Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


قليل من الشكوى
د, فهد حمد المغلوث

كثير من الاشخاص الذين يتذمرون باستمرار وبشكل علني من وضعهم المهني اورداءة احوالهم الاقتصادية او من مكانتهم الوظيفية على انهم لايجدون الراحة الكافية وان طبيعة عملهم متعبة للغاية وعلى حساب انفسهم واهلهم وعلى ان ليس بيدهم شيء او انهم ليسوا قادرين على فعل شيء كما يظن غيرهم بحكم مكانتهم وطبيعة عملهم، كثيرون من هؤلاء الاشخاص الذين هم على هذه الشاكلة غير صادقين في مزاعمهم وتذمرهم، او لنقل مبالغين الى حد كبير كي لا يزعل البعض منا وبيني وبينكم الواحد ليس ناقصا زعل الآخرين منه او عتابهم عليه,.
وليس هذا من باب التعميم ابدا، ولكنه من باب الملاحظة، فهذه الفئة انما تقول ذلك اما لكي تبعد الانظار وتحولها عنها او لكي تشعر من حولها بانها مشغوله باستمرار وليس لديها وقت للراحة والرفاهية وبأنها نظامية في عملها لدرجة أنها لاتريد التوسط للآخرين في اي موضوع لان هذا يتنافى مع مبادئها علما أنها عكس ذلك! اوان يشعرك بعضهم بأن ما يتقاضوه من عملهم اقل بكثير مما يبذلونه فيه علماً بأنهم من اغنى الناس واوفرهم حظاً واكثرهم التصاقا ومعرفة بأصحاب القرار في الجهة التي ينتمون اليها او بكل مايرتبط بها من قريب او بعيد!
والاكثر من ذلك، انهم اكثر معرفة للمداخل والاساليب التي توصلهم لما يريدون ومن اقصر الطرق دونما عناء او مشقة كما يحدث لك انت ايها المسكين انت يا من تكابد الامرين للحصول على حق بسيط جداً من حقوقك! وتسلك الطرق الملتوية للحصول عليه، وتذل نفسك وكرامتك للوصول اليه!
وهذا الكلام الذي نقوله صحيح الى حد بعيد, لانك لو تابعت احوالهم المادية واسلوب حياتهم لرأيت ان هذا الإنسان الذي يدعي قلة ذات اليد حتى لوكان موظفاً او مدرساً رجلا كان او امرأة ولرأيت هذا الانسان الذي يستشيط غضباً حينما يتأخر راتبه ليوم او يومين, وكأنه سوف يموت من الجوع ! لرأيت ان حالته المالية افضل مئة مرة من حالتك، ولو عرفت المميزات التي يحظى بها هو وامثاله ممن هم على شاكلته والسلطات والصلاحيات التي بيده، لتمنيت ان تكون مكانه! وهذا ما لايريدك هو ان تعرفه او تتوصل اليه.
نحن لاننكر ان هناك فئات محتاجة بالفعل ولكنها رغم ذلك راضية بما قسمه الله لها من نصيب، ورغم حاجتها الماسة فهي عزيزه النفس وعفيفة، وتبدو امام الآخرين وكأنها في غير حاجة!
وهذه الفئة المتذمرة باستمرار قد لاتقصد بتذمرها المساعدة من الآخرين لانها ليست في حاجة لهم اصلاً، فهي قد تكون مكتفية ولكنها قد تخشى الحسد والعين وتحاول ان تشعر الآخرين ممن هم حولها بأنها غير قادرة على مساعدتهم وبالذات مالياً كي يستبعد فكرة طلب المساعدة منها اصلاً، وقد يكون لذلك مبرره على الاقل من وجهة نظرها، ولكن طريقة التذمر التي تبديها تلك الفئة بسبب سوء احوالها وتجهمها وتكرارها رغم معرفتك بأحوالها الجيدة ورصيدها المحترم تجعلك تنظر لهذه الفئة بشيء من الازدراء وبشيء من عدم المصداقية خاصة حينما تكتشف ان هذه الفئة لاتتوانى عن ترفيه نفسها وامتاعها بكل الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة احياناً، حتى ولو على حساب غيرها بل الاكثر من ذلك على حساب اقرب المقربين منها سواء كانوا والدين او اخوة واخوات، فتراهم مثلا دائمي السفر للخارج بهدف المتعة ومع ذلك يدعون قلة ذات اليد تراهم قد يقرضون المال لغيرهم بهدف الفائدة وحينما يطلب منهم قريب المساعدة يدّعون الفقر، وهكذا طبعاً الناس تختلف في كل شيء، في الميول والرغبات والشخصية والامزجة وغيرها، وهذه طبيعة النفس البشرية وهكذا اراد الله سبحانه وتعالى ولله حكمة في كل شيء لايعرف مغزاها الا هو.
ولكن الله سبحانه وتعالى يحب ان يرى اثر نعمته على عبده في كل شيء، في الصحه والبدن والامن وغيره، واظهار النعم للآخرين من المحاسن التي ترفع قدر الانسان بين الناس, وتظهره كما هو انسان ممتن للنعمة شاكر لها ومحافظ عليها.
وان شئت ان تتأكد من مصداقية مزاعم مثل هذه الفئة المتذمرة دوماً فما عليك سوى ان تطلب منه ترك العمل الذي هو فيه والذي يشتكي منه او الانتقال الى عمل آخر طالما هو في مقدرته، وحينئذ، سوف تفاجأ بمراوغة في الرد او بأنه سوف يفعل ذلك في اقرب فرصة تتاح له, وهذا ما لايكون بالطبع لانه سوف يتمسك بعمله اكثر واكثر رغم تذمره منه امام الآخرين بل سوف يلجأ لكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة احياناً للبقاء فيه او الحصول على افضل منه مهما كانت كثرة العمل فيه.
اذاً فالمسألة ليست مسألة عدم رضا عن العمل والتعرض للاحراجات وعدم رؤية الاهل وخلافه، بقدر ماهي مكاسب اقتصادية واجتماعية يحصل عليها ولايريد التفريط بها بسهولة بعدما تعود عليها وأدمن وجودها في حياته.
طبعاً كل انسان من حقه ان يشتكي ويتذمر من كل شيء يشعر به ولكن ان يشتكي الانسان من كل شيء وفي كل وقت وامام الآخرين وكأنه لايملك شيئا او غير قادر على شيء فلاغرابة ان الآخرين من حوله سوف ينفرون منه لانه حتى لوكان علىنفس الحالة التي يشتكي منها فعلا -اي انه صادق- فماذا بوسع الآخرين ان يفعلوه له سوى ان يعرفوا اسراره واسرار بيته ويكون لقمة سائغة تلوكها ألسن من ليس لهم هم سوى القيل والقال وما اكثرهم في هذا الزمن وما اكثر من يستمع اليهم ويصدقهم وينقل عنهم.
وهذه الفئة التي تتذمر من شح مواردها الاقتصادية ومن الاحراجات التي سببها لها طبيعة عملها اشبه بذلك الانسان الذي يرفض اشياء معينة ويجاهر بذلك في المجالس ثم تفاجأ به يقبل اشياء اقل منها بكثير هذا ان لم يقبل تلك الاشياء المرفوضة بالنسبة له اصلا, فأين تلك المبادىء الصادقة والقرارات النافذة؟ واين؟ واين كلها ذهبت ادراج الرياح والسبب انه رفضها وهو يريدها، رفضها بعد ان عرف انها ذهبت منه وانتقلت لغيره او استأثر بها شخص آخر, فالرفض هنا اشبه بحفظ ماء الوجه.
ولكن هذا لايعني ان نصر على قرارات خاطئة اتخذناها سابقاً ونرفض العدول عنها, ابداً فالاعتراف بالحق فضيلة، ولايعني ان نخطىء في حق انفسنا ونستمر على ذلك كعقاب لنا لسبب او لآخر ابداً فلأنفسنا علينا حق.
اهم شيء لنكن ما نريد ان نكون، لنشتكي ونتذمر ولكن بقليل من الشكوى والتذمر، والاهم من ذلك، ليس لكل شخص، بل مع ذلك الانسان الذي تشعر انه انت واظنك عرفته، أليس كذلك؟
همسة
حينما اتذمر من واقعي,.
ولا ارضى به,.
حينما اندب حظي العاثر,.
فأكثر الشكوى,.
***
حينما لا ارى امامي,.
سوى احلام محطمة,.
سوى فرحة موؤودة,.
سوى واقع مؤلم,.
سوى اهمال متعمد,.
***
وحينما لا اشاهد امامي,.
سوى صورة ضبابية,.
مشوهة الملامح,.
عديمة المعالم,.
مزيفة الحقائق,.
***
اجدني ومن دون ان اشعر,.
منكسراً,, مطأطأ الرأس,.
شديد الحساسية,.
من كل شيء,.
***
ولكنني حينما ارفع رأسي,.
فأراك امامي,.
تضع يدي على الخطأ,.
على موضع الداء,.
تدلني على الصواب,.
تقودني لدروب الخير,.
ترشدني لطريق الامل,.
***
وحينما اراك دوما بجانبي,.
ملازماً لي باستمرار,.
تقف معي بصدق,.
تشد من عضدي,.
تقوِّي من عزيمتي,.
تشعرني بأنني لست بمفردي.
بأنني اقوى من كل شيء,.
***
حينما ألتفت فأراك خلفي,.
تحرسني بعد الله,.
تدفعني للامام,.
تشجعني على الاقدام,.
على مواصلة المسير,.
دون تردد او إحجام,.
***
وحينما تحسسني برفق,.
كم انا مخطىء في حق نفسي,.
كم انا مقصر في الاعتراف بالجميل,.
في جميل صاحب الفضل,.
في حق من يستحق الشكر,.
***
حينها وبكل امانة,.
اغبط نفسي بك,.
اشكر ربي على ان ارسلك لي,.
على ان دلّني عليك,.
على ان عرفني بك
***
اقول وبكل صدق,.
ما اسعدني بهذا الدلال,.
ما اعجبني بتلك الخصال,.
ما احوجني لذلك الجمال,.
بل كم انا في نعمة,.
***
حفظك الله لي,.
ايها الود الصافي,.
ايها البلسم الشافي,.
بقلبك الكبير,.
وعطائك الكثير,.
بذوقك الراقي,.
وعملك الباقي,.
بإذن الله,.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved