط معه شيئاً من علوم الدنيا إلا ما كان من علوم الآلة لخدمة الشريعة كالنحو,, وكان رحمه الله لا يلحن في حديثه العامي، ولا تدور العامية على لسانه,, ولم يطلب العلم لمجرد التلذذ والمتعة والمثاقفة والمسامرة والشهرة، بل كان علمه - كما أسلفت - تعبداً في ذاته، ولأداء العبادة وفق الامر الشرعي، ثم صار العلم لذته، لأن لذته في العبادة.
وأبحر في العلم الشرعي حتى كان بآخره مرجع العالم الإسلامي، وكان كل متورِّع لا يستريح إلى غير فتواه.
وأما العمل فكان مشمراً متبعاً سمت كبار الصحابة ومن ندرت سيرته من التابعين ومن بعدهم كالإمام أحمد رضي الله عن جميعهم، فأخذ على نفسه الحلم طبعاً وتطبعاً ما رأيته منفعلاً قط إلا مع الكتبي رحمه الله ناشر كتاب تحفة الأحوذي لسبب لا أذكره الآن، وغاية انفعاله انه طلب من الكتبي اليمين على أن ما حدث لم يكن بعلمه,, وأخذ نفسه بالجد في الدعوة إلى الله، والصبر على الأذى في ذلك,, وأخذ على لسانه ووقته ومجالسه البعد عن الفضول، والقول الجارح، والفحش، والصلف والصخب، والاشتغال بغير العلم الشرعي، والانتقام للنفس أو الغضب لها.
قال أبو عبدالرحمن: وحضرت غداءه يوم جمعة مع ضيف عنده من آل الجرباء، وكان حديثنا عن الانساب، فصرفنا عن ذلك بلطف, وإذا طرحت مسألة علمية في مجلسه، وطال حولها الجدل قطعه بقوله: سبِّح ، وقد حدث هذا معي إذ جادلني دكتور اسمه حمد قبل أن يكون دكتوراً.
وأغلظ قول سمعته منه رحمه الله: أن القارئ يقرأ عليه في البيت بعد صلاة الجمعة، والشيخ يشرح,, إلا ان بعض الوافدين يتظاهر بالعلم، ويسابق الشيخ بالشرح، فلما نفد صبر سماحته التفت إليه، وقال له: تأدَّب,, الدرس لي، وليس لك.
وكان رحمه الله مواظباً على الصلاة جماعة إماماً ومأموماً، مداوماً على النوافل من السنن الرواتب، والورد، والوتر والتهجد، وصلاة الشروق والضحى، وصيام التطوع، والحج والعمرة,, شغل كل وقته - مع قلة النوم - باستماع الذكر والفقه والحديث والتفسير، والشرح، والمحاضرات والوعظ والفتوى والعمل الرسمي، والسعي في حوائج المسلمين ومصالحهم الخاصة كالشفاعة، والعامة كالحسبة,, هذا ديدنه مدى عمره لا يتغير مدى حياته، ولا يتراخى لكسل وخمول أو اثر عارض يستطيع مقاومته,, وكان مزحه حقاً، وكان ضحكه ابتسامة لا قهقة,, وكان سليم القلب، محباً الخير للأمة، حريصا على هداية الناس، وكان يتعامل معهم على ظواهرهم وعلى أصل العدالة في المسلم,, وذلك كما في دين ربه حتى يبين له ما يخالف الظاهر,, ولما بان له رحمه الله كثرة الغش والكذب والتدليس كان يتثبت فيمن يشفع لهم في الديون بطلب التوثيقات الثابتة وتعريفات العدول المعروفين، وكان في مسائل الطلاق يسمع من الزوجين معاً، او يسجل إفادتهما لدى أحد المشايخ، وصارت فتواه بمقتضى إفادة محررة مكتوبة من المستفتي في القضايا الهامة.
وكانت دعوته ونصحه بالتي هي أحسن، وكان يقدم لها بالدعاء والابتهال، ويختتمها كذلك، وربما فاضت عبرته إذا كان النصح في أمر مزعج,, ولم يطمح لزينة الدنيا ومتاعها، وقد كرر عليه أحد أمراء القرى في مناسبة زواج أن يمنحه أرضاً كبيرة في تلك القرية، وردد ذلك كثيراً - وكان عامياً مجتهداً-، فصرفه عن الحديث بلطف، ودعا له وشكره,, وكانت في سنين مضت تتراكم عليه الديون لسعة كرمه ومواساته للمحتاجين، ولم يخرج من بيت الطين بالعواطف إلا بإلحاح شديد من المسؤولين، وبدعوى أن منصبه الرسمي يقتضي سكناً مناسباً، لأجل كبار الوافدين عليه وكثرتهم,, ولم يكن كرمه رحمه الله مباهاة وتكلفاً، ولا انتظام دورياتِ ولائم تُشغل بالفضول، بل كان بذلاً لوجه الله سبحانه، وكان جمهور سماطه من المحتاجين والغرباء الذين لا يرجو منهم غير ثواب الآخرة,, ومن زاحمهم مثلي بعض المرات فإنما يأتي محبة وتبركاً بطعام عالم عابد ورع كريم.
وكان إذا حزبته الفتوى، وبيَّت النية على اختيار الحكم: أرجأ البت حتى يصلي صلاة الاستخارة,, إنه تعلَّم وعلَّم من أجل الآخرة، وشمَّر للعمل من أجل الآخرة، وحقق كل علم وعمل بنية العبادة، فحقق بذلك مفهوم العالم بالله,, العالم بأمر الله الشرعي,, العامل بما علم اعتقاداً وقولاً وفعلاً بلا مسامحة أو تسويف أو كسل، وعلم الله من نيته ما علم، فكان معاناً على الأداء في شيخوخته وشبابه,, وذلك منتهى الإمامة في الدين علماً وعبادة,, روى أبو حيان التيمي عن بعض السلف أنه قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله,, فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل.
قال أبو عبدالرحمن: الصنف الثاني هم عوام المسلمين العاملون العابدون، وكثرة وجودهم بركة، لأن الله يرفع بدعائهم عن المسلمين - راعياً، ورعية - البأساء والضر,, والصنف الثالث علماء المناصب والجاه والتوصل والشهرة، وعلماء المبتدعة الذين يروجون للباطل ويجحدون البراهين، ولا يصغون للحق حفاظاً على جاههم وعلى الكسب الخبيث كالمروجين لوحدة الوجود، واتخاذ المساجد مشاهد ومعابد وثنية، والتدين لله بالتجديف بمثل بردة البوصيري، وإن الله سائلهم إن لم يتوبوا، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ذائدهم عن الحوض، لما أخلوا به من أمر عظيم في قضاء الله الشرعي الذي جعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - خصوصية الرسالة ومنتهى العبودية، وعمومية البشرية - ووجود علماء السوء هؤلاء نقمة، وذهابهم رحمهم.
قال أبو عبدالرحمن: أما من تشبث بالعلم مثلي، وقصَّر أو تجاوز في عمله بما دون الكبائر، ودعا للسنة ولم يدع للبدعة: فربما جعله ربه معادلاً للصنف الثاني بما لديه من علم وعمل قاصرين!.
وأما الصنف الأول فأندر من الكبريت الأحمر، وصدرهم في العصر الحديث - فيما نعلم، وكمال العلم عند الله - سماحة الفقيد ابن باز رحمه الله، فهؤلاء عملهم ودعاؤهم رحمة للراعي والرعية، ودنوهم من السلطان وفي عمق العامة نور وضياء.
والمبرز في العلم والعمل هو المبرز في الإمامة بمقتضى سياق سورة فاطر، فإن الله سبحانه قال عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة)، فهذا هو العمل,, ثم ورد السياق بالبون الشاسع بين المهتدي والضال بضرب الامثال، وإرسال الله سبحانه للرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وذكر إيمان من آمن وكفر من كفر، ثم ذكر سبحانه شيئاً من آياته في الآفاق، ثم قال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فهؤلاء هم العالمون بالله، العالمون بشرعه، المتدبرون في كونه، العاملون من أجل ربهم.
وبالعلم والعمل يرفع الله درجات أمثاله دنيا وآخرة كما قال سبحانه في سورة المجادلة في سياق آداب المجالس: (,, يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير).
وصح عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً، ويضع به آخرين.
قال ابو عبدالرحمن: الصنف الثالث في كلام ابي حيان التيمي هم الأخذلون المرذولون مهما كان حسبهم ونسبهم.
ولقد استدل كثير ممن رثى سماحة الشيخ بقوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون) سورة الأنبياء/ 44 ,, استدلوا بذلك على أن المراد موت مثل سماحته.
قال أبو عبدالرحمن: نقص الأمة بموت سماحته حقيقة لا ريب فيها لندرته علماً وعملاً، ولكن هذه الحقيقة ليست هي مراد الآية الكريمة - وإن قال ذلك بعض العلماء -، بل سياق الآية ودلالة نصوص أخرى على أن المراد فناء البشر مؤمنهم وكافرهم، والوعيد لأهل الكفر بالذات، لأن الآية في سياق الكفار المستهزئين بالرسل، المغترين بالمتاع وطول العمر، فأنذرهم ربهم بسنته الكونية في إفناء الخلق,, وهم داخلون في هذه السنة: أفهم الغالبون؟!,, ولهذا قال الحافظ ابن كثير: اختلف المفسرون في معناه، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرّفنا الآيات لعلهم يرجعون) سورة الاحقاف/ 27 .
وقال تعالى: (وإما نرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، أولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقِّب لحكمه وهو سريع الحساب) سورة الرعد/ 40-41 ، فإهلاك الله لهم، أو توفي الله لرسوله صلى الله عليه وسلم نَقصٌ للأرض من أطرافها من أهلها لا من مسافتها، ولهذا قال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حُشُك؟!,, ولكن تنقص الأنفس والثمرات,, وقال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكاناً تقعد فيه، ولكن هو الموت.
قال أبو عبدالرحمن: وهذا المعنى هو معهود الشرع كما في قوله تعالى: (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) سورة البقرة/ 155 .
ويبين أن نقص الارض نقص من فيها من صالح وطالح قوله تعالى عن الكفار: (أإذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) سورة ق/ 3-4 ,, أي لن يغيبوا عن البعث في أعيانهم وأجزائهم، فهم في علم الله بما تنقص الأرض منهم، وتحت قدرته.
قال أبو عبدالرحمن: وأبيات ابن غزال المذكورة آنفاً إن كان يلحن بها عن الآية الكريمة من سورة الأنبياء فذلك هو الفهم الخاطئ كما أسلفته,, وإن أراد النقص في سلوك الأمة وعلمهم بموت العلماء فذلك صحيح واقعاً بالنسبة للعلماء العاملين الذين يخشون ربهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء فسألوهم فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا : فإنما ذلك جزئي في مصر لا في كل عصر كغلبة الأمية والرجوع إلى العرفاء في بعض الأمصار,, ولا يكون ذلك عاماً عصراً ومصراً إلا عند الإيذان بقيام الساعة حتى لا يُقال: الله الله!.
والعلماء المذكورون في الحديث هم أهل العمل والخشية بلا ريب، لأن فتواهم عن ورع.
قال ابو عبدالرحمن: والأمة اليوم بخير، وسيخلف سماحته سليلُ أسرة علمية من علماء الدعوة وأئمتها معروف بعلمه وورعه، وسيشد عضده علماء كثيرون يكوِّنون بمجموعهم ما فدحنا به من فقد سماحة الشيخ ابن باز، ويكون لهم من سيرته أسوة، ويأخذون العصا من الوسط، ليدفع الله عنا بدمائهم وصلاحهم وعلمهم وحكمتهم الفتن والبلاء,, ومن خصائص الشيخ الكرم، وما أقبح البخل في رجال العلم,, وكذلك لين الجانب، والسعي في حوائج المسلمين، فكل هذه الخصائص ستكون متوارثة إن شاء الله في علماء هذا البلد.
أما سفهاء الأحلام من المتدينين عن جهل بتحسير وتعسير، وأما علماء الدنيا أهل السوء من ذوي الفكر السياسي والتواصل فَنَدرَأُ في نحورهم بالدعاء لهم، ومقاومتهم بالحجة والبرهان وصلاحيةالسلطان، وبالالتفاف حول علمائنا العاملين.
ولقد حفظ سماحة الفقيد رحمه الله القرآن في صغره، وتعهده تلاوة وتدبراً، وجدَّ في طلب العلم، وكان يعمل في حراج القماش والعباءات، ويدرس على المشايخ بالليل، وتمثل وصية ابن مسعود رضي الله عنه، فكان لا يتجاوز النصوص حتى يعرف معانيها، ويتعهد حفظها؛ فهو من الحفاظ الكبار في هذا العصر علمه في صدره لافي كتابه,, وكان إذا قرئ عليه، ومر ما يحتاج إلى مراجعته أمر بالتأشير عليه ليراجع، فإذا رُوجع له التقطته ذاكراته,, وكان يطبق علمه في الحال، ولهذا استوعب حفظاً واستحضار معنى ما تمس إليه حاجتة المفتي، وكانت الشواهد من القرآن والسنة وأقوال أهل العلم تنثال على لسانه الشريف في كل مناسبة.
والمشهور أن مولده رحمه الله عام 1330ه، وقيل 1328ه، وأعلمني شيخي حمد الجاسر مهاتفة أن الشيخ ابن باز أكبر منه بسنوات، ورجح أنه بلغ خمساً وتسعين.
قال أبو عبدالرحمن: حق على الشيخ أن يملي وينشر ما يعرفه عن سماحة الشيخ، لأنه من أقرانه في السن، وجمعهما العمل، وسيكون عنده من العلم بالشيخ ما ليس عند غيره.
ولقد سألت سماحته عن الشيخ سليمان بن سحمان - رحمهما الله -؛ فذكر لي أنه يعرفه ويتصوره قبل أن يفقد حبيبتيه، وأنه لما مات ابن سحمان كان مع الشيخ ابن باز بصيص من النور,, وابن سحمان والشيخ سعد ابن عتيق توفيا رحمهما الله عام 1349ه، وسماحة الشيخ ابن باز لم يفقد بصره نهائياً إلا بُعيد ذلك بعام.
وعندما أبحر سماحة الشيخ في الفقه والعقيدة والتفسير والضروري من علم الآلة: رأى أن الفقه هو الغالب منذ أن مات العلامة الجهبذ الإمام عبداللطيف الأزهري ابن الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ - رحم الله جميعهم، فاتجه سماحته للحديث حفظاً، وتفهماً للمعاني، وإلماماً بما نقل من توثيق الرواة وتمريضهم، وما قيل عن علل بعض الأحاديث، وحفظ حال كثير من الرواة المجروحين، كما حفظ كثيراً من علل الحديث,, وله تعقُّب مختصر لإمام أهل الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني يدل على تمكن سماحة الشيخ ابن باز في الحديث وعلومه.
ولم يتجاوز رحمه الله العلم بالعقيدة على طريقة أهل الحديث إلى التوسع في العقليات,, على أنني حضرت له - منذ عشر سنوات أو أكثر - درساً بعد صلاة الفجر في مسجد الإمام تركي في فتاوى شيخ الإسلام ابتداء بالعقائد والعقليات، وكان المقرئ الدكتور عبدالعزيز المشعل، فكان سماحته يعلق على اشياء، ويأمر بالتأشير على أشياء، ويتجاوز أشياء,, ولم أستمر في معاودة الدرس، لأنني جئت الفجر مرة مبكراً، وكنت سارحاً في التفكير فجلست في مكان المؤذن الشيخ عبدالعزيز ابن ماجد رحمه الله سهواً، فلما جاء أقامني بنهر، وقال: ليس هذا مقعداً لك، فجلست وراءه في الصف الثاني، وكان الدكتور المشعل ملاحظاً للحركة، فأفسح لي ودعاني,, وبعدها تكاسلت وآثرت التتلمذ على كتب الأموات.
ولقد حُفظت - بالبناء للمجهول - دقائق سيرة الشيخ منذ نشأته إلى أن لقي ربه، فما سجل الناس عليه زلة أو صبوة تشينه,, والناس شهود الله في ارضه، وأجمعت القلوب على محبته حتى كان يعرف المنافق والمداهن من مجرد الوقوع في الشيخ,, ولاسيما من معاصرين استنكروا بعض فتاويه في أمور كونية لم يروه مصيباً فيها، فبالغوا في الإنكار وشنعوا، وجهلوه بإطلاق، ولا يضرون إلا أنفسهم,, ويشايعهم دوريات الكفر والبدع، فقد علقت مجلة الصياد بقولها: حقوق القراءة محفوظة للمؤلف ، تهكماً بكتاب الشيخ,, وتسلل بدعيون للنيل من الشيخ نشرت بلاغمهم ومزابلهم في عمان - بالتخفيف - والكويت ومصر والمغرب,, وإنما تعرف ولاية العالم العابد بمعاداة أهل البدع والملل والسفلة.
والشيخ حنبلي في اصول الفقه لا أعرف له اجتهاداً يخالف الأصول عند الحنابلة، وهو حنبلي في الفقه بالجملة، ولكنه يجتهد في دائرة أصول أحمد على طريقة أهل الحديث، ويطلب الدليل، ولهذا خالف الحنابلة في مسائل يسيرة كزكاة الحلي، وبعض صور الطلاق البدعي، ويستأنس بترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمية.
أما في العقيدة فلا يخرج ألبتة (1) عما نسب إلى الإمام أحمد رحمه الله سواء أكانت المسألة من الأمور القطعية الإجماعية أم من الأمور التي خالف فيها بعض السلف، أو توقف فيها بعضهم,, ولما نشر الشيخ العلامة الورع حمود التويجري كتابه عن خلق آدم على صورة الرحمان، وقدم له سماحته مؤيداً: شق ذلك عليَّ وحررت ثلاثاً وثلاثين صفحة على بطلان هذا القول، وتأذيت كذلك من تعليقات معاصر على كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة رحمه الله حول هذه المسألة يرد عليه، وأقمت البراهين على أن الله خلق آدم على صورته التي كان عليها في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين شيئاً من لوازم هذه الصورة لا يجوز حمله على غير آدم، ولا يجوز إضافته إلى الله، ولا يجوز التفريق بين الضمائر المتوالية بغير دليل من لغة العرب أولاً، ثم من مراد الشرع، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: طوله ستون ذراعاً,, وأطلت الجدل مع سماحته - وهو لا يحب الجدل والتشقيق الفلسفي - فانتهرني، وقال: سبح سبح,, ومع هذا أخذ أوراقي ودرست من اللجنة، فأيدت كتاب الشيخ حمود، ولكنها رأت تداوله بين خاصة العلماء، ولا يُتاح تداوله بين العامة.
وذات ليلة رأيت الكتاب يوزع في ونيت شرقي مسجد سلطانة بعد صلاة التراويح، فصورت بحثي من مئات النسخ، وأخذ الشباب في توزيعها.
ولقد بلي الشيخ بمتدينين متطرفين زببوا قبل أن يحصرموا، وأظهروا التعسير والتحسير بدعوى الاجتهاد، ولم يمر بهم من العمر والتجربة ما يُظهر علمهم وورعهم وتأهلهم للاجتهاد,, ويقرنون مع دعوى الاجتهاد الدعوى بأنهم على مذهب الشيخ,, وكذبوا في ذلك، وإنما حملوا تورعه لنفسه على أنه يوجب ذلك على الناس.
وبلي رحمه الله بآخرين من ذوي الذحول التاريخية والفكر السياسي باسم الإسلام، فاتهموا سماحته بالمداهنة ومصانعة ولاة الأمر,, وكذبوا في ذلك ايضا، وإنما كان مقياس المصارحة عندهم: ان تلعلع المنابر بثلب المسؤولين، والتشهير بالحق والباطل، وجحد الإيجابيات، وتضخيم السلبيات - التي هي معادلة بين المصالح والمفاسد، وأن يكون الداعية خطيب فتنة,, وكرم الله سماحة الشيخ عن ظنون هؤلاء، فكان رحمه الله في منتهى المصارحة لولاة الأمور من ملوك، وأمراء ووزراء,, لا يداهن، ولا يمجمج بالنصح، ويخاطب القلب، فيجتذب المسؤول ترغيباً وترهيباً بنصوص الشرع، ويذكي حماسه بتاريخ الدعوة المجيد التي احتضنها آل سعود، ونصروها، وجاهدوا من أجلها، وسعوا في محو الجهل والأمية بمقتضاها,, يصل برجله، ومكاتبة، ومهاتفة، ويلح ويبالغ,, وكل هذا في السر ويكون شبه سر حين لا يعلم قيامه بالحسبة إلا من يمر عليه الإجراء من الموظفين,, وأما في العلن فكان يدعو للدولة، ويدعو إليها، ويبتهل ويتهدج إذا حذَّر من الفتن,, وقد نُقل إجهاشه بالبكاء وهو يدرس في المعهد العالي خائفاً من الفتن، ومرة في مسجد الإمام تركي الجامع الكبير,, وكان رحمه الله يعلم بورعه وبصيرته أن هذه الدولة مهما كان النقص والنقد - دولة حق ورحمة وسنة في هذا العصر الممزق، وهي دولة السلف وترجيح المصالح.
