Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


على مائدة النور والهداية
حصة ابراهيم العمار

ما كنت أظن - وأنا أحظى بشرف الكتابة عن شيخنا النابغة علي الطنطاوي، أطال الله في عمره ومتعه بلذة الصحة والعافية - أن تتفجر في ذاتي تلك الينابيع العذبة الجمة فإذا بي استرجع في ذاكرتي ملامح وجهه الأبوي الطيب الحنون وغترته الكثيرة الانزلاق لطول ما كان يتحمس وينفعل وهو يمتعنا - عبر الرائي والحاكي - ببرامجه الهادفة الماتعة.
كان يطل علينا بُعيد الافطار في رمضان كل ليلة فلا نمل من تملي صفحة وجهه المألوف إذ إنه كان معيناً من الشريعة والأدب والعلم لا ينضب، وكان إلى جانب ذلك كله لماحا سريع البديهة حاضر الطرفة يتوغل في مسارات المعلومة حتى يضيع طريق العودة إلى نقطة البداية فهو يهز في حيرة يديه ويقول بلهجته المحببة شو كنت عم قول,, والله نسيت,, الحاصل,,
فلا عجب ان بات جزءاً منا لا نكاد نطيق احتجابه.
وكان يطل علينا كذلك كل جمعة عبر برنامجه الأسبوعي (نور وهداية) فنزداد محبة له واعجابا به ويزداد هو دنواً منا واستقرارا في افئدتنا ورغم أن العهد بمطيل الكلام أن يُملّ إلا أن شيخنا شذ عن القاعدة وأتى بما لم تأت به الأوائل وفي ذلك تجاوز للمألوف لا يتأتى لغير النوابغ يتحدث فيصغي القلب إليه والفكر ويسكب رحيق علمه وأدبه شهدا يلذ له الفؤاد وتطرب النفس,, يفتي,, ويبين ما استغلق فإذا الناهل من فيض بحره يرشف فلا يرتوي ويظل يطلب المزيد والمزيد.
ولو تتبعنا سيرة شيخنا الذاتية لوجدنا أن من ضمنها قصة مجيئه إلى المملكة,, وهي كذلك لا تخلو من طرافة إذ إنه وقبل قدومه في أوائل الستينيات قد زار المملكة في منتصف الثلاثينيات الميلادية إثر دعاء عمته له عندما تأخر في زيارتها إذ إنها قالت له:
الله يطعمك حجة والناس راجعين من الحج! وهذا ما حدث فقد سافر ونفر من الشام بالسيارة برا في رحلة ربما كانت الأولى عبر الصحراء فتاهوا في الطريق وامضوا ثمانية وخمسين يوما ولما بلغوا مكة المكرمة,, كان الحج قد انتهى*.
وعن نسبه يقول شيخنا الجليل ان لقب الطنطاوي يعود إلى كون جده قد أتى من طنطا فدرس على أيدي كبار مشايخ دمشق ثم رجع إلى مصر وقرأ على مشايخ كبار قبل أن يعود إلى الشام ثانية فيستقر فيها, واعتقد والله أعلم أن علامتنا الجليل قد ورث خفة الظل من أرض الكنانة فامتزجت بالظرف السوري المعروف.
ولشيخنا عدد كبير من المؤلفات منها على سبيل المثال (رجال من التاريخ وأخبار عمر,, وأبو بكر الصديق* غير أنه كان يفضل مشافهة المتلقي إذ إنه يرى أن المقالة لا يقرؤها إلا عدد محدود أما الشاشة فما أكثر المتابعين لما يبث عبرها والمتأثيرن بما يطرح.
ولأن الشي بالشيء يذكر فإني أرفع شكرا خاصا لمعالي وزير الإعلام الذي أسعدنا في رمضان الماضي بإعادة التلفزيون لحلقات برنامج (على مائدة الإفطار) فأفرح الملايين.
لكأني بنافذة فتحت حينما أطلت علينا طلعة شيخنا البهية بكل الطيبة والسماحة,, بكل الحب الغامر والإثراء الفكري فانساب منها مسك الذكريات,, عبقا,, جوادا كديمة تهتن بعذب الغيث سحا,, عامرا,, غامرا يهمي على القلوب الصادئة فيروي ظمأها,, وإذا بها ندية بذكر الله,, يدفعها خوف ورجاء,, وإن كانت إلى الأخير أقرب لسماحة عالمنا الجليل وتيقن النفوس المؤمنة بأن الله تعالى أرحم بعباده من الأم على وليدها، وبأنه لن يدخل النار - بإذنه جل وعلا - من كانت في قلبه ذرة من إيمان.
ومن منطلق ايتاء كل ذي حق حقه أشكر وزارة الإعلام مجددا أن اتاح التلفزيون لنا جميعا الالتقاء بعالمنا الجليل، وإن كنا نطمع في رؤية وسماع جميع برامجه التي سجلها إذ إنها رصيد وإرث ديني ينضح بكل فضل وأشكر كذلك د, عبدالله مناع الذي منع اليأس من التسلل إلى ذواتنا حين حاور في لقاء مطول فضيلة الشيخ علي الطنطاوي، بمجلة الإعلام والاتصال (عدد رمضان 1419) فكأننا استحلنا أرواحا أثرية,,
عبرت دهاليز المنام إلى عالم الأحلام لتلتقي بعلامتنا لقاء المستهام فتبل الروح ويغادرها السقام.
أزجي كذلك جم الشكر إلى جريدة الجزيرة لإفساح المجال لمن أراد أن يقول بكل الصدق والمحبة: يا شيخنا علي,, أنت ملء السمع والبصر والفؤاد ولئن أقصتك عنا مثالب الكبر فستظل دائما,, مغروسا في أعماق هذه الأرض الطيبة التي بادلتك حبا بحب ووفاء بوفاء ولا أنسى مقولتك النابضة وفاء حينما سألت عن أول لقاء لك بموحد هذه الأمة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - فقلت:
كان بسيطا وكريماً,, متواضعاً ومهابا وكان متحدثا فقيها يسيطر على سامعيه - وكان في ذات الوقت يستمع للآخرين بكل رحابة صدر *.
أمد الله في عمرك وأحسن خاتمتك,, خيركم من طال عمره وحسن عمله أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
ونحمده تعالى أن مكننا من تكريمك في حياتك - ولو كان ذلك معنويا - وإن كانت كل الحروف وكل المعاني في الكون طرا تقل عاجزة عن ايفائك ما أنت أهل له,
فجزاك الله عنا كل خير.
على أني أتمنى عليك ألا تتمثل ثانية قول الشاعر المصري إسماعيل صبري:
يا موت,.
ما أقرب الأيام والساعات مني
بيني وبينك خطوة,.
إن تخطها فرجت عني
ودم لنا شيخنا سالماً غانماً بإذن الله.
* مجلة الإعلام والاتصال:
العدد الثالث - السنة الأولى - غرة رمضان 1419ه.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved