Thursday 27th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 12 صفر


أستاذنا الشيخ علي الطنطاوي
جوانب ثرية من حياته
د, محمد بن لطفي الصباغ

من الصعوبة بمكان أن أكتب كلمة وافية عن أستاذنا العلامة الشيخ علي الطنطاوي حفظه الله وأطال عمره؛ ذلك لأن الجوانب العظيمة التي انطوت عليها شخصية الشيخ متعددة متنوعة.
إنه إنسان عظيم حقا,, وصلتي به تزيد عن بضع وأربعين سنة,.
وقد وقفت خلال هذه الحقبة الطويلة على ملامح من عبقريته، وخصائص من شخصيته، ولا استطيع أن أوردها كلها في هذه الكلمة، وأؤكد أن هناك جوانب أخرى وقف عليها غيري من أصحابه وتلامذته، والذي يريد أن يكتب عن هذا العالم الكبير يجب أن يعالج تلك الملامح وجميع هاتيك الخصائص، وهذا يقتضي كتابة مؤلف خاص بسيرته ومزاياه.
فأستاذنا فقيه، وقاض، وحقوقي، وأديب، وبليغ، وناقد، وخطيب، ومؤلف، وصحفي، وكاتب، وداعية إلى الله، ومحدث في الاذاعة والتلفاز.
وأسرة الطنطاوي أسرة علم وفضل جاءت من مصر واستقرت في دمشق، فقد جاء الشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي إلى دمشق سنة 1265 وهو العالم الفلكي الشافعي، فكان موضع تكريم أهلها الذين احلوه المكانة التي يستحقها عملا بالتوجيه النبوي، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه وتوفي بدمشق سنة 1306, وقد جاء مع الشيخ محمد الطنطاوي ابن أخيه الشيخ أحمد الذي هو جد شيخنا الشيخ علي حفظه الله.
أما والد أستاذنا فهو الشيخ مصطفى الطنطاوي كان معلما ثم أمينا للفتوى بدمشق وعين مفتيا في السويداء ثم رئيس ديوان محكمة التمييز، وكان في الوقت نفسه إماما في مسجد وله مقطوعات شعرية في المدائح النبوية وقفت عليها وهي عندي ضمن مجموعة لعدد من المشايخ، واتوقع أن يكون له شعر في موضوعات أخرى.
وقد توفي في 20 شعبان سنة 1343 ولم يتجاوز عمره ستا وأربعين سنة، وأخوال أستاذنا حفظه الله من آل الخطيب وهي أسرة علم ودين ويرجع نسبها إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، ولها جزء من خطابة مسجد بني أمية حتى الآن، وخاله الكاتب الإسلامي الكبير والعالم الجليل والمحقق الكبير والصحافي والسياسي الاستاذ محب الدين الخطيب صاحب (الفتح) و(الزهراء) ورئيس تحرير مجلة الأزهر.
وأستاذنا - حفظه الله وبارك في عمره - هو أول من جمع بين الثقافتين العصرية والدينية في بلاد الشام، إذ كان طلاب العلم قبله: إما من المشايخ الذين لا يدري كثير منهم شيئا عن الثقافة المعاصرة، بل ولا عن الأوضاع الفكرية والسياسية التي تقوم في العالم، وإما من الأفندية الذين لا يدري كثير منهم شيئا عن الثقافة الدينية، بل كانوا يحملون التصور الأجنبي عن هذه الثقافة ومضمونها, فجاء الشيخ علي فجمع بين الثقافتين على مستوى عال,, فدرس في المدارس العصرية العلوم التجريبية وتمكن من اللغة الفرنسية، ونال شهادة البكالوريا الأولى ثم البكالوريا الثانية,, ثم التحق بكلية الحقوق ونال شهادتها بتفوق في وقت قل فيه من يحمل هذه الشهادة.
وعمل في التدريس والصحافة وهو في سن مبكرة,, ثم اختير للقضاء فكان القاضي الشرعي في دوما، ثم في دمشق، ثم أصبح القاضي الممتاز، ثم أصبح عضو محكمة التمييز (النقض والإبرام).
ودعي إلى المشاركة بتدريس بعض المواد في كلية الشريعة بدمشق ثم عمل مدرسا في كلية اللغة العربية في الرياض ثم انتقل إلى كلية الشريعة في مكة,, ثم تفرغ للإذاعة والتلفاز,, فكان له برنامج إذاعي يومي يرد فيه على عشرات المسائل التي يتلقاها كل يوم، وله برنامج تلفزيوني أسبوعي يتلهف الناس لسماعه