Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


الطنطاوي الذي لا يطنطن!
زياد الدريس

افضل ما في القراءة : القراءة لمجرد القراءة,, لا لتصنيف الآخرين! واسوأ ما في الكتابة: الكتابة لمجرد الكتابة,, لتصنيف نفسك!
**
ولذا فلا غرابة ان تكون أسمج مقالات الكتّاب هي التي لا تأتي استجابة لالحاح فكرة,, بل لالحاح صحفي , او لالحاح الحضور بعد الانقطاع.
وحين طلب مني الزملاء الاعزاء في صحيفة الجزيرة الكتابة عن الداعية الاديب المعلم الاعلامي الشيخ علي الطنطاوي، لم يخطر على بالي مسوغ لهذه الدعوة الخاصة سوى انها تواصل لما سبق ان كتبته عن الشيخ الجليل في مجلة المعرفة شهر ذي القعدة 1417ه ضمن زاوية الحصة الاخيرة
وكنت ادرك - بحكم التجربة المماثلة - ان الزملاء في الجزيرة لن يسعدوا بان اجتر لهم مقالي السابق البائت لينشروه في هذا الملف، بل التقدير,, كل التقدير - للجزيرة والطنطاوي - أن أخص هذا الملف بمقال طازج وقد حاولت ان افعل فما استطعت الى ذلك سبيلا,, سوى ان اقترف سبيل الكتابة لمجرد الكتابة الذي يخرج لنا مقالات لا لون لها ولا طعم ولا رائحة!
وماذا اكتب عن علي الطنطاوي غير ما كتبته من قبل، ليس لان الطنطاوي شخصية لا تثير حوافر القلم أكثر من مرة,, ولكن لاني شخصيا لم ألتق بالطنطاوي سوى مرة واحدة هي تلك التي كتبت بعدها ذلك المقال الذي ازعم اني صببت فيه كل مشاعري الحركية تجاه الشيخ، اما مشاعري الكامنة فستبقى كامنة في نفسي تجاه ذلك الرمز الديناميكي.
لذا,, استجابة لهذه الحيثيات فاني لم اجد بدّاً من ان استسمح الزملاء في الجزيرة في اعادة نشر ذلك المقال، خصوصا واني استطيع ان ادعي ان مجلة المعرفة - وان كنت رئيس تحريرها - لم تصل بعد - من الانتشار الى الحد الذي لن نجد احدا لم يقرأ هذا المقال من قبل في المعرفة ! وربّ قارئ ابلغ من قارئ.
***
المربي الأموي: رجلٌ لاؤه إِينَعَم !
(1)
قال لي احد الزملاء: لماذا لم تستضف حتى الان الشيخ علي الطنطاوي في الحصة الاخيرة؟!
لم اجب فورا فقد انتابني شعور تجاه سؤاله لا يشبه سوى شعور ذلك الذي ينهمك مع بعض التمثيليات التاريخية المتقنة حتى توصله الى مرحلة من الاندماج يخيل اليه فيها ان عنترة العبسي كان احد زملائه في المرحلة الابتدائية وان هارون الرشيد لم يكن سوى عمدة حارتهم!!
هكذا شعرت انا ايضا حين قال زميلى سؤاله ذلك، فالطنطاوي اسم نعرفه ونسمع به منذ زمن بعيد,, بعيد.
علي الطنطاوي اسم أخزنه في ذاكرتي في الملف ذاته الذي اخزن فيه ابن حزم والجرجاني وابن النفيس.
على الطنطاوي,, شخصية احسبها ولدت قبل 800 سنة تاريخ سقوط بغداد الاول ولكن صحته وعافيته المتماسكة مكنته من ان يعيش حتى الان!
على الطنطاوي,, ألف في ذاكرتنا السمعية ثلاثة كتب بارزة نور وهداية على مائدة الافطار مسائل ومشكلات وكل كتاب من هذه الكتب يتكون من عدة مجلدات وكل مجلد يتكون من عدة فصول ، وكل فصل يتكون من عدة موضوعات، وكل موضوع يتكون من عدة كتب، وكل كتاب يتكون من ,, وهكذا!
(2)
اتجهت صوب المطار وانا اشعر اني ساسافر الى مطار الدولة الاموية.
قال المنادي:
(ارجو الانتباه يسر السعودية ان تعلن عن موعد اقلاع رحلتها رقم ,, والمتجهة الى منزل الشيخ على الطنطاوي، يرجى من المسافرين على هذه الرحلة التوجه ,,)!
في الطائرة جلس في الكرسي المجاور لي ابو العتاهية عائدا من لندن بعد ان احيا امسية شعرية عن الزهد في بلاد الافرنج!
وفي كرسي اخر جلس ابن خلدون عائدا من المغرب اثر مشاركته في ندوة عن الانترنت في ضوء علم الاجتماع.
وفي كرسي ثالث جلس ابن تيمية متوجها الى مكة للمشاركة في فعاليات مجمع الفقه الاسلامي!
لم يكن هؤلاء الثلاثة فقط مصاحبين لي في رحلتي الى جدة، بل لقد حشد المخرج في استديو ذاكرتي عدداً من الاسماء الرنانة التي ركبت هذه الطائرة لتشاركني اكتشاف علي الطنطاوي بين غلافي جدة!
(3)
ركبت سيارة صديقي وانطلقنا نبحث بين ازقة جدة عن منزل الشيخ / العلم/ الرمز/ علي الطنطاوي!
وبعد عناء واستقصاء وسؤال من يعرف ومن لا يعرف، وجدنا صفحة التاريخ مشرعة الابواب,, دخلنا المنزل وأنا مازلت اشعر انني لن أرى علي الطنطاوي حقيقة, بل سأرى ممثلا يجيد اداء شخصية الطنطاوي تماما مثلما مثّل من قبل شخصية أبي فراس الحمداني والجاحظ وغيرهما.
دخلنا المجلس واذا برجل طاعن في السن، اكل عليه الدهر وشرب، امسكت يده باستكناه قبلت جبينه بتمعن ,, نظرت الى وجهه بدقة, امعنت النظر فإذا هو وجه حقيقي لا دوبلير، وشيخوخة حقيقية لا مكياج ولغة حقيقية لا تنطع!
انه هو ذلك الرجل الذي طالما رأيناه عبر التلفاز وسمعناه عبر المذياع، وهو بالنسبة لنا كأنه مجسم غير قابل للمس,! إنه علي الطنطاوي بشحمه ولحمه وإينعمه .
(4)
رحب بنا كثيرا، على حين كنت اظن ان رجلا مثله لن يأبه لزيارة مثلي ولكنه اسبغ ترحيبه واحتفاءه بقوله: والله ما بقي عندي شيء الان استحق ان ازار عليه، ان هذا فضل منكم.
اكلت عبارته تلك لحم وجهي إذ يعدنا علي الطنطاوي - وهو علي الطنطاوي - متفضلين عليه بالزيارة وانا اعده متفضلا بقبول زيارة احد العاقين له.
ما ان انتهى من الترحيب المعنوي حتى بدأ بالترحيب الحسي فينادي منيرة ,, منيرة,, وصوته لا يكاد يصل الى باب المجلس بعد ان كان صوته يدخل مجالسنا من أدناها الى أقصاها.
جاءت منيرة الخادمة الاندونيسية بعد ان ساهمنا مع الشيخ في النداء عليها قال لها الشيخ: احضري لنا شايا وعصيرا ولما همت الخادمة بالانصراف ناداها الشيخ وقال: يا منيرة تعرفي المتنبي شو قال: ونحن اناس نتبع البارد السخنا احضري البارد اولا.
انصرفت الخادمة وهي تردد: المتنبي ولعلها تظنه نوعا جديدا من العصير اراده الشيخ اكراما لضيوفه!
(5)
حرثت ذاكرته بمسميات بعض المواقع والشخصيات كي انظر هل مازالت ذاكرته خصبة ام انها جفت.
وتصحرت فإذا به يتحدث عن دروس الجامع الأموي ومشايخه وكأنه للتو قد خرج من الجامع، ويتحدث عن مكتب عنبر وزملاء الدراسة وكأنه للتو قد تخرج من المدرسة، ويتحدث عن تجربته في التعليم وكأنه للتو قد أخرج الطلاب من الفصل!
سألته عن زميله في الدراسة ميشيل عفلق ؟! لم أسأله بصيغة الراغب في الذم ولا المدح أيضا، بل بصيغة من يسأل زميلا عن زميله؟
قال: ميشيل عفلق كان طالبا عاديا معنا في الفصل، لم يكن بارزا فيه سمة محددة سوى الاعتداد بالعروبة والمفاخرة بخصال العرب، وسوى تلك السمة فلم يكن متميزا بين الطلاب لا بتفوق كتابي ولا بحضور خطابي ولا بعمق فكري، ومازلت لا أعرف حتى الأن سر اشتهاره؟!
رغم أن الشهرة ليست مؤشر تفوق وتميز، ففي إحدى الدراسات الاستطلاعية الحديثة وجد أن أشهر شخصية عربية هي: جحا!!
***
انتابته حالة سعال حادة، ولما انطفأت سألته: متى بدأت يا شيخ علي تكتب بصوتك؟
قال: لم يكن هناك اذاعات عربية في نهاية العشرينيات الميلادية، أول إذاعة بدأت إرسال بثها في المنطقة اذاعة الشرق الأدنى التي أسسها الإنجليز وجعلوا مقرها في يافا.
كنت أذهب من دمشق إلى يافا لتقديم برنامجي الإذاعي الذي كان يبث على الهواء مباشرة دون أن يكون هناك أداة تسجيل.
وفي معرض حديثه ابتسم الشيخ ابتسامة ارشيفية ثم قال: في أحد الأيام أصبت بصدمة أحزنتني، حين ناداني أحد الزملاء في الإذاعة وأدار أداة التسجيل الجديدة، وقال اسمع هذا الصوت هل تعرفه؟, قلت له: لا لكنه صوت قبيح! قال لي فورا: هذا صوتك أثناء تسجيل برنامجك الإذاعي.
كانت مفاجأة غير سارة بالنسبة لي لأن كنت أظن أن صوتي جميل!.
***
وفي هذه الأثناء دخلت علينا طفلة صغيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات، استدعاها الشيخ برفق وتودد، قلت لابد أن تكون هذه إحدى حفيداته، لكن سماتها وتقاسيم وجهها توحي بحدوث طفرة وراثية عندها أو طفرة معلوماتية عندي!
قطع الشيخ هذه الهواجس قائلا: هذه ابنة الخادمة الاندونيسية، طلقها زوجها هناك، فسعت في أن تبقى ابنتها معها هنا,, من لا يرحم لا يُرحم!
قلت في نفسي: كل هذا التودد والابتسامات والحنان من أجل ابنة الخادمة، فكيف به مع ابنته وابنة ابنته؟!
أردت أن أجعل هذه الطفلة الأندونيسية الجنسية مدخلا لسؤال ليس له جنسية:
يا شيخ علي العالم كله بثقافاته وتقاليده ما زال يناقش قضية ضرب الأطفال، وبشكل أخص: الضرب في المدارس.
ما رأيك أنت؟
نظر إلى الطفلة المغتربة وقال: يا سيدي المسألة ما فيها: نعم للجميع أو لا للجميع، المسألة مرتبطة بالشخصية والحدث، فبعض الأخطاء ينبغي أن يضرب عليها الطفل، وقد يكون هناك طفل آخر يكفيه التوبيخ! وضرب المعلم للطفل في المدرسة ينبغي أن يكون مثل ضرب الأب له، هكذا ينبغي ان يربى الأطفال والمعلمون!.
قلت له: وهل كنت تضرب الطلاب أثناء فترة عملك معلماً.
قال فوراً: لا,, أنا ما كنت أضرب الطلاب أبدا، ثم اكمل وهو يبتسم,, تعرف لماذا؟ لأني كنت أدرس المرحلة الثانوية، ولو ضربتهم ضربوني!!
(6)
خشيت أننا قد أثقلنا عليه بالمكث رغم استمتاعنا بذلك، فإذا هو يبدي استمتاعه بزيارتنا أكثر، ليس لأجلنا نحن بالذات، بل لرغبته الملحة التي طلب منا أن نبلغها للجميع - في ان يستقبل زوارا له يجهضون وحدته التي غدت تؤلمه في نفسه ألما مبرحا.
وها نحن ننقل رغبة الشيخ/ المعلم: علي الطنطاوي إلى جميع العاقين أن يؤدوا واجبهم نحو هذا الرجل الذي أسدى إلينا نصائح وتوجيهات ما زال وقعها يرن في آذاننا كلما
دخلنا منازلنا من صلاة الجمعة، أو جلسنا على مائدة إفطارنا في رمضان.
أيها الناس، أيها العاقون:
علي الطنطاوي يدعوكم أن تزوروه في منزله بعد ان كان يزوركم، ويرغب أن تتحدثوا إليه عن أي شيء بعد أن كان يتحدث إليكم عن كل شيء,علي الطنطاوي يسكن في دور مستأجر في حي الفيصلية بمدينة جدة ينتظر زيارتكم فماذا أنتم فاعلون؟!
(7)
التفت إليه أسأله إن كان يرغب في شيء محدد فقال: مالي رغبة في أي شيء في هذه الدنيا الآن سوى أن يختم الله لي بالحسنى.
ثم التفت إلينا وقال: أنا أنتظر الموت.
ومسح دمعته,, وخرجنا، ونحن نمسح دموع الخجل منه، والحزن عليه.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved