كانت النتيجة الابرز في انتخابات الكيان الاسرائيلي الاخيرة هي هزيمة نتنياهو رئيس حزب الليكود وفوز ايهود باراك رئيس حزب العمل برئاسة الحكومة المقبلة.
وكانت التقاليد السياسية قد جرت في الكيان الاسرائيلي على ان رئيس الحزب الذي يحصل على اكبر عدد من المقاعد هو الذي يتولى رئاسة الوزارة، كما هي حال الأنظمة السياسية البرلمانية، الا انه في انتخابات العام 1996 جرى تعديل ذلك ليقوم المواطنون بالتصويت مباشرة لاختيار رئيس للوزراء.
ولا يخفى على احد أن هذا الاجراء هو من تقاليد الانظمة السياسية الرئاسية,
وقد ساهم ادخال هذا التعديل سنة 1996 مساهمة كبيرة في فوز نتنياهو برئاسة الوزراء رغم عدم فوز حزبه الليكود بأغلبية المقاعد, وبادخال هذا التعديل يدخل العامل الشخصي في حسابات الناخب ضمن العوامل المؤثرة الاخرى، وكان هذا العامل لصالح نتنياهو في انتخابات 1996,
ولقد نظر الاسرائيليون الى شخصية كل من شيمون بيريز مرشح حزب العمل سنة 1996 وشخصية نتنياهو مرشح حزب الليكود في تلك الانتخابات, وكان الانطباع السائد عن بيريز انه شخص نظري كما انه معروف بانه من الحمائم داخل حزب العمل، وليس له سجل عسكري قوي، ولتغيير هذا الانطباع عنه ولزيادة فرصته في الفوز بانتخابات ذلك العام امر بيريز باغتيال يحيى عياش احد رموز العمل الاسلامي المسلح ضد اسرائيل.
وكانت حركة حماس قد اعلنت هدنة مع اسرائيل لاعطاء فرصة لعملية السلام في ذلك الوقت، الا ان اغتيال ابو عياش دفع بالحركة لاستئناف نشاطها المسلح، وقامت الحركة بعمليتين ضد اسرائيل في شهر من ذلك العام,
وعادت هذه العمليات بالضرر على سمعة بيريز كقائد قادر على حماية امن اسرائيل مما اضطره للامر بشن هجوم ضد حركة المقاومة اللبنانية، وطالت مدة هذا الهجوم دون ان يؤتي النتائج المرجوة منه مما اضطر بيريز للتوقيع على اتفاق نيسان ابريل مع المقاومة اللبنانية ورغم ان هذا الاتفاق انهى الاعمال العسكرية الا انه كان اتفاقا متوازنا بمعنى انه لم يحقق هدف بيريز بالظهور بمظهر المنتصر، واستطاع نتنياهو مع اقترب الانتخابات ان يكشف كلمة السر للفوز بتلك الانتخابات والتي كانت الأمن, لقد فشلت كل الاعمال التي قام بها بيريز للظهور بمظهر القائد الناجح عسكريا، وعادت عليه بضرر اكبر من النفع المرجو، واستغل نتنياهو ذلك بمهارة فائقة.
و لقد كانت انتخابات 1996 اول انتخابات تجرى في اسرائيل لاختيار رئيس الوزراء من قبل الشعب مباشرة، وهذا مثلما قلنا ادى الى بروز اهمية شخصية المرشح, واستطاع نتنياهو الذي عاش ودرس في امريكا لفترات طويلة ان يستغل هذا العامل افضل استغلال, فاقامة نتنياهو في الولايات المتحدة لفترة طويلة وتمكنه البالغ من اللغة الانجليزية جعلاه متحدثا لبقاً الى وسائل الاعلام الدولية.
ولأن الرئيس ينتخب من قبل الشعب في الولايات المتحدة فان العامل الشخصي يلعب دورا كبيراً هناك، ونقصد بالعامل الشخصي ثقة الناس في شخصية القائد وقدرته ونظرا لأهمية هذا العامل في الانتخابات الامريكية فإن هناك الكثير من المتخصصين الذين يرشدون المرشح للظهور بمظهر معين امام الناخبين
ولقد استعان نتنياهو سنة 1996 بفريق امريكي متخصص لمساعدته للفوز, وتمكن نتنياهو وفريقه من العثور على كلمة السر: الامن، التي ظل نتنياهو يرددها في كل اجتماع ولقاء.
وبعد الفوز كانت استراتيجية نتنياهو هي تعطيل مسيرة السلام الى اقصى حد على امل قيام نزاع فلسطيني0 فلسطيني تخرج اسرائيل الرابح الأكبر فيه، او ان يرضى الفلسطينيون مضطرين للفتات الذي يفرضه نتنياهو عليهم, ولقد ظل نتنياهو يراوغ ويكذب ويعطل لمدة ثلاث سنوات ولم يتحقق ما يتمناه, حيث لعب نتياهو لعبة المراوغة والتعطيل بطريقة مكشوفة حتى لأبسط الناس مما اضر باسرائيل كثيراً على الساحة الدولية وهكذا دخل نتنياهو انتخابات 99 وقد اهتزت صورته كثيراً.
وعلى الطرف الآخر قام حزب العمل بتغيير قيادته، حيث تولى رئاسة هذا الحزب ايهود باراك رئيس اركان الجيش الاسرائيلي سابقاً, ويتمتع باراك بسجل عسكري جيد من وجهة نظر اليهود, حيث قام سنة 72 بالتنكر بزي امرأة واغتيال عدد من قادة منظمة التحرير في بيروت، كما ساهم باغتيال خليل الوزير ابو جهاد نائب الرئيس عرفات للاعتقاد بدوره الكبير في تنظيم الانتفاضة التي عمت الاراضي الفلسطينية منذ نهاية عام 1987 حتى بدء مفاوضات السلام والنجاحات العسكرية مهمة لاي قائد يهودي لاحساس اليهود باضطهادهم عبر التاريخ، واحساسهم بضرورة وجود القوة العسكرية التي تحميهم فاليهود يحسون دائماً بحقد كل الشعوب عليهم وان هذا الحق العالمي ناتج عن تفوق وتميز اليهود على بقية شعوب الارض, وباراك هو تلميذ رابين الذي كان يعتبر من الصقور داخل حزب العمل، والذي يؤمن باهمية القوة لاخضاع العرب واجبارهم على القبول اسرائيل, واستطاع باراك ان يقدم نفسه على انه خليفة رابين القادر على تحقيق الامن والسلام والنمو الاقتصادي لاسرائيل.
ومما ساعد باراك على الفوز انه قدم نفسه على انه رئيس لكل الاسرائيليين وانه القادر على اعادة اللحمة الى الصف الداخلي,
وكان نتنياهو قد فجر خلال فترة حكمه الكثير من التناقضات داخل المجتمع الاسرائيلي, وكما هي عادة القادة الضعفاء لجأ نتنياهو الى اسلوب فرق - تسد، فاثار العصبيات والنعرات داخل الفسيفساء الاسرائيلية وبدلاً من النجاح في تفريق الفلسطينيين وتفجير خلافاتهم نجح نتنياهو في تفجير الخلافات داخل المجتمع الاسرائيلي بين المتدينيين والعلمانيين وبين اليهود الاوروبيين واليهود الشرقيين,
وكان اول من تخلى عن نتنياهو وزير خارجيته السابق ديفيد ليفي، الذي مل من اسلوب الكذب والمراوغة المكشوف والمفضوح الذي يتبعه نتنياهو، والذي مل كذلك من تفرد نتنياهو باتخاذ القرار ثم تخلى عنه مؤخراً وزير دفاعه اسحق موردخاي والذي استطاع دق المسمار الاخير في نعش نتنياهو في المناظرة التلفزيونية التي جمعتهما والتي رفض باراك الاشتراك فيها خوفا من اساليب نتنياهو البارعة في التلاعب بالكلمات.
ولكن هل فوز باراك يعني ان العملية السلمية ستؤدي الى اعادة ولو الحد الادنى من الحقوق العربية والمتمثلة في انسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلت سنة 1967 بما فيها القدس وقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة, لقد حرص باراك على اعلان اربع لاءات في خطاب الفوز بالانتخابات وهي لا تفاوض بشأن القدس، لا عودة كاملة الى حدود 1967 لا تفكيك للمستوطنات التي اقيمت في الاراضي المحتلة سنة 1967 ولا لقبول جيش غير الجيش الاسرائيلي غرب الاردن وهذه اللاءات تعني ان الفلسطينيين مقبلون على مرحلة من اصعب المراحل في كفاحهم من اجل نيل حقوقهم وهم وان كانوا قد تعدوا مرحلة نتنياهو إلا أنهم الآن يواجهون تحدي باراك ولكي يستطيع الفلسطينيون النجاح في استعادة الحد الادنى من حقوقهم فهم بأمس الحاجة اولاً لوحدة الصف الفلسطيني الداخلي واحترام كافة التيارات وبالذات التيار الاسلامي بزعامة الشيخ احمد ياسين الذي اثبت حرصه وتعاونه مع السلطة قدر الامكان.
ثم إنه ايضا لا بد من الحصول على الدعم العربي الكامل وكذلك الدعم الدولي اللازم لاجبار باراك على احترام القرارات الدولية, فعلى القيادة الفلسطينية ومن اجل تحقيق الحد الادنى المقبول فلسطينياً وعربياً واسلامياً يجب الا تسقط من خياراتها خيار توقيف العملية السلمية برمتها والعودة الى الكفاح المسلح ان هي اضطرت لذلك.
يمكن مراسلة الكاتب على البريدالالكتروني: Lheedan*ksu.edu.sa
أوعلى البريد العادي ص,ب 178 الرياض 11352,
الدكتور عبدالله فهد اللحيدان