طباق وجناس الحكم بين الناس,, مسؤولية عظيمة محمد أحمد الحساني |
سمعت من احد المشايخ تفسيراً للموقف القرآني الموجه للأمة، لأن اهم هدف من قراءة القرآن الكريم التدبر والتعبد بما جاء فيه والاقتداء بأفعال الصالحين وتجنب اعمال غيرهم من الطالحين، وكان هذا الموقف الذي تضمنته آيات بيّنات عن قصة الخصمين اللذين تسورا على نبي الله داود عليه السلام المحراب حتى أفزعاه وهو في خلوته يتعبد ويسبح ويصلي، وكان سبب إقدامهما على ذلك وهما ملكان مرسلان لإبلاغ رسالة إلهية - ان سيدنا داود قد شغله تعبده في المحراب عن الخروج في الوقت المعتاد للقضاء بين الناس فلما استبطأ المتخاصمون قدومه تسوّر اثنان منهم محرابه!! ففزع منهم: قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا سبيل الرشاد !! الى نهاية ما جرى وكان مما ورد في هذا الموقف القرآني العظيم!
والشاهد هنا ان تأخر القاضي عن مجلس القضاء ادى الى جعل المتخاصمين يتسوّران عليه محرابه ولم يشفع له ان تأخره كان للتعبد والاستغراق في التهليل والتوحيد والتسبيح وليس في قضاء مصالح خاصة على حساب الدوام الرسمي، كما ان هذا التسّور قد فاجأ القاضي وأفزعه ولكنه لم ينهر فاعليه وانما استمع اليهما وهما يطمئنانه على هدفهما من التسور، بل والطلب منه بلهجة صارمة ان يحكم بينهما بالحق والا يظلم في حكمه (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط) وهما يقولان ذلك لعبد صالح ونبي كريم وقبل نشر دعواهما التي استمع اليها دون ان يغضب منهما وقد تسورا محرابه وأفزعاه وطلبا منه الالتزام بالحق والبعد عن الظلم، بل نحّى كل ذلك جانبا ومكّن المتخاصمين من الادلاء بما لديهما ليصدر بعد ذلك حكمه العادل على احدهما مؤكدا ان كثيرا من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض متثنياً من ذلك المؤمنين مذكّرا انهم قليل، مستوعبا الدرس الإلهي العظيم الذي كان وراء عملية تسور الخصمين المحراب وفي كتب التفسير تفاصيل واسعة عن الموقف كله، ولكن ما اردت الوصول اليه من ذكر هذا الموقف القرآني العظيم هو المقارنة بين ما هو مطلوب ممن يتولون مسؤولية الحكم بين الناس في امورهم العامة وبين ما يحصل على ارض الواقع من مواقف لا تنسجم في مجملها مع التوجيهات القرآنية الكريمة والنبوية الشريفة، وليس المقصود هنا القضاة الشرعيين وحدهم وان كانوا هم الاعلى مكانة والأهم موقعا لانهم يحكمون في الدماء والاموال والاعراض، ولكن كل من يوكل إليه مسؤولية الحكم بين طرفين سواء كان قاضيا شرعيا او عماليا او اداريا او قانونيا او طبيا او تجاريا او اجتماعيا او أمنيا فهو مسؤول امام الله مكلف بتوخي العدالة والانصاف في حكمه بين المتحاكمين امامه وان يتسع صدره لسماع دعواهم وان يلتزم بأمانة العمل والدوام الرسمي والمواعيد التي يضربها للمتخاصمين للحضور امامه بما لديهم من اوراق ومستندات وحجج مساندة لدعواهم وان يكون قلبه خاليا من المشاغل التي تشغله عن سماع الدعاوي أو لا تمكنه من استيعاب ما يقال امامه أو عدم قراءة ما يقدم له من اوراق حول القضية المنظورة في مجلس الحكم!
ونعود الى الموقف القرآني لنقارن بينه وبين الواقع في العديد من المواقع لنرى مدى التزام من يوكل اليهم امر الحكم بين الناس بالدوام الرسمي الذي يبدأ من الساعة السابعة والنصف صباحا ويستمر حتى الساعة الثانية ظهرا ونتساءل: هل هناك التزام فعلى بهذا الدوام الرسمي الذي بموجبه يأخذ الموظف الاجر عليه، واذا كان الجواب بالنفي فهل يجرؤ صاحب الحاجة على طرق باب منزل القاضي الشرعي او الاداري ناهيك عن تسور المنزل في حالة تأخره عن حضور المجلس او المكتب، وإن فعل الاولى او الثانية فماذا سيكون مصيره حتى لو كان سبب التأخر السهر ثم النوم او عدم الحضور لوجود مشاغل خاصة وليس التعبد في المحراب ؟!
وحتى لو صبر المتخاصمان على تأخر القاضي ساعات او اياما ثم جاء معتذرا عن التأخير او غير معتذر فهل يجرؤ احد على سؤاله عن سبب تأخره عن الموعد الذي ضربه هو نفسه للمتخاصمين فجاءوا بشهودهم قبل الموعد بساعة فلم يجدوه وان هم فعلوا ذلك وسلموا من غضبه فهل يجرؤون على تنبيهه ولو بلغة ولهجة الاستجداء الى وجوب الحكم بينهم بالحق والبعد عن الظلم، وان فعلوا ذلك فما هي ردة فعله عندها وهل ستسير الامور على ما يرام؟
وقد يأتي من يقول: واين نحن من نبي الله داود ومن أخلاق النبوة وافعال الصالحين؟! وهذا الكلام مردود على قائله: فالمراد من ايراد هذه المواقف الصالحة العظيمة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هو الاقتداء وان يكون لنا في الانبياء والرسل وفي مقدمتهم الهادي البشير سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة في كل شيء ولم يسجل القرآن الكريم تلك المواقف لنمرَّ عليها عابرين او للتسلية او لتتلقاها قلوب عليها اقفال لا تفتح، موصدة تماما امام الخير والموعظة الحسنة!
ونعود لنؤكد ان العمل العام في جميع مجالاته لاسيما الذي له علاقة مباشرة بالناس وحقوقهم مسؤولية عظيمة وشاقة وثقيلة على من تقلدها ورضي بحملها ولا يظننّ حامل هذه الامانة انها مجرد وجاهة وألقاب فخمة ودراهم كثيرة ومزايا عديدة، بل هي والله امتحان جسيم اما ان يؤديه الممتحن بأمانة واخلاص ونقاء ضمير ونظافة يد وقلب ويجتهد بكل حواسه في بلوغ ما يستطيعه من درجات الاتقان والكمال فيكون من الناجين السعداء بإذن الله او يمضي حياته كلها في الاستفادة من مزايا الموقع غير آبهٍ بمسؤولياته فيجد امامه ما عمل من سوء محضرا ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
***
لقد هزلت!!
لم يحدث قط حتى عند أعتى البلاد ديكتاتورية وتخلفا وتسلطا ان يفقد انسان ما جنسيته لمجرد قيامه بارتداء ملابس تخالف رأي الحاكم ولكن هذا الامر حصل في دولة تدّعي التحضر وتتسول على ابواب اوربا والغرب للانضمام الى ركبهم فلا تقابل الا بالازدراء,, حصل هذاالامر لان مواطنة غطت شعر رأسها بمنديل اعتقادا منها - وهي على حق - ان ذلك العمل من الستر والحشمة وقبل ذلك كلمة يوافق آداب دينها الاسلامي الحنيف!
ان اعتى المجرمين في تلك الدولة من قتلة ومهربي مخدرات ومختلسين والى آخر القائمة، لم يواجه احد منهم مثل هذا الحكم الجائر لانهم في نظر اولئك الحكام اقل خطرا من امرأة مسلمة تغطي رأسها بمنديل!! ولو ان امرأة اخرى في البلد نفسه مشت في الشارع العام شبه عارية ولا سيما خلال فصل الصيف لما وجدت من يستهجن عملها (الفاضح) وان فعل غيور ذلك فان مصيره السجن بتهمة الاعتداء على الحريات العامة، اما ان تحتشم امرأة واحدة بوضع منديل على رأسها فان ذلك مما يهز النظام ويجعله يتداعى حتى يصدر امرا بحرمان تلك المرأة من حق المواطنة فيا له من نظام عجيب يستحق التقدير والاحترام! ان دولة تسمح لكل انواع الفساد الاجتماعي والسياسي بالنمو على ارضها او تغض الطرف عنه ثم لا يكون همها الا محاربة مدارس القرآن الكريم والحجاب والارتماء في احضان مغتصبي المسجد الاقصى وبذل الود لهم,, والتحالف معهم ضد أمتها تحالفا استراتيجيا هي دولة تستحق ان تعامل بالمثل,, ولكن؟!
***
الغارمون الوحيدون!
يزعم الصرب انهم فقدوا خلال غارات الناتو حوالي الف شخص من العسكريين والمدنيين، وفي حالة تصديق هذا الرقم، فانه لا يمكن مقارنته باعداد من قتل وسحل وذبح من المسلمين الكوسوفيين والذين تبلغ أعدادهم عشرات الآلاف كما تؤكد وسائل الانباء وهذا يعني ان من دفع الغرم حقيقة حتى الان من دمائهم وامنهم وحياتهم هم اهالي كوسوفا فهم يبادون يوميا ويشردون، بل ان اعمال الابادة والتشريد قد بلغت اوجها منذ غارات الناتو على الجسور والمحطات الصربية، وبعد حوالي شهرين من (الشهامة) الغربية لا نرى الا المزيد من صور المأساة والامتداد لبقع الدماء!!
|
|
|