الشيخ الطنطاوي,, ظاهرة أدبية ايضاً احمد علي آل مريّع الجوني |
لا اعرف شخصية ادبية معاصرة تعرضت- مع ماتحمله من اسباب البروز- للتجاهل كما تعرضت له شخصية اديب العربية الشيخ علي الطنطاوي, ولانني لا افترض سوء النية، فإني ارجع هذا التجاهل الى اسباب كثيرة، ليس وراءها التعمد والاصرار ولكنه بصورة ما اقرب مايكون الى النسيان غير المقصود، فمن عادة الإنسان ان ينصر ف ذهنه وحسه الى المبهر فيما يفجؤه لاول وهلة، ويدع التنقيب والبحث عن الجوانب الاخرى، التي ربما كانت اغنى واقنى وامتع ايضاً.
عرف جيلي الطنطاوي وجهاً اعلامياً بشوشا، وشخصية مقتدرة، يصافح وجهه الوديع، وعيناه الهادئتان، وصوته الابوي الحاني عيوننا واذاننا بصفة دورية عبر موجات الاثير الاذاعية يومياً في برنامجه مسائل ومشكلات ، وعبرالتلفزيون في برنامجيه:نور وهداية الذي يعرض في كل جمعة، والموسمي (في شهر رمضان المبارك):على مائدة الافطار ، فيقضي بيننا وقتاً قصيراً لكنه مفيد, واحياناً نطالع له بين الفينة والاخرى شيئاً من الفتاوى هنا او هناك في صحفنا السعودية.
وقد ارتبطت جهوده تلك في وعي القارىء والمستمع بالنشاط الفقهي والافتاء (المشيخة)، والارشاد الاجتماعي, وعلى الرغم مما تحقق له في هذه الحلقة من الحضور المتميز، والتاثير والمكانة المرموقة، حتى عد من ابرز اعلاميي الدعاة والفقهاء لما تميز به خطابه التوعوي من التعقل والهدوء، واللغة الحميمية، والوسطية، والوعي الواسع بما اسميه فقه المرحلة ، والقدرة على استيعاب اسباب الحضارة والتعامل المعتدل معها في فترة حرجة جداً اجتازتها الامة خلال الخمسين سنة الماضية على الرغم من كل ذلك الا ان هذه الصورة على نصاعتها وقيمتها واثرها في توعية المجتمع وتهيئته لتقبل العصر بروح العصر مع اذكاء مبدأ الخصوصية في القبول والرد، قد اضاعت على كثير منا فرصة معرفة تشكل هذه الظاهرة الانسانية والثقافية الفريدة، وا لتي تذكرنا بظواهر اخرى تتشاكل معها في موسوعيتها وتشعب اهتماماتها، واحتفائها باللغة والادب، والفن بمعناه الواسع، من امثال: الجاحظ، والاصمعي، والقالي، وابن عبدربه ، وابن حزم الظاهري، وابن الجوزي، وابن خلدون,, الخ.
نعم، لقد اضاعت علينا هذه الصورة الزاهية حقاً او حجبت عناصوراً اخرى التقطت للطنطاوي وهو يخطر بحلل بهية اخرى لم نعرفه بها بحكم سيطرة تلك الصورة وهيمنتها, لذلك كان الطنطاوي حريصاً على ان يقرر في ذكرياته- وهي آخر ماكتب - هذه الحقيقة، يقول إن لديَّ اثواباً جميلة غير مايراه علي من يعرفني الآن، ولكني ان لبستها وراني من لم يرها علي ظن اني سرقتها او استعرتها، فكيف لي بإقناعه انها ثيابي انا، لم اسرقها ولم استعرها؟! ذكرياته:3م170.
إن التاريخ هو الاقدر والاجدر بان يقنع الجميع، لانه لايزور ولايجامل.
لقد عرف اديبنا الجمال وتغنى له، واطرب واشجى، فبدا حياته اديباً يحلق في أجواء حالمات يضيء فيها بجناحين من عاطفة وخيال فكتب في الحب والفن وكتب عن المراة و الحرية وصف الطبيعة الانسانية وما ينعكس على صفحة الوجدان من المشاعر والمشاهد.
ويمكن ان نجد في ادبه جميع الاجناس الادبية النثرية، فقد كتب في المسرح نصوصاً ضاع بعضها وبقي بعضها في ثنايا كتبه، وكتب في الرواية بمفهومها الحكائي البسيط، وكتب في القصة الاجتماعية وفي القصة التاريخية واكثر فيهما، لانه يرى فيهما سبباً من اسباب النهوض بالامة من كبوتها، ففي الاولى يركز على العيوب فيهتك سترها، ويفضح عورها، حتى يشمئز منها القارىء فيجتنبها سلوكاً، وفي الثانية يقدم نماذج بشرية راقية من تاريخنا الاسلامي لتكون قدوة، ونموذجا بشرياً واقعياً يحيل المثاليات والنظريات الى سلوك ومنهج وحياة وكأن القصة التاريخية اشبه ماتكون بمشروع رؤيوي يقدمه الطنطاوي للانعتاق من براثن الحاضر الذي سلبت فيه ارادتنا حتى اصبحنا صوراً لاخرين ماهم منا ومانحن منهم.
كما كتب في السيرة الغيرية، والسيرة الذاتية، وما يسمى بادب الرسم الذاتي، وادب الرحلات، وادب المساهرات وادب المقدمات،والخطابة والحديث الاذاعي ، وادب الاطفال، والرسائل، والنقد الادبي.
وقد بلغ مانشرته دار المنارة من كتب الشيخ الطنطاوي، ورسائله نحو خمسين اصداراً، ولازالت تواصل جمع ماتفرق من نتاجه.
على ان الطنطاوي لازال يمانع في اعادة طباعة ونشر كتبه التي سطرها باعصاب الشباب، مثل:
-رسائل الاصلاح 1348ه-1929م.
-بشار بن برد 1348ه-1929م.
-الهيثميات 1349ه-1930م.
-مناظرات وردود (كتاب ضخم جمع فيه الطنطاوي عدداً من المعارك الادبية التي خاضها من اجل امانة الكلمة التي يحملها بين جنبيه.
واغلب كتب الطنطاوي عداً كتابان او ثلاثة انما هي مقالات كتب للصحافة ثم جمعت بعد ذلك حتى سيرته الذاتية/ الذكريات والتي بلغت ثماني مجلدات ضخمة، وقصصه التاريخية، والاجتماعية صبت جميعا في قالب مقالي, وهذا يعني ان الطنطاوي ايضاً كاتب مقالي، بل هوكذلك بالدرجة الاولى, وفي اعتقادي ان الانصاف يجعلة ياتي بعد طبقة المثاليين العرب الكبار من امثال العقاد وطه حسين والرافعي في ادبنا العربي الحديث.
وقد نشر الطنطاوي اول مقالة له عام 1926م في جريدة المقتبس لاحمد كرد على ، وله من العمر نحو ثمانية عشر عاماً اي:قبل مايزيد على اثنتين وسبعين سنة، يقول الطنطاوي : اني كتبت المقالة وقرأتها على رفيق عمري انور العطار رحمه الله، وكان يومئذ يجرب قول الشعر، فاشار علي ان انشرها فاستكبرت ذلك ، فمازال يزينه لي حتى لنت له، وغدوت على ادارة المقتبس ، ولا ادري كيف وجدت الجراة على ان اصعد السلم، وان اسلم على الاستاذ وادفع اليه المقالة,, فاخذ المقالة فنظر فيها ، فراى كلاماً مكتملاً ناضجاً، وراى امامه فتى صغيراً فطيراً، فعجب ان يكون هذا من هذا، وكانه شك فاحب ان يتحقق فاحتال علي حتى امتحنني بشيء اكتبه له، ففهمت وانشاته له انشاء من يسابق قلمه فكره، فازداد عجبه مني، ووعدني بنشر المقالة غداة الغد,.
خرجت من ادارة الجريدة وانا أتلمَّس جانبي انظر هل نبتت لي اجنحة اطير بها لفرط ما استخفني من السرور، ولو اني بويعت بالامارة ، مافرحت اكثر من فرحي بهذا الوعد, الذكريات 1/81-282.
ومن ذلك التاريخ واسم الطنطاوي مرتبط بالصحافة ارتباطاً وثيقا، بحيث لايمكن فصل مسيرته الادبية عنها، فقد كانت وسيلة النشر الاسهل والمنبر الذي يعبر منه اقرانه من الشباب وكانت الصحافة آنذاك (خلال القرن الهجري الماضي) تحظى بمتابعة كبيرة جداً، وتحتل منزلة عالية في نفوس الناس، لانها كانت مصدراً من مصادر المتعة والثقافة.
وفي عام 1928م سافر اديبنا الى مصر، حيث اقام عندخاله الاديب الكبير محب الدين الخطيب شهرين كاملين، فلمس منه خاله القدرة فاوكل اليه كتابة بعض الموضوعات في مجلته الزهراء ومن راجع اخر عدد من مجلة الزهراء والذي قبله وجد اكثره بقلم اديبنا الطنطاوي.
وما ان عاد الطنطاوي الى دمشق حتى التحق بجريدة فتى العرب عند الاستاذ والاديبمعروف الارناؤط فكتب فيها زاوية بعنوان مذكرات خنفشاري وكان يكتب فيه ايضاً كل يوم المقالة الثانية، وربما كتب الافتتاحية وقد بلغ حصيلة ماكتب من ذلك اكثر من مئة واربعين مقالة خلال خمسة اشهر فقط، اضطر بعدها الى ترك الجريدة ليسعى على رزقة ومن يعول حين نسي معروف ان يدفع اليه حقه لعمله معه.
وكانت مقالاته خلالها مسلطة على نقد الواقع بصورة مباشرة كما في مقالته الى مجلس المعارف الكبير التي انتقد فيها وزارة المعارف نقداً صادقاً صريحاً، حمل مستشار المعارف (مسيوراجه الذي يسميه الطنطاوي دنلوب الشام على زيارة الجريدة بنفسه، ليقابل كاتب المقالة ويوضح له ماغمض عليه, وللاسف الشديد ان الكاتب قد اضاع تلك المقالات، ولم يبق لديه منها سوى اربع مقالات فقط، ولكن يمكن للراغب تلافي ذلك بالرجوع الى اعداد جريدة فتى العرب .
وبعد ان ترك اديبنافتى العرب تلقفته جريدة الف باء للاستاذ يوسف العيسى، وكان لوناً آخر ليس من لون معروف، ولامن شكله، فذاك رجل يعيش للادب والفن، وهذا رجل كله عقل، ذاك اعتماده على الاسلوب المزوق المزخرف، وهذا اعتماده على الفكرة الصحيحة المقنعة يعرضها بالاسلوب العادي الواضح.
وقد طلب منه الاستاذ العيسى ان يكتب عن افلام السينما، ومنحه بطاقة يدخل بها اليها متى شاء بالمجان، ففرح الطنطاوي بذلك اول الامر وكتب عن الافلام فصولاً قصاراً، هي وسط بين تلخيص القصة وبين نقد التمثيل، لاتخلو من تعليق فيه عبرة، ومن نصيحة او موعظة، واقوى المواعظ اثراً -كمايرى- ماجاء عرضاً من حيث لايتوقع السامع, ولم يكن الطنطاوي من رواد السينمات ولامن العاكفين على الملاهي، ولم يكن يمنعه من امثالها اب ولا اخ، ولكن منعه منها ما تربى عليه من الدين،ومن كان يحضر مجالسه من العلماء، ووجد الناس يدخلون السينما للمتعة، وهو يدخلها للعمل، تصير المتعة واجباً تفقد جمالها فَكَرِهَ العمل وضاق به, والطنطاوي يرى هذه التجربة حماقة منه، ونزوة شباب يخجل من ذكرهاوان ذكرها.
وأثناء كتابة تلك الفصول كان يواظب على كتابات اخرى يرى مجتمعه اشد حاجة اليها، فاصدر خلال تلك الفترة رسائل الاصلاح و رسائل سيف الإسلام دعافيها الى التوسط والاعتدال، ورفض منهج الخائفين من الحضارة، ورد على جيل الشباب المنسلخين من القديم كما انتقد فيها طريقة التدريس العقيمة في المجتمع آنذاك,
وكان يواصل نشر مقالاته الوطنية التي يدعو فيها الى النضال من اجل الاستقلال من الانتداب الفرنسي، فإذا كانت المقالة نارية ملتهبة نشرها في القبس ، وإذا كانت هادئة معقولة نشرها في الف باء .
وفي عام 1931م صح عزم الكتلة الوطنية على انشاء جريدة الايام ، لتكون معبرة عن الشارع العربي في سوريا بإزاء الانتداب الفرنسي، وكانت هه الجريدة اول جريدة في سوريا تبلغ عدد صفحاتها ثماني صفحات، وتتخذ مراسلين لها يبعثون اليها بالاخبار، ووكلاء يتولون توزيعها في الاقاليم والاقطار، فلذلك ولما اتسمت به من الصدق والصراحة والاخلاص الذي تسرب اليه من اخلاق رئيسها عارف النكدي ، لذلك عدت فصلاً جديداً في تاريخ الصحافة الشامية، وقد اختار النكدي الطنطاوي ليعمل معه في الايام محرراً داخلياً، وهو لقب مرادف للقب مدير التحرير في ايامنا هذه، اختاره لهذا العمل الكبير، وهو شاب صغير لم يكن قد اكمل الثالثة والعشرين، لانه قد استكمل الصفات التي يحتاج اليها الصحفي، فاعطى اديبنا الجريدة وقته كله، وجهده كله، وكان يشعر حين يمسك بيده تجارب الطبع، وينزل الى المطبعة، انه قائد معركة ، ينتقل على فرسه بين فرق جيشه، وافراد جنده.
اما الحدث الابرز في علاقته بالصحافة، فيبدأ مع ظهور مجلة الرسالة للزيات رحمه الله، حيث اخذت الاحلام الادبية تساور الطنطاوي في ان يكون من ادباء الرسالة ، والتي كانت ولازالت تحتل في ادبنا العربي مكانة مرموقة، فنشر له الزيات اول مقالة في العدد الثاني والعشرين (16شعبان 1352ه) وله من العمر خمسة وعشرون عاماً، يقول الطنطاوي انا لم آت الرسالة مبتدئاً بل لقد كنت لما جئتها كاتباً معروفاً في بلدي نشرت مئات من المقالات في السياسة وفي الحماسة وفي النقد وفي القصص التاريخي، وفي المناظرات، حتى في المسرح، ولست انكر فضلها علي، ولكن لا احب ان ابخس نفسي حقها, فإن عُدَّ من تخرج في الرسالة فلست منهم، وان كان للرسالة ولصاحبها اكبر الفضل علي .
ولقد احس الزيات -رحمه الله- باستاذيته وخبرته ان الطنطاوي يمتلك قلماً اشرب الكثير الكثير من روعة الجمال، يغذيه بصر وبصيرة، وثقافة ومعرفة، فاحتضنه واحتفى به, وكان يجعل لمن يكتب في الرسالة درجات، فمنهم من ينشر اسمه مجرداً بلالقب، ومنهم من يلقبه بالاديب، ومن يقول عنه الاستاذ، وكل الذين نشروا قبله اي الطنطاوي في الرسالة كتب اسماءهم مجردة - كما يذكر الطنطاوي- الاصديقه انور العطار لقبه حيناً بشاعر الشباب السوري ثم اعاده الى الاسم المجرد، اما الطنطاوي فقد كتب عنه من اول يوم للاستاذ فلان وكان يضع مقالته بعد الطبقة الاولى من الكتاب الكبار مباشرة، وكان اول من اخذ من الرسالة مكافاة مالية بعد الرافعي والعقاد وطه حسين.
ولقد كان الطنطاوي يحمل بين جنبيه هموماً كباراً، وآمالاً ضخاماً في بعث الادب العربي القديم والتراث الاسلامي ولو قدر له ان يسلك سبيل الادب سلوك المسافر المطمئن، لا المتعثر الضال، ولو اعفي من هم الكد للعيش ونكد الحياة النمطية الجافة: حياة الموظف لحقق هذه الامال او لاعذر لنفسه وقارئية وقد امتلك هذه الاداة اللغوية الراقية.
ولقد اجتمعت على الطنطاوي امور كثيرة جعلته وهو على عتبة الاربعين يزهد في الادب او في الاشتغال به، لاسيما بعد ان اتصل بالقضاء، فانصرف بكتابته عن التجويد والتنميق، ونزل الى الواقع يسير فيه بقدميه، يقول في رسالة بعث بها عام 1943م لاحمد امين رحمه الله:كان هنا شاعَرَّ لم يعرفه الناس حتى عرفتهم به هدآت الاسحار، إذ كان يطوف فيها علىمرابع حبه، يغنيهاعلى ربابه اعذب الحانه، واشجى اغانيه,, عرفتهم به الضمائر المؤمنة اذ كان يهتف بها مع الفجر,.
وما في الارض لذة كلذة الإيمان غنى للايمان وللوطن وللحب، واكثر الغناء، اعجب به الناس لما عرفوه، ثم اطمأنوا اليه والفوه,, ثم اصبحوا لايعنيهم فقده، ولايعز عليهم غيابه.
وطرق الحي شعراء يضربون على الطبول الكبيرة ويصرخون باغان فارغة مدوية كطبولهم، لاتدعو الى الفضيلة، ولاتهز عاطفة، ولاتمس من النفس موضع الايمان ولامكان الحب الشريف، ولكنها تدعو الى الشهوة، وتثيرها في الاعصاب,, فحفَّ الناس بهم، وصفقوا لهم,, عند ذلك ,عند ذلك كسر الشاعر ربابه وانسل خارجاً من الحي بسكون، وام الجبل,, يعصمه عُلُوُّه من ان يسمع قرع هذه الطبول، وعاد كالشيخ الذي صارت ايامه الثلاثة يوماً واحداً,.
اجل ياسيدي لقد مات الشاعر، ودفن في جبة القاضي ,.
ولكن هل ترك الطنطاوي الادب فعلاً، ام انها كآبة تغشته مدة ثم انقشعت عنه؟!
*الكاتب انجز كتابة رسالة بعنوان ذكريات علي الطنطاوي,, دراسة فنية في نحو 624 صفحة باشر فيها الجانب الفني فقط من ذكريات الطنطاوي، ولايزال ينتظر راي المناقشين الكريمين بشان اجازتها.
|
|
|