Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


حوار مع : حفيدة الشيخ علي الطنطاوي عابدة العظم
حفيدة الشيخ علي الطنطاوي تؤلف كتاباً عن اتجاهاته في التربية
كيف كان الشيخ علي مع أسرته وبناته والأحفاد,!!

هي احدى حفيدات الشيخ علي الطنطاوي ولا بد ان تأخذ من شعاع فكره لقربها منه ولقربه من جميع احفاده.
لكنها آثرت ان ينتشر هذا النور فقررت ان تجمع مواقف ذلك الجد العظيم التربوية في كتاب لتقدم لنا وتبرز جانبا آخر مضيئا من جوانب شخصية الشيخ علي الثرية التي ربما لا يعرفها البعض.
في كتابها هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي نظريات تربوية حديثة في اطار اسلامي قويم مارسها الشيخ علي ورصدتها حفيدته السيدة عابدة العظم في توثيق جميل عبر كتابها وفي هذا الحوار معها اقرؤوا الجانب الخاص في حياة شيخنا.
* بدءا كيف ولدت فكرة جمع آراء الشيخ ومواقفه التربوية في كتاب,, من الذي اشعل جذوة الحماس الجميلة؟
- نشأت وترعرعت في كنف جدي وامي وانا اعتقد - كما يظن ويعتقد كل طفل - ان كل الناس يتربون ويتوجهون في بيئة ان لم تماثل بيئتي فهي مشابهة لها، وكنت اسمع الناس يمتدحون جدي فلا ادرك من الحقيقة الا ان الناس عرفوه لأنه يحدثهم في الراديو والتلفزيون فأحبوه، فامتدحوه,!! وكنت انا مثلهم احبه كثيرا، لما أراه منه، فلم اعر الامر اهتماما.
وما لبثت ان كبرت قليلا، واختلطت بالناس فبدأت ادرك شيئا فشيئا الفروق الجوهرية بين جدي مربيا وبين سائر المربين، وكنت كلما اجتمعت مع اقراني لمست التباين بين اسلوبه في التوجيه وبين اسلوب بقية الوالدين، وكنت كلما سمعت مشكلات الآباء في تربية الابناء اعترف لجدي بالتميز والابداع في معالجة الاخطاء، وتعديل الطباع، وساهمت خالاتي وامي في تبصرتي، وذلك بما كن يقصصنه عليّ من قصصهن مع جدي، وبما كن يكننه له من الاحترام والشكر والتقدير، وبما كن يحملنه من إيمان عميق بالله، ومبادئ عظيمة تعلموها من شرع الله.
فلم اكد اتفهم هذه الحقائق، واتبين الاثر الكبير الذي اوجده جدي فينا، حتى شرعت بكتابة المواقف المهمة العالقة في ذاكرتي، إذ احسست بأن هذه التوجيهات حرية بأن لا تبقى حبيسة معرفة بعض الناس الذين هم احفاد الطنطاوي، بل ينبغي ان تنشر ليطلع عليها سائر الناس، فتكون لهم عونا في تنشئة ابنائهم وبناتهم.
* لقد نجح كتابكم هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي في إلقاء الضوء على جانب هام من شخصيته ربما لم يعرفه محبوه الكثر ما هو رأي الشيخ شخصيا في هذا الاصدار,؟
- لم أكن عند جدي لما عرض الكتاب عليه لأول مرة فقد حمله اليه زوج خالتي (نادر حتاحت) بصفته ناشر الكتاب، ولما قرأه جدي اتصل بي هاتفيا ليقول: الكتاب جيد بل هو جيد جدا، واسلوبه جميل لكنه عقب بقوله: (ومن الصعب علي يا ابنتي ان امتدح هذا الكتاب او ادلي برأيي الصريح عنه، لأنه عني، واخشى ان يظن الناس اني افعل لاجل ذلك,! ثم ختم كلامه بقوله: وانا لست كما وصفت فأنت التي جملت الحوادث وصورتها بتلك الطريقة .
ولكن تأكدوا - ايها القراء - اني ما كتبت غير الحقيقة، وما صورت إلا ما رأيته، وما قال جدي وما قاله إلا تواضعا.
* على المستوى الاجتماعي رزق الشيخ علي الطنطاوي بخمس من الإناث، هل شعرتم به وأنتم احفاده بانه يفتقد الى انجاب الولد,؟ ارجو ان تمنحينا اطلالة على وعي الشيخ بهذه النقطة واحترامه للمرأة؟
- ان جدي إنسان كأي إنسان آخر يحب ان يرزق البنين، فيحملوا اسمه ويتعلموا مما علمه الله ويكونوا خلفاء له وهو لم يتوقع اصلا ان لا يولد له ذكر، فلما جاءته ابنته الاولى رضي بقضاء الله، وسعد بها، بل احبها واخواتها - من بعد - حبا شديدا، وأولاهن من العناية والرعاية والاهتمام ما لم يوله أب آخر ممن اعرفه أو سمعت عنه.
أما احترامه للمرأة فهو شيء معروف عنه، وكان في احاديثه يدافع عن النساء ويذب عنهن، ويحذر الرجال من الظلم والتعدي، وكان يردد دائما: ان الدرجة التي للرجل على المرأة درجة واحدة، وليست سلما، حتى لقبوه بناصر المرأة, وهو كذلك معنا فقد كان يفضلنا - احيانا - نحن الحفيدات على الاحفاد، وقد بذل لنا الكثير، واكرمنا زيادة عنهم في بعض المواقف ولكن دون ان يشعروا حتى لا يتسبب ذلك في أذاهم.
* ليس كل العظماء مشاهير كما تقول الامثال، ولكن الشيخ (علي الطنطاوي) شخصية عظيمة وثرية جمعت بين العلم والدين والادب والحياة كيف برأيك استطاعت هذه الشخصية ان تحظى بهذه الشهرة والشعبية الواسعة النطاق؟
- ساءلت نفسي هذا السؤال مرة، ثم وجدت الجواب في سيرة جدي، فقد مر بظروف قاهرة ومؤلمة، فعوضه الله بمجموعة من العطايا، فأهلته لهذا النجاح:
اذ وجده يتيما وحيدا بلا أب ولا ام ولا سند مادي او معنوي، فأعطاه العقيدة السليمة، والمحاكمة الصحيحة، وقوة الشخصية، فكان بلسانه وقلمه سيف مسلول على اعداء الله ورسوله، فكان يترصد الباطل ويقتله، ينازل الفسوق فيقهره، ويبارز الكفر والانحلال والمجون فيغلبهم، جميعا، وكان صدَّاعا بالحق، لا يسكت عن إنكار منكر، ولا تمنعه منه هيبة ذي سلطان، جريئا لا يهاب احدا ولا يخشى الا الله، متمردا على العادات والتقاليد المخالفة للإسلام,, فرفع الله بعمله هذا ذكره بين الناس.
ووجده محبا للعزلة والانفراد، فأعطاه حب العلم، ورغبة بالقراءة والاطلاع، ورزقه الذكاء الحاد والحافظة العجيبة، وسرعة الاستيعاب, فلم تكن الا سنون حتى جمع علما غزيرا متنوعا، فهو اديب، ولغوي وفقيه، وعالم نفس، وهو قارئ نشط في الطب والفلك,, فسهل الله له بعلمه الطريق الى عقول الناس.
ووجده هيابا للاجتماع بالناس، فأعطاه القدرة على مخاطبتهم من بعيد (اي عن طريق وسائل الاعلام) على اختلاف مشاربهم، واعطاه روح الفكاهة، وحلاوة الاسلوب، والابتكار في العرض، والغزارة في التشبيه، والقدرة على الاقناع، والمرونة في الافتاء فوصل الى قلوب الكثيرين.
وقد جمع مع هذا كله التلقائية والطبيعية، فهو لا يبالي ان يتحدث مع المخرج وهو على الهواء مباشرة، ولا يجد غضاضة بمراقبة ساعته وضبط مسجلته وهو يتحدث الى الناس، ولا يتحرج من قراءة رسائل الانتقاد التي تصله من بعض الكارهين له على الملأ وكان هذا كله في وقته طريفا, وغريبا,, وكان - في برنامجه التلفزيوني - قريبا من الناس يهتم بمشكلاتهم ويساعدهم على حلها.
كل ذلك وغيره جعل منه شخصية نادرة ومبدعة ومتميزة فأحبه الناس.
* ماذا عن جيل الاطفال الذين هم ابناء احفاد وحفيدات الشيخ (علي) يحفظه الله - هل التصقوا به ام ان طفل اليوم كما يشاع عنه ملتصق بافرازات التقنية (كمبيوتر، انترنت) ولا وقت لديه ليسمع حكايات الاجداد وتوجيهاتهم؟
- لا شيء في الاطفال يصعب على التربية والتوجيه، يكبر الولد في عائلتنا فيرى حبنا لجدنا، وحرصنا على استشارته والتقرب منه، ومحاولتنا السير على خطاه، والوصول الى العلم الذي وصل اليه,,
فيتمسك الحفيد بشيء من التقاليد الطنطاوية، ولم يكن جدي - رغم ذلك - ليمنع الاحفاد عن منتجات التقنية لأنه كان متوازنا يعطي كل ذي حق حقه، فيتبع الحفيد - بالاضافة الى هذا - ما يروق له من إفرازات العصر,, ولو جاء من بعد أمهر اصحاب احفاد الشيخ، ما استطاعوا ان يأخذوا الحفيد تماما من هذا الجو، وما تمكنوا من إقناعه باستبدال الذي هو خير بالأدنى، ولو غفل واحد من الاحفاد عن توجيهات عائلتنا مدة، عاد وحده بعد فترة طائعا مختارا الى نهجنا وطريقتنا.
لذلك عودت بنات الشيخ اولادهن ان يسيروا على خطا والدهن، وفعلنا نحن مثلهن، واولادنا يحبون جدي ويتوقون الى زيارته، وهو يسأل عنهم ويهتم بهم، ويكرمهم، ويتحدث اليهم، ويلاطفهم، ويقدم لهم ما يستطيعه,.
لكن كثرة عددهم، وظروف (الشيخ) الصحية، حالت دون نمو علاقة وثيقة بينه وبين ابناء الاحفاد مقارنة بتلك التي سادت بينه وبين الاحفاد قديما.
وسيحصل - ان شاء الله - على نفس النتائج كل من سار على هذا النهج، فيرضي الله ورسوله،
ويحقق السعادة له ولأولاده في الدارين.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved