Monday 24th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 9 صفر


فقد العلماء
دموع سكبت وأحزان رسمت

الله اكبر كم هي فجيعة موت العلماء لا تعادلها فجيعة، بالامس فقدنا الشيخ صالح بن علي بن غصون رحمه الله وحسبناها أياماً قلائل وننسى ذكراه، ولكن هاهي ذي الايام تمر ومازالت ذكراه عالقة في اذهان الناس جميعاً ان من يعرف الشيخ صالح بن غصون على يقين ان ما كتب عنه انما هو رؤوس اقلام لأخلاقه وصفاته وان صفاته رحمه الله تتطلب اضعاف ماكتب وبخاصة ممن عرفه ولازمه وحظي بقربه، فالشيخ رحمه الله نموذج نادر رائع للمسلم العامل العابد المؤثر في بيته وفي مجتمعه، رجل اعطى اهل الحقوق حقوقهم وتفضل على غيرهم، وقبل ذلك كله تفرغ للعبادة وقراءة القرآن والكتب الشرعية فحظي وقته بالبركة واتسمت حياته بالتوفيق، رجل شق حياته رغم المصاعب فسل سيف الجد والمثابرة وصار يقتل كل دعة او سكون او اخلاد للراحة، عاش رحمه الله صالحاً عابداً، احسن الى من استطاع وعطف على من قدر ولطف مع من تحدث معه وساعد وشفع لمن احتاج بقدر طاقته ووسعه فتبوأ منزلة في سويداء القلوب، احبه الناس لما لمسوه من اخلاقه وتواضعه وجده، احبه الكبير لتواضعه وعلمه واحبه الصغير لملاطفته واحبه القريب لبره واحسانه، كان رحمة الله عوناً لليتامى والثكالى يمسح بيده عليهم فيطرد الحزن والاكتئاب عنهم لتحل بهم السعادة والفرح والانس، فهو والد للجميع فقده الناس جميعاً ولذا فهم يعزون بعضهم فالجميع ابناؤه واحباؤه، لقد افتقده رحمه الله اهله فهو رحيم بهم، وطلابه فهو معلم حصيف لهم، وجماعة مسجده فهو سارية من سواري المسجد وافتقده البعيد الذي يحظى بعلم الشيخ عن طريق الهاتف، واخيرا افتقده الفقير الذي لم يطرق بيت الشيخ الا وحظي بمعونة ومساعدة، فكلهم قد حزنوا وفجعوا وما لهم الا الصبر والدعاء, رحل الشيخ صالح بن غصون رحمه الله في وقت احوج مانكون فيه الى العلماء فقد تفشى الجهل وكثرت الشبه واحتاج الناس جميعا الى السؤال والاستفسار.
رحل ومازالت ذكراه في كل مكان,, في المسجد الذي كان سارية من سواريه وفي الاذاعة وفي مجلسه الاسبوعي المليء بالجديد من العلم والآثار.
رحل رحمه الله ومازال صوته يرن في اذن كل مستمع وكل سائل سأله عبر الهاتف او في المسجد فتوقف الشيخ رحمه الله على مشقته ومرضه واطرق الى السؤال ثم افتاه بتواضع ولطف.
هكذا الدنيا نزول وارتحال، افراح واتراح، بالامس كنا نستمتع بدروسه وهانحن اليوم نبحث عن كلمات تكون رثاء له فلا نجدها فالقلوب مصابة والنفوس ثكلى والمدامع مازالت تذرف الدموع حزنا على فراقه، فهذه مصيبة تبكي العيون وتدمي الجفون وتشجي الصدور.
لم تكن مصيبة الشيخ لاهله فقط بل لكل مسلم غرس في نفسه محبة اهل العلم، فهناك في المسجد وفي المقبرة واخيرا في منزل الفقيد تساءل الناس وانثالوا اليه يعزي بعضهم بعضا فلا تسمع الا النشيج والعجيج، فموت العلماء مصيبة الامة لامصيبة العائلة.
لقد كان الشيخ رحمه الله نموذجاً رائعاً من العلماء المجاهدين العاملين، فهو كفيف البصر ومع ذلك شق طريقه نحو المجد بكل قوة، رحمه الله فقد كانت اخلاقه شريفة وطباعه كريمة وسجاياه جميلة ولعل عزاءنا لابنائه ان نقول ان وفاة والدكم امر يشغل الخواطر ويطرف النواظر ويطيل الهواجس، ولكنه داء الموت ليس له دواء فاصبروا وصابروا فأنتم على خير ان شاء الله.
