Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


قضية للنقاش
البحث عن مخرج من القتال
رضا محمد لاري

يدور حوار بين واشنطون ولندن حول النزيف المالي بالصرف على حرب حلف شمال الاطلنطي الناتو للنظام العنصري العرقي والديني القائم في بلجراد بزعامة سلوبودان ميلوسيفيتش.
يتفق الطرفان الامريكي والبريطاني على ضرورة انهاء هذه الحرب بسرعة بعد الوصول الى اهدافها باعادة الفارين من كوسوفا اليها، وتوفير الحماية للاقليم بقوات دولية تحفظ الأمن بين الصرب المعتدين وبين المسلمين اهل البلد المعتدى عليهم.
الغريب ما جاء في الاسبوعين الماضيين من دعوة الى روسيا للمشاركة في القوات الدولية الحافظة للأمن في كوسوفا، وهذه الدعوة تعكس توازنات سياسية تستهدف ارضاء موسكو بمشاركتها في عمل دولي هي ساخطة عليه بحكم روابطها العرقية والدينية مع الصرب والاغرب من ذلك اعلان قيادة حلف الناتو من بروكسل السماح لبلجراد المشاركة الرمزية بقوات حفظ الأمن في اقليم كوسوفا.
هذه الدعوة للصرب بالمشاركة في القوات الدولية لحماية كوسوفا تخلخل الفهم السياسي للاوضاع القائمة في الاقليم وتتعارض مع دوافع الحرب الدائرة بكل المقاييس العسكرية المتفق عليها، وتتناقض مع النتائج التي يسعى اليها حلف الناتو من توفير الحماية للاقليم المعتدى عليه بمشاركة المعتدي الصربي في حفظ الأمن فيه.
انعدام المنطق بين ما هو دائر من قتال وبين الرغبة في انهاء القتال تحت مظلة حاميها حراميها يجعلنا نشكك في الدوافع المعلنة للحرب ويدفعنا الى البحث المكثف عن النيات السرية من ضرب بلجراد بيد، والطبطبة عليها باليد الاخرى.
يبدو لنا من هذا البحث المكثف عن النيات ان حلف الناتو اراد القضاء المبرم على قيام كيان اسلامي في اوروبا سواء اتخذ شكل الحكم الذاتي او الدولة المستقلة من مواطن الاعتقاد ان وجودهم فوق الأرض الاوروبية يشكل خطراً على الحضارة الانسانية المعاصرة المستندة الى الفكر الغربي المتناقض مع كل الطروحات الفكرية الاسلامية.
لا نقول ذلك رجماً بالغيب وانما نصل اليه من خلال حقائق ثابتة من مجريات القتال التي اتضح منها ضرب المعتدي والمعتدى عليه بصورة دمرت اقليم كوسوفا الى الدرجة التي تستحيل معها الحياة فيه بعد ان اصبح اطلال للمدن ينعق البوم فيه.
ولا نستطيع ان نفصل هذا الواقع للاقليم عن فتح ابواب الهجرة للمسلمين الفارين من خطر الموت الى الدول الغربية لاعداد معلنة اخذت تتزايد في سرية تامة لأن المخطط الغربي يريد تذويب المسلمين في مجتمعات تتوفر بها نعومة الحياة بصورة تحولت فيها الأديان الى مجرد تسميات للهوية الدينية دون ان يكون لها دلالة عملية في الحياة تحت مظلة الدول العلمانية مما يجعلنا نصل الى الحقيقة التي تقرر ان رفع المعاناة عن المسلمين في كوسوفا بدوافع انسانية تستهدف القضاء على المسلمين بمخطط رهيب شاركت في صياغته اوروبا وقام بتنفيذه قوات حلف شمال الاطلنطي.
صحيح ان هناك ومضات اسلامية في داخل الغرب يقودها رجال ونساء من المسلمين استطاعوا بما يطروحون من افكار براقة عن الاسلام ادخال كثير من الناس الى دين الله افواجاً، ولكن من الصحيح ايضا ان المجتمعات الغربية حققت الردة عن الاسلام بالتصرف غير الملتزم بتعاليم الدين حتى اصبح كثير من مسلمي المجتمعات الغربية الناعمة لا صلة لهم على الاطلاق بالدين الاسلامي وهو ما نطلق عليه الردة غير المعلنة بالحياة على النمط الغربي الذي لا يعبأ بالديانات.
هذه الادوار العسكرية للناتو التي دمرت اقليم كوسوفا وهذه الهجرة للانسان المسلم الى الغرب التي تسعى الى تدمير العقيدة الدينية جعلت من اعادة احياء اقليم كوسوفا قضية مستحيلة وعودة اهله اليه قضية اكثر استحالة بعامل الخوف خصوصاً بعد دعوة حلف الناتو لبلجراد للمساهمة في قوات حفظ الأمن للاقليم.
يؤكد ما نذهب اليه اعلان مفوضية اللاجئين التابعة للامم المتحدة ان عودة اللاجئين الى كوسوفا لا يمكن تحقيقها اليوم لان الدمار الذي اصاب مدن الاقليم يحول دون توفير الحياة الطبيعية ومن غير المتصور ان تدب الحياة من جديد في الاقليم الا بعد سنوات طويلة وبنفقات عالية لإعادة بناء هذه المدن قبل ان تصبح مهيئة لاستقبال الانسان الفار منها.
بعد ان وصلت الاوضاع في اقليم كوسوفا الى هذا المستوى من التردي الذي يحتاج الى وقت ومال لإعادته للحياة اخذ يتصاعد التفكير في حلف الناتو في اتجاه انهاء حالة الحرب الدائرة بعد ان اصبحت تكاليف القتال تشكل عبئا ماليا وصل الى آلاف الملايين من الدولارات الامريكية التي تتزايد يوماً بعد يوم بسبب استمرار القتال.
انهاء حرب الناتو في اقليم البلقان تتطلب انزال القوات البرية المشاة فوق ارض الصرب من وجهة النظر البريطانية بينما انهاء الحرب من وجهة النظر الامريكية تتم بالاستمرار في رجم المدن الصربية بقنابل طائرات الناتو المغيرة، وقد عبر عن هذه الحقيقة كينيث بيكون المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الامريكية البنتاجون بقوله ان ارسال قوات برية لحلف الناتو الى الصرب محفوف بكثير من المخاطر لان قوات الصرب اقدر على المحاربة من فوق ارضها وهذا يعرض الجنود لخطر موت جماعي خصوصاً بدوافع الانتقام من ضربهم وقتلهم وتدمير مدنهم بواسطة طائرات حلف الناتو التي ارسلناها اليهم خلال الاسابيع الطويلة الماضية.
هذا الخلاف الحاد بين واشنطون ولندن وصل الى المفاهمة الهاتفية بين الرئيس الامريكي بل كلينتون ورئيس الوزارة البريطانية توني بلير وكان حوارا ساخنا بين الرجلين لان وجهتي النظر بينهما كانت معاكسة ففي الوقت الذي ترى فيه بريطانيا ضرورة ارسال قوات برية لتحرير كوسوفا كما تقتضي قواعد الحرب تصر امريكا على مواصلة القتال الجوي والابتعاد تماماً عن التورط بارسال قوات برية لان مغبة ذلك تفوق النتائج المرجوة منها، وقال الرئيس الامريكي بل كلينتون في اثناء حواره الهاتفي الساخن مع رئيس الوزارة البريطانية توني بلير نحن لا نستطيع تكرار الخطأ الذي ارتكبناه في فيتنام مهما كانت الظروف والدوافع التي تتحدث عنها فتجربتنا الماضية في فيتنام تحول دون ارسال جنودنا الى الصرب لاننا سنواجه بحرب شرسة في ميادين قتال تفرض علينا.
اضطر رئيس الوزارة البريطانية توني بلير الى ارسال وزير خارجيته روبن كوك الى واشنطن لمناقشة ضرورة ارسال قوات برية من حلف الاطلنطي الى اقليم الصرب حتى تستطيع ترجمة الانتصار الجوي الى واقع عملي على الارض.
فشل روبن كوك وزير الخارجية البريطانية في اقناع امريكا بوجهة النظر البريطانية المتعلقة بارسال القوات البرية ووصل معهم الى ضرورة ايجاد سبل للعمل العسكري الاستراتيجي الذي يقضي على القتال الدائر وايقاف النزيف المستمر الذي يحمل الخزينة العامة لدول حلف الناتو اعباء مالية غير قادرة على الاستمرار فيها ولا يزال البحث دائراً في اروقة حلف الناتو في بروكسل عن مخرج من هذه الأزمة الخانقة بالقتال المتواصل والنزيف المالي المستمر بعد ان اصرت واشنطن على عدم ارسال قوات برية الى اقليم الصرب.
في ظل هذه الأزمة يواصل الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش عمليات الابادة الجماعية لسكان كوسوفا الذين رفضوا الخروج منه خصوصاً بعد ان ضمن عدم مساءلته بالجرم الذي ارتكبه ضد الانسان بالقتل وضد الاقليم بالدمار وضد وطنه بالاثنين معاً.
لم يفكر الناتو بقواته وقدراته في عملية نزع الحكم من سلوبودان ميلوسيفيتش وتقديمه لمحاكمة دولية وفي ذلك تكرار للخطأ الذي ارتكبته القوات الدولية مع الرئيس العراقي صدام حسين الذي لا يزال حتى الآن في السلطة يذيق شعبه العذاب ويقلق العالم بتصرفاته الرعناء وهذا يجعلنا نتوقع بان سلوبودان ميلوسيفيتش يمارس من بلجراد ما يقوم به صدام حسين ضد العالم من قلق وضد الانسان في بلده من عذاب.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved