الحمد لله وحده، كل شيء هالك إلا وجهه،والصلاةوالسلام على نبينا محمد القائل اذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب , أما بعد:
فإن من أكبر المصائب وأعظم الفجائع تلاحق موت العلماء، فلمثل هذا يحق للدمع أن يسيل، ويعذر فيه بالوجد الشديد والعويل.
فبموت العلماء تكثر الآفات,, فيذهب معهم علم كثير، وتفتح جبهات على المسلمين كانوا يسدونها، وتتكلم ألسنة بالباطل كانوا بالحق يخرسونها، وتنتشر نيران فتن كانوا يطفئونها، وتظهر شبهات تلبس على الناس دينهم كانوا يوهونها ويبطلونها,, ففي الحديث: موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر لي من موت عالم أخرجه الطبراني في الكبير, وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:,, تكثر الفتن ويكثر الهرج ويرفع العلم,, قال عمر: أما إنه ليس ينزع من صدور الرجال، ولكن تذهب العلماء .
لقد أصيبت الأمة بوفاة شيخها، وعلامة العصر وإمام أئمته، وقائد الدعاة الى الله فيه، ناشر السنة، وقامع البدعة، العالم الرباني، المحدث الفقيه الأصولي سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله- يوم الخميس 27/1/1420ه، لقد كان خبرا عز على الأمة مسمعه، وأثر في القلب موقعه، يهد الجبال الرواسي، ويفلق الحجر القاسي، كادت له القلوب تطير، والعقول تطيش، والنفوس تهيم, إن المصائب به فتَّ الأعضاء، وفتت الأكباد، رزء ملأ الصدور ارتياعا، وقسم الألباب شعاعا، وترك العقول مجروحة، والدموع مسفوحة، والقوى مهدودة، لكن في الله عزاء من كل مصيبة، وليس للمسلم إلا الصبر والرضا بقضاء المولى جل وعلا.
وعند الحديث عن الشيخ يرحمه الله، يقف اللسان عاجزا، والفكر حائرا، من أين البدء؟ وفي ماذا سيكون الحديث؟,, إن الشيخ رحمه الله كان مثالا في كل شيء عرف عنه، زاهدا في حياته، ورعا في تعاملاته, أخاذا بعلمه ودقة فهمه، قدوة في كل فعاله واقواله، ساميا في نياته،عظيما في تأملاته، وبالجملة كان أنموذجا رائعا، وتطبيقا واقعا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم, ليس القائل أنا فحسب، لكن الأمة في هذا العصر أطبقت على صلاحه، والناس شهداء الله على خلقه.
نعم أيها الشيخ: أخشى إذا خط قلمي شجون محبتك، وامتدت يراعتي للحديث عن سيرتك، أن تخون العبارة، ولا تحسن الاشارة، فكم كتبت، وكم نسخت وأعدت,, وحذفت وأضفت، وأوجزت وأطنبت,, لكن المحصلة للكل، ان العبارات تعجز عن وصفك، والكلمات لا تفي بذكراك، والأحاسيس لا يمكن تجسيدها,, ولا في سيل من الكتب,, لكن من حضر وشاهد مشهد توديعك للدنيا في بيت الله الحرام فلابد أن يكتب.
حيث قدم الناس من الشرق والغرب من داخل البلاد وخارجها، ممن يتكلم العربية ومن لا يحسنها، العالم والعامي، كلهم بقلب واحد حزين كسير مكلوم لم يجمعهم إلا حب الرجل الصالح، العابد الزاهد، الذي ملك قلوبهم، وأسر نفوسهم، بكرم علمه، وعظيم حلمه، وصدق نصحه، وكريم سجاياه، وعظيم شمائله، له في كل خير أياد، وفي كل بذل سخاء، وفي كل بر عطاء، اجتمعت قلوبهم لك بالمحبة في الله ولله، وارتسمت على وجوههم علامات اليتم والحرمان,, العيون باكية،والألسن مسترجعة، ولك الى أعلى الجنان داعية,, انتهى الإمام من صلاة الجمعة، نادى المنادي: الصلاة على الشيخ,, لم يفق الجميع بعد من صدمة الفراق، وان الشيخ فعلا قد مات، وأنه الى ربه سيساق، أصحيح ان الشيخ مات؟ إن الخبر أصبح معاينة، والمنادي ينادي: الصلاة على الشيخ باسمه,, ومع اختلاف الأجناس واللهجات ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب والعويل,,، حتى لكأنهم صغار فقدوا أباهم، أو يتامى مات من يرعاهم,, لحظات مرت في المسجد الحرام، لم يكن يخطر ببال الباكين أنهم سيبكون، ولا الناحبين أنهم هكذا سيفعلون, إنها مشاعر يصعب تدوينها، وأحاسيس يستحيل تجسيدها, مع ان كثيرا منهم لم يحزنوا على آبائهم ولا أبنائهم كما رقت قلوبهم لفقدك!.
إلى هذا الحد أحبك الخلق! ما أجمل ما ربيت وعلمت, نور الله ضريحك أيها الشيخ.
إن ما زرعته فيهم بسيرتك العطرة وتعاملك الفذ وتفانيك في العلم والدعوة قد آتى ثماره، فكلهم أحبك، ولا إخاله إلا لله، فقد كان تعاملك مع الجميع لله وفي الله.
كل واحد من هؤلاء يذكرك بأطيب الذكر، فبذلكم السخي قد طاله.
أما طلاب العلم ومشايخه فأساهم عظيم، وخطبهم شديد، فقد فقدوا مرجع الأمة، وإمام أهل السنة، لقد كان الشيخ -رحمه الله- الموجه والمرشد، والمعلم المربي لهم؛ لما حباه الله -عزوجل- بالحفظ الغزير، والفهم الصحيح، والأدب القوي القويم, إن الشيخ -رحمه الله- بالاضافة الى علمه الواسع بالعلوم الشرعية واللغوية كان إماما في الحديث، يستحضر أمهات كتب الحديث من ذاكرته بأسانيدها، وهو مع هذا حاد الذهن، شديد الفطنة، لم يكن مقلدا ولا متعصبا، وإنما منهجه منهج السلف الصالح ما صح الدليل فيه فالعمل عليه، مع ما اشتهر به من سكينة ووقار وتواضع وزهد جعلت الناس يتوافدون عليه متى ما سمعوا بوجوده في أي مكان في المسجد أو في المكتب أو في المنزل,, يسمع منهم بالرغم من كثرتهم وازدحامهم بإصغاء وانتباه شديدين، فيجيبهم بما يقنعهم، ويشفي صدورهم.
يأتيه سائل أرقت لياليه حادثته، فأسهدت عينه، ولم يعرف لها حلا، فالكل من أهل العلم لحادثة هذا الرجل وقفوا،حتى رأى محيا الشيخ عبدالعزيز، فاستبشر بالفرج، فإذا بفتواه الملهمة، المعتمدة على أصول الكتاب والسنة، المذيلة بالدليل والحجة، قد خرجت للملأ محجة، تريح الفؤاد، وترجع للذاهل الصواب.
من لهذه النوازل؟ ومن لهذه الحوادث والفتاوي؟ أفسح الله في قبرك أيها الشيخ.
لقد كان طلاب العلم يلجأون اليه في المعضلات، ويستنيرون برأيه في المدلهمات، ويفزعون اليه في كل ما يرون مما يعكر على الناس صفوهم، أو يفسد عليهم سلوكهم وخلقهم، أو يلبس عليهم أمور دينهم، فيجدون في الشيخ الدلالة بعد الحيرة، والبيان بعد الغموض، والعزيمة الصادقة، والنصح الصائب، والتوجيه والارشاد، والقوة في الحق، والمسارعة الى العمل.
فأين مرجعهم؟ ومن لموجههم؟ وكيف الوصل لإمامهم؟ تغمدك الله برحمته أيها الشيخ.
وهناك آخر من الناس ضاقت في وجهه السبل، وسدت في وجهه الطرق، عصفت به عواصف الثبور، وقواصف الدهور، قد عاين شدة متعبة، وعانى أمورا مستصعبة، فما ان يعرض على الشيخ مشكلته، ويبين له ملمته، حتى يسعى له الشيخ فيقشع عنه -بتوفيق الله- ضبابة محنته، ويجلي عنه غمرة كربته، فيخرج من عند الشيخ وكأنما أخرج من الضيق الى السعة، ومن الانزعاج الى الدعة.
والأمثلة في هذا كثيرة وغزيرة، فكم شخص أقلقه الفقر، وآخر انهكه الدَّين، وثالث يحتاج لعون في مؤسسة حكومية، ورابع في عيادة طبية، وآخر لقبول طالب، وغيره في طلب وظيفة ونقل,, وشفاعة,, وكل ما يعتور الناس من حاجات في دنياهم,, والشيخ للجميع مستجيب,, اسألوا الأمراء والوزراء ورؤساء الدوائر والوجهاء والأثرياء وكل من للناس عنده حاجة، اسألوهم كم من شفاعة من الشيخ للناس وصلتهم؟ وكم من خطابات منه - رحمه الله - لمنفعة الخلق بلغتهم؟ وكم هاتفهم الشيخ لمساعدة الخلق ممن لا يعرفهم الا في وقت سؤالهم له؟
والآن من لذوي الحاجات؟ من يساعدهم في رفع الكربات؟ ألا خلد الله ايها الشيخ في الجنان ذكرك، واعلى عنده قدرك.
وإذا جاءك طالبا في حاجة او مستلهما مشورة، فما ان يدخل عليك الا تأخذه الدهشة، ويمتلكه العجب، لقد بهت لما رأى، واستعظم ما شاهد، فالشيخ الذي ذاع صيته، وسارت الاقطار بأخباره يجلس في وسط الناس باختلاف اجناسهم ولغاتهم يسمع من ويجيب ذاك، يكلم كل واحد منهم على كثرتهم حتى كأنه لا يوجد في المجلس سوى ذلك السائل ، ومع كثرة الحضور يستقبل بين الفينة والاخرى مكالمات هاتفية وسيلا من المعاملات، والكل ينشد رؤيته، وسماع كلامه، وحفظ جوابه، والانصات لفتواه، يتأمل تصرفات الشيخ وفعاله، فيجد تطبيق السنة فيه واقعا، في حديثه مع الناس وتعامله، فالزهد والتواضع، والسكينة والوقار لا تفارق الشيخ ابدا، لا يسمع منه الا ما ينفع، ولايدور في مجلسه الا الخير، الناس على مائدته دوما مدعوون، من جميع الفئات، وشتى الطبقات، وكلهم في مجلس الشيخ مستوون، فمنزله مألف الاضياف، ومأنس الناس، شهد بهذا القاصي والداني, يلحظ من يتأمل افعال الشيخ ممارسته للسنة في كل فعاله، في سفره وإقامته، في تعامله وعبادته، حتى في جلسة الاكل وطريقته، فالشيخ كان يأكل بأصابعه الثلاث، ناصبا ظهره، مقيما رجله اليمنى ثانيها، فارشا رجله اليسرى على الارض، كما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يفعل.
وان كان في دعوة الى مناسبة او وليمة، يأمر أحد الموجودين بقراءة القرآن، ثم يقوم الشيخ بتفسير الآيات ويعقب ذلك بالدعوة الى الله والتذكير بالتقوى، ثم يستقبل الشيخ اسئلة السائلين,, وهكذا فيومه كله على هذه الحال، درس وفتوى وسؤال عن حاجات الناس، وتفقد لأحوال الامة، حتى ان تسجيل فتاواه - يرحمه الله - لبرنامج نور على الدرب لا يتم في احايين كثيرة الا قبيل نومه في الليل.
كل وقتك للامة، يالك من صاحب همة! وصدق القائل عنك: رجل من جيل الصحابة يعيش بيننا.
اما المسلمون في اصقاع الارض من موطن الاسلام ومهاجر المسلمين فمصابهم عظيم، وخطبهم جلل، فبالرغم من انك لم تخرج من هذه البلاد حرسها الله الا انك كنت لهم قائد الدعوة ومهوى الافئدة، فبمشورتك يستنيرون، وعلى فتواك يعولون، وعند الخصام برأيك يعملون، فمن ينسى الدور الكبير الذي بذلته لما كنت في الجامعة الاسلامية، اذ انتدبت باسم الجامعة المدرسين للتدريس في الجامعات والمدارس والمساجد في شتى انحاء العالم، في الهند وافريقية والشرق والغرب,, يعلمون الناس امور دينهم الحق، ويحصنوهم من التيارات الهدامة والفرق الضالة, فما ان لاحظ الناس الخير الذي جاءهم حتى انهالت رسائل الشكر من علمائهم وعامتهم يشكرون الجامعة ان هداهم الله لدينه الحق على ايدي هؤلاء المدرسين، ثم لم تزل تدعم المسلمين هناك بالدعاة وتزودهم بالمراجع، وتحثهم وتوجههم وترشدهم ولا ينسى الناس ما كنت تناشد به من اقامة مراكز اسلامية في تلك الديار تكون منارات اسلامية، تخرج الدعاة من ابنائها لتنشر الدين في البلاد التي حولها والحمد لله الذي اقر عينك بافتتاح العديد منها على يد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله.
لقد كانت قضايا المسلمين في الشرق والغرب هاجسك، تسأل عنهم وتتابع اخبارهم، وتناشدهم وتناشد لهم، حت ان الواحد ليدهش من سعة اطلاعك على أخبارهم ، ومعرفتك بأوضاعهم,, ولأهمية ذلك لك فقل ان تخلو جلسة من المجالس التي ترأسها من الحديث عن اوضاع المسلمين والسعي لإصلاحها فمن ينسى الفتوى التي اصدرتموها في جواز ارسال الزكاة الى المسلمين المحتاجين في الخارج ولا انسى ولن ينسى الناس ان الشيخ كان يسعى لهم حتى في ايامه الاخيرة، ففي اخر جمعة صلاها في جامع العباس بالطائف وكان ذلك قبل وفاته بنحو عشرة ايام خطب الامام عن اوضاع المسلمين في كوسوفا ومدى حاجتهم فما ان انتهت الصلاة حتى وقف الشيخ امام الناس، وألقى موعظة حث فيها على التبرع للمسلمين هناك,, فلله درك من عالم عامل، وقدوة في الحق مناضل، لم يؤخرك المرض عن الامر بالخير.
وبعد رحيلك ايها الشيخ: من يهتم بهؤلاء المسلمين ؟ ومن يعايش قضاياهم؟.
وصدق القائل: ان الشيخ عبدالعزيز ليس ملكا لبلد او شعب او دولة، انه ملك لجميع المسلمين.
ايها الشيخ: ومع كريم خلقك، وعظيم حلمك، كنت قويا في الحق، لا تخاف فيه احدا، سيفا جلدا على المتجاوزين على حدود الله، غيورا على محارم الله، تدافع عن حقوق المسلمين، فما سمعت ببدعة الا سبقت الناس على حربها ولا بظلم الا انكرته.
هل ينسى الناس انك العالم الوحيد في العالم الاسلامي الذي ارسل رسالة انكر فيها على الطغاة قرار اعدام سيد قطب؟.
اوَ لا يذكر الناس انك استصدرت قرارا في رابطة العالم الاسلامي تدينون فيه اقوى دولة في العالم فرضوا طغيانهم الشيوعي بقوة العتاد والنار في جنوب اليمن؟
ام هل يغفل الناس عما كتبته ونشرته من انكار على كل من يريد مساس الاسلام بسوء، او يقول فيه بغير حق، كائنا من كان؟
ايها لاشيخ: ها قد ترجلت عن صهوة جواد كلمة الحق، فمن سيمتطيها؟
ايها الشيخ: بكى الناس على فراقك مرارا، عندما تركت مدينة الخرج، ثم الرياض ثم المدينة، بمشاهد كلها ألم ، واحساس بالحرمان واليتم، وكنت تسليهم بكلامك العذب، ووعدك لهم بأنه - ان شاء الله - ليس اخر العهد، مع عبرات تخنق كلامك فبقدر ما تزيد من بكائهم ، زادت مودتهم لك.
واليوم ايها الشيخ: من يسلينا عن فراقك؟ ومن يعدنا بلقائك؟ انه المولى جل وعلا نسأله ان يلهمنا وذويك الصبر والثبات، وان يجمعنا بك في مستقر رحمته، في جنة لافراق بعدها، وان يخلف الامة بعدك بالخلف الصالح.
قدس الله ثراك، واكرم مأواك، وتغمدك من عفوه بما يفوت آمال المؤملين، ويوجب لك مرافقة الانبياء والمرسلين، انه جواد كريم.
هشام بن صالح الزير
قسم الدراسات الإسلامية بفرع جامعة أم القرى بالطائف