وما زال المسلمون يكفكفون الدمعات ويوصي بعضهم بعضا بالصبروالاحتساب ومازالت المآقي رطبة حزناً على فراق الشيخ صالح بن غصون حتى فجعوا مرة اخرى بوفاة فقيد الامة مفتي الديار الامام العلامة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله فوكفت العيون مرة اخرى وسالت الدمعات وانعقدت الالسن من هذه الفجيعة فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد فقد العالم الاسلامي رجلاً كالجبال في ايمانه وعلمه وصبره، فقده الجميع وبكى عليه القريب والبعيد فهو والدهم جميعاً، حزن البعيد والقريب فمحبة الشيخ سكنت في القلوب، عرفه الناس مؤمناً صابراً عالماً زاهداً ورعاً له بصمات كثيرة في الاعمال الخيرية لايقصده احد بعد الله الا ويحظى بحاجته، ولايكتب له صغير او كبير الا ويأتيه الرد بعد ايام قلائل، لا يستثقل الدروس العلمية ولايمل من مقابلة الناس ولايسأم من الفتاوى فصار وقته ملكاً للناس وليس ملكاً له، عزيمته تزداد وصبره يقوى وهو رحمه الله قد اقبل على التسعين، رجل اعطى الامة همه ووقته فأعطاه الناس حبهم وتقديرهم فلاتجد احداً يؤمن بالله يستنقص ذلك الجهبذ، ولا تسمع الا ثناء من الناس ودعاء، رجل عمل بإخلاص وقصد بذلك وجه الله عز وجل، صدق في عمله واخلص في عمله فعرفه الناس جميعاً بالخير والصلاح، لم يطلب مجداً او مصلحة له فلو كان كذلك لعمل سنوات قليلة وحصل له ما اراد، انما عمل لله ولذا فأكثر من سبعين عاماً واحسانه يزيد وعمله يتكاثر ومع ذلك لم يسأم ذلك، انه يعلم ان الجزاء على قدر العمل وان الاجر على قدر النصب، كثير من الناس عملوا قصيراً ثم توقفوا لانهم طلبوا شيئاً معيناً حصل لهم كالمجد والمال او السمعة والشهرة، اما سماحة المفتي فقد عمل الى آخر ليلة في حياته، لم يقصر في الفتوى او قراءة المعاملات او الرد على اهل الحاجات والشفاعة لمن طلبها من الناس ومتابعة احوال المسلمين في انحاء العالم ولايعمل كذلك الا من يريد الاجر والثواب فالطبع يغلب التطبع.
لقد فقدنا في اربعين يوماً عالمين جليلين سكبت عليهما الدموع وتذكرهم الناس بفضلهم وعلمهم، لقد فقدنا عالمين عملا في هذه الحياة لانهما علما ان الدنيا مكان للعبور وليس للتعمير، عملا باخلاص وصدق ووفاء فصعدا بأجنحة الجد الى اعلى ابراج الفضائل، وردا المشرب الاول الذي لم يطرق لأنه صاف وحذرا من المشارب المطروقة بالآراء الفاسدة فسلما دنيا وآخرة بإذن الله، يأسفان لوقت مضى من غير طاعة فصارت ايامهما مليئة بالذكر والطاعات، لايتركان القراءة والعمل في اوقات المرض والاجهاد فإن هبت نسائم العافية رجعا الى عملهما كأنشط الناس، اصلحا السرائر ففاح عبير فضلها وعبقت القلوب بنشر طيبه، عاشا في الدنيا في قناعةوزهد فهما يعلمان انه لا عيش في الدنيا يطيب لمن ايامه السليمة تقربه الى الهلاك وصعود عمره نزول عن الحياة، وصدقا في طلب العلم والعمل فكتب الله لهما القبول فالصدق في الطلب اين وجد يدل على الجادة وإنما يتعثر من لم يخلص، هما من اقوام صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى رووا يوم الموت من شراب الرضا وبقيت اذكارهم تروى فتروي صدأ القلوب وتجلو صداها قدما كل شيء لأمتهما بإخلاص فعلامة المخلص ان يكون في جلوته كخلوته.
رحمهما الله فقد قدما الكثير للامة فبادلتهما الامة بالمحبة والتقدير والدعاء لهما كل وقت فكم عملا واصلحا وبينا وانفقا الكثير، وسيبكي عليهما القريب والبعيد وستظل ذكراهما في القلوب، وذكرهما على الالسن نسأل الله لهما المغفرةوالرحمة والرضوان وان يسكنهما فسيح جناته وان يرفع قدرهما في الفردوس الاعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً كما نسأله سبحانه ألا يحرمنا اجرهم ولايفتنا بعدهم ويغفر لنا ولهم، كما نسأله جل وعلا ان يبارك بعلمائنا وان يلطف بمن تأثر بفقدهما ويشفي مرضانا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د,طارق بن محمد بن عبدالله الخويطر
معهد القرآن الكريم بالحرس الوطني

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق البنوك
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved