عندما تقرأ الجريدة تقول لنفسك بعد أن تلقي بها جانباً: (ما فيها شيء يقرأ) وتتأسف على ريالين دفعتهما فيها, ولكن لو هجرت الجرائد على اساس ان (ما فيها شيء) فبعد شهر او شهرين ستشعر انك خارج الزمن, ففي كل المجالات لن يكون وجودك الا من خلال الاسئلة (لا يا شيخ متى؟) (في ذمتك منهو؟) و(اسألك بالله وين؟) وهكذا فالعالم يتغير بشكل غير منظور للذي يعيش فيه, ولكن الذي يعيش خارجه يفاجأ ان هناك تغيرات كبرى حدثت في غيابه, فهذا العالم لا يختلف عن عالمنا الشخصي في داخل البيوت, فأطفالك يكبرون وانت تكبر دون ان تحس، حتى يأتي صديق او قريب لم تره منذ زمن طويل يوقظك على تدفق الايام (ما شاء الله وش هالشيب في رأسك) (هذه يارا ابنتك التي كانت تحبي ما شاء الله؟) وعندما تقول له (لدي اربعة او خمسة) سيفرصع عيونه وهو يقول: (في ذمتك؟) حتى هو سيستيقظ على حقيقة لا يراها الا في الآخرين, تذكر آخر مرة التقينا كان قبل ثماني سنوات, فلن يصدق حتى يعود للحساب بيده وفي خياله وبربط الأحداث بالتواريخ.
من يصدق ان حرب الخليج مضى عليها حوالي عشر سنوات كأنها حدثت بالأمس القريب رغم ان الذين ولدوا بعدها اصبحوا يقرؤون ويكتبون ويشاركون بعقولهم في وعي هذا العالم.
الغريب في تسارع الزمن انه يختلف من عمر الى آخر, فكلما تقدم العمر بالانسان كلما احسن ان الزمان يجري اكثر, واعتقد ان هذا يعود الى النسبة والتناسب, فالطفل ابو عشر سنين عندما تمر عليه سنة سيلاحظ انها دهر لأنها تمثل عشرة في المائة من عمره, اما الرجل في الستين عندما تمر عليه سنة فكأنها ليلة البارحة لأنها لا تمثل بالنسبة لعمره اكثر من واحد على ستين, وربما لان اطماع الطفل تنحصر في كل يوم بيومه بينما اطماع الكبير تتمدد على الزمن (يريد ان يتزوج يريد ان يبني بيتاً الخ) وهذا يعني دفع الايام لتمضي بأسرع من خببها المعتاد.
السنوات تتكتل كلما تقدم بالانسان العمر, ففرق السنوات يتناقص مع تزايد العمر فالطفل ابو سبع سنوات ينظر الى الطفل ابي ثلاث سنوات انه صغير جداً, ولا يمكن ان يلعب معه ولكن بعد مضي سنوات عندما يصبح ابو ثلاث سنوات في الثالثة والأربعين يصبح ابو سبع سنوات في السابعة والاربعين هل هناك فرق بينهما؟ بل ربما تنافسا ايهما اكبر اذا لم يكن هناك تسجيل دقيق للمواليد كما هي الحال مع جماعة (1/7) في سجلات الأحوال المدنية.
أرجو الا يفهم القارىء انني اشجع قراءة الجرائد لكي لا تفوتك الاحداث, فالجرائد على اي حال هي احد ممثلي اليومي والمبتذل في حياتنا, ولا بد من العبور من خلاله فهذه هي التفاصيل التافهة التي تتكون منها حياتنا وتبنى, ومن حسن حظنا ان بعض ما ينشر في جرائدنا يتجاوز احداثنا وتفاصيلها المثيرة ويرتكز على النصح وقضايا لا تتصل في الغالب بحياتنا المباشرة فلو كانت جرائدنا كالجرائد البريطانية مثلا تغطي احداث الناس وتفاصيلها لمضى العمر كما يمضي السيف في الأعناق.
لمراسلة الكاتب:
Yara2222*hotmail.com
|