ابن باز رمز السلفية ورائد الإصلاح الفقيد والسلفية 3 - 4 د,خليل بن عبد الله الخليل |
تحلّى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- بالكرم والحلم والعلم والصبر والجدية، وتعامل مع العوام بحب وإيثار وتواضع، ومع الحكام بصدق وحكمة وثقة، فنال بذلك الريادة وحاز على التأثير والقيادة.
وهب حياته للعلم والدعوة وخدمة الناس، واعاد للمسلمين في مشارق الارض ومغاربها الأمل في نهضة اسلامية، وجدد في الفكر الاسلامي مما ربط حياة المسلمين الحاضرة بالماضية، واعطى الدعوة الاصلاحية التي احتضنته وغذته جرعات قوية للبقاء والنماء والانتشار والمزاحمة في عالم احتدام الايديولوجيات وتنافس الرؤى والمذاهب وتقارع الملل والنحل.
انه في الوقت الذي شهد العالم فيه هجمة شرسة على (الدين) أياً كان وحيثما كان وعلى الدين الاسلامي بالذات وعلى (الدعوة السلفية) بشكل اخص، كان الفقيد -يرحمه الله- يعلم الناس ويكتب الكتب، ويعمر المساجد ويشيد المعاهد، ويرسل الدعاة ويرسخ الدعوة (السلفية) السليمة المعتدلة التي لم تكن شعارات فحسب، ولم تكن احزابا نشطة فقط، وإنما علم وعمل، بناء وعطاء، وتواصل وتكامل، التزام واحترام، عامة وخاصة، تجمعات وحكومات.
ما هي السلفية؟ وماذا تعني؟ هل هي العودة الى اجتهادات وممارسات حقبة زمنية محددة، وما حدود تلك الحقبة؟ وهل شيخ الاسلام ابن تيمية زمانا من ضمنها؟ ام أنها منهج وأسلوب وقواعد وتعتبر (سلفية) وإن كانت زمانا وأسلوبا معاصرة؟
أجاب الفقيد رحمه الله، علميا وعمليا على تلك التساؤلات، وهو ابن الدعوة السلفية بحكم نشأته في رحم الدعوة الاصلاحية، كما أنه الحامل للوائها في حياته باعتزاز وقوة وانتظام، بدون لافتات، وبدون مزايدات.
لم تكن تعني السلفية لدى الفقيد الراحل قائمة ممنوعات، ولكن اخذاً وعطاء، اتباعا واجتهادا، ولم تكن تعني شعارات فضفاضة، ولكن شعائر ومشاعر، ولم تكن تعني أحزابا متناحرة الداخل فيها ناج والخارج منها هالك، ولكن روحا صادقة مع الخالق والمخلوق، اتباعا للكتاب والسنة وفق منهج السلف، ولم تكن تعني التعرض للاموات وإحراق الكتب التي لا تعجب أو لوجود اخطاء فيها، وإنما الإعراض عن اللغو والانصياع للحق والدعاء للمسلمين احياء وأمواتا، ولم تكن تعني محاربة الحركات الاسلامية ومخاصمة أتباعها وقياداتها، ولكن تعني التفاهم والتناصح,, لذلك غيَّر رحمه الله قاعدة جماعة الاخوان المسلمين المصرية التي تقول: (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا عليه) لتكون حسب وجهة نظره السديدة يرحمه الله (ونتناصح فيما اختلفنا عليه)، لم تكن تعني السلفية لدى الفقيد الراحل - رحمه الله - تصيد أخطاء الدعاة الى الله والقفز على اكتافهم لجمع حطام الدنيا الفانية، ولكن تعني التعرف عليهم والتحبب اليهم وتوجيههم لما فيه خير دينهم ودنياهم ولما فيه خير اوطانهم وشعوبهم، ولم تكن تعني التقوقع و(التحوقل) وتحميل (آخر الزمان) مسئولية المذلة والفساد وهجر الدين,, وإنما تعني النهوض للاصلاح والدعوة بعلم ومخالطة الناس بثقة واحترام، لذا كان رحمه الله، يعمل الساعات الكثيرة بلا كلل ولا ملل للتعليم والعمل واصلاح ذات البين.
لم تعن السلفية لديه بحال العزلة عن المجتمع ولا إصدار الاحكام الدينية الجائرة على المجتمعات والحكام، ولم تعن الخشونة في التعامل، والحدة عند النقاش، وسوء الظن بالآخرين وتصنيفهم على ضوء الطباع والمزاج، فلقد كان -رحمه الله- كبير العقل واسع الصدر يتحمل الصدمات ويترفع عن الصغائر، يعيش مع الكبير والصغير، ويحترم الحاكم والمحكوم,, متفائلا دائما، يدخل السرور على جلسائه بفضله وحلمه وإشراقة إيمانه.
إنه لمما يلفت النظر للمتأمل في سيرة الفقيد الراحل (شخصيته القيادية) العظيمة, فهو ذو شخصية جذابة محبوبة مهيمنة على المجلس الذي يحضره, يدرك ببصيرته اتجاهات الحاضرين، ويتحسس بشفافيته مشاعر الجميع حتى لكأنه درسهم فعرف كيف يخاطبهم وكيف يواجههم ويوجههم, لمجلسه هيبة ولوجوده حضور في النفوس بصرف النظر عن السن والثقافة والمنصب، فهو يملأ نفوس الحاضرين ويملك عقولهم، لذلك عندما يتحدث، ينصت الجميع، وكأن على رؤوسهم الطير.
لقد فقد المسلمون مجلس الشيخ المعتاد بعد صلاة المغرب من كل يوم, (المجلس) الذي لا يحضره احد، الا وأعجب بما يتحلى به الشيخ من أريحية عفوية وحكمة ولطافة وقدرة وقوة في آن واحد.
ما أصعب ان يجمع احد السجايا التي جمعها الشيخ, انه بحق (أمة في رجل) كما يقال مما ممكنه من (تقريب) حياة السلف النموذجية الضاربة في عصور الزمان لأجيال العصر الحاضر.
لم يكن ذلك صدفة من الصدف، وإنما كان نتيجة إيمان عميق راسخ، وصدق مع الخالق، ونصح للمخلوق وتخفف من الدنيا الفانية، وتوجه صادق للدار الآخرة.
مع هذا كله لم (يتسلط) ولم يمارس (وصاية دينية) على أحد، ولم يفرض رأيه أو فتواه على إخوانه العلماء في المملكة او خارجها، وإنما كان يحرص دائما على اتباع الحق، ويردد دائما ما معناه (هذا الذي أراه وعلى الإخوان ان يجتهدوا ولا يلزمهم اتباع ما أراه وأفتي به).
طلب وفد من المسلمين الأمريكيين منه ان يختار لهم كتابا في الفقه ليكون اساسا لائمة مساجدهم، فسكت ثم قال يصعب علي ان اختار كتابا معينا، ولكن يمكن ان أوصي بعدة كتب بعد التشاور مع بعض الاخوان ممن لهم تجربة وعلم، فاستغربوا من إجابته، وربما وأقول ربما لو سألوا غيره لاختار كتابا من كتبه او كتابا من كتب مذهبه او جماعته, فأشار عليهم به, أقنعهم ذلك الجواب غير المنتظر بالشيخ اكثر وأكثر وبدد من عقولهم ما كانوا يسمعون عن علماء المملكة من دعاية مغرضة.
عاش -رحمه الله- شبابه ومنتصف عمره وآخر سنيه وأيامه متوجها الى الله غير آبه بالنصب والتعب، بل كان يتلذذ بالعمل الطويل، يرى فيه متعته صابرا محتسبا, لم تكن لديه إجازة عن نشر العلم واللقاء بالناس والسعي في مصالح المسلمين.
لذلك كان محل احترام وحب الصغير والكبير، احترمته القيادة التي عرفت قدره، واحترمه العلماء وطلاب العلم الذين عاشوا أكثر من نصف قرن وهم يرجعون اليه، ويلوذون به عند الخطوب، وعظمه الدعاة في العالم الذين يرون فيه القدوة للعالم الرباني المخلص، وقلده العامة الذين رأوا فيه التواضع والسخاء والعلم والعمل.
من ذلك ومن غيره، كان - يرحمه الله - (رمز السلفية) الحقة (وحلقة) قوية فريدة من حلقات الدعوة الاصلاحية الحديثة التي بزغ فجرها في الجزيرة العربية فأضاءت العالم ومازالت ولله الحمد.
لقد حمى -رحمه الله- الدعوة السلفية من جمود المقلدين، وجموح الجاهلين، كما انه بذر البذور المخلصة لتأسيس مؤسساتها في العالم، حوّلها من شعارات الى مؤسسات، ومن غربة الى امر واقع مألوف، وكان من حسن حظ المسلمين ان الدعوة السلفية التي حمل الفقيد الراحل لواءها بحزم وعزم وعلم وعمل، كانت تقف خلفها بقناعة واختيار دولة ذات إمكانات سياسية واقتصادية كبيرة سُخرت من اجل امتداد رقعة تلك الدعوة الاصلاحية وتثبيت قواعدها، وبناء مؤسساتها, فرحم الله الفقيد، ووفق المسلمين للاتباع والاجتماع وللاجتهاد والجهاد, وإلى الحلقة القادمة في هذه السلسلة بعنوان (الفقيد بين المحلية والعالمية).
|
|
|