ومن صراحته في ذات الله أن أحد العوام الجهلة ذبح الذبائح عند عجلات سيارة الملك سعود رحمه الله بالصفاة ابتهاجاً بقدومه، فقام الشيخ ابن باز يدور والدمع يخنقه، ويصيح بأعلى صوته: إنها حرام حرام لايجوز أكلها,, ولما علم الملك سعود رحمه الله بفعل الجاهل غضب، وأظنها نقلت لحديقة الحيوانات، وشكر للشيخ موقفه.
وكما كان الشيخ محبوباً لدى الرعية: فقد كان محبوباً معززاً مكرماً لدى الدولة، لعلمها بصدقه، ومحبته لمصلحة الأمة راعياً ومرعياً,, وقد تكبد خادم الحرمين الشريفين العناء لحضور جنازته يحف به آل سعود والمسؤولون والمشايخ، والحزن في قسماتهم حقيقة لا تصنعاً، لأنني سبق لي أن قرأت هذا الحزن في قسمات صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، وسمعت نبرته,, وفقد مثل ابن باز أكبر مصيبة على دولة سلفية.
وكان رحمه الله شجى في حلوق المبتدعين، ولم يتفرغ للتأليف - سوى كتيبات تمس إليها الحاجة -، وإنما بث علمه بالتدريس والوعظ وحلقات القراءة والفتوى والردود على المخالفين والرسائل,, وعند الناس من رسائله التي لم تصدر بأرقام رسمية مئات,, وبصماته العلمية رحمه الله ظاهرة في أعمال هيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومجالس رابطة العالم الإسلامي، ورئاسة المجمع الفقهي,, إلى غير ذلك من المؤسسات، وفي دروسه الرسمية في الجامعة والكليتين ومعهد القضاء العالي، وفي تقديمه وتعليقه على بعض الكتب ولاسيما معظم أجزاء فتح الباري.
وكان رحمه الله يلاين الناس ويداريهم لمصلحتهم، والحرص على هدايتهم,, وإذا لم تنفع الملاينة استعمل نفوذه، فعندما ألّف أحمد عبدالغفور عطار - عفا الله عنه - كتابه ويلك آمن ، وكان تهجماً على الشيخ الألباني بتهويش صحفي دون تحقيق علمي راسله ولاطفه، ثم استدعاه، وحاوره باللين، ودعا له,, فلما رأى الإصرار والعناد وعدم الدفع بحجة أحرق ما وصل إلى المملكة من الكتاب، ومنع ما لم يصل.
وكان ذا عقل راجح، وكنت ألّفت كتاباً أثبت فيه رجوع الصنعاني عن مدحه للإمام محمد بن عبدالوهاب,, وليس ذلك رجوعاً عن دعوة السلف، ولكنه صدَّق أكاذيب بلغته من مربد التميمي والوهيبي كلها كذب على الشيخ,, وأثبت أن الشنائع التي رد عليها ابن سحمان ليست من كلام الصنعاني، بل من وضع حفيد له غير سلفي,, وأجزت الكتاب من رقابةالمطبوعات بالمدينة المنورة، ودفعتُ به لمطابع بالمدينة، فلما بلغ الشيخ خبر الكتاب اتصل بي الدكتور محمد بن سعد الشويعر يطلب الكتاب، ثم بلَّغني أن لا أطبعه، فامتثلت وسحبت الملازم، ثم استطلعت رأي سماحته بعد ذلك عن سبب المنع، فقال رحمه الله: إن عامة الناس لن يفهموا حقيقة مقاصدكم، وسيُحدث تشويشاً على الدعوة ورجالها، ثم أسهب في بيان الحق الواجب للإمام محمد وذريته وأحفاده، وأنه ليس في نتيجة تحقيقي ثمرة كبرى فحمدت لسماحته هذا العقل الراجح، وتوقفت عن إهداء الصور الخطية من الكتاب، وعلمت أن الارتباط مع آل الشيخ - عقلاً، ووجداناً - ارتباط بهذه الدعوة المباركة.
وكان رحمه الله عظيم التوكل على الله,, عظيم الاحتساب,, أبى إجراء عملية لعينيه، لأن الأطباء اشعروه بقابليتها لإزالة بعض الماء، فأبى امتثالاً للحديث المخبر بعظم الأجر لمن فقد إحدى حبيبتيه,, ولما أصيب في حلقه استمات خادم الحرمين الشريفين في إقناعه بالسفر على حسابه إلى أمريكا، فأبى غاية الإباء على الرغم من الإلحاح الشديد من قبل الملك فهد أيده الله.
قال أبو عبدالرحمن: منذ عام 1375ه كنت أحضر مع الوالد دروسه في الجامع الكبير إذا جئنا في زيارة للرياض، وكان جمهور الحضور آنذاك من العوام وأنصاف المتعلمين، وكانت دروسه في الفرائض وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب أو إلقاء الدروس الوعظية,, وكنا نلتذ بتلاوته في الصلاة الجهرية ولا سيما إن كان قدومنا في أيام رمضان المبارك، فنصلي معه التراويح,, ثم لازمت دروسه عندما انتقلت للرياض من عام 82 إلى 1388ه، ثم استجدت لي أحوال، فهجرت دروسه لاجفاء منه، ولكن وحشة مني، فإن زرته لماماً أكثر العتاب والدعاء معاً، وقد فصَّلت ذلك في التباريح، وفي كتابي تحرير بعض المسائل على مذهب الأصحاب.
وقد أبلغني فضيلة الشيخ محمد العبودي - بدون سعي مني - أنه حاول مع سماحته أن أكون كاتباً عنده، فلم يستجب، واكتفى بالدعاء لي بالهداية.
ولما التحقت بالمعهد العالي للقضاء كنت ذا هيئة غير هيئة الطلبة: ألبس العقال، وأتحيف اللحية، وألبس الكبك، والسختيان، واللباس الأنيق، وأعبث بالسبحة,, وكان أهل الخير يوصلون كل ذلك لسماحته فلا يرد عليهم بغير الدعاء لي بالهداية.
وفي الاسئلة التحريرية النهائية كانت أجوبتي مخزية في مادة الحديث التي يدرسها، وكنت أغطي جهلي بالتقعر والتفلس، ونجحت في المادة نجاحاً على غير ما ينبغي,, وعلم من أهل الخير أن تلك أجوبتي، فاشتد فيما بعد حزنه وتقريعه,, ولم يرتح إليَّ إلا منذ عام 1406ه تقريباً عندما أقلعت عن خزعبلات الفن، وأذن لي بخطاب رسمي بتدريس صحيح البخاري في مسجد سلطانة، وإنما اراد رحمه الله جَرِّي إلى الحديث وعلومه، واشترط البعد عن الظاهرية، وقال لي: إنه قرأ في المحلى أول ما نشر، ثم هجره لما فيه من حدة وعنف.
ومن الشباب أهل الخير- وأعرفه باسمه ورسمه - من بلَّغه أنني كتبت على باب منزلي دارة ابن حزم وعلى الآخر دارة داوود ، فقال: يقال: إنك كتبت كذا وكذا؟.
فقلت: نعم,, أنا ظاهري بأصول فكرية ولغوية، وهذان من أئمة المسلمين,, ولا يعني ذلك أنني تابع لابن حزم في أغلاطه الفقهية والعقدية، فسر رحمه الله بذلك، وحذرني من مزالق ابن حزم وعلماء الكلام، وأوصاني بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزيه.
قال أبو عبدالرحمن: ولم أفلح في هذا الدرس، لأنني كنت بين طلاب حفاظ أعلم مني بهذا الفن من جهة، ولا يصل معظمهم إلى غور شرحي من جهة، والله المستعان.
(1) أهمزها دائماً، ولكن الصحافة تسهلها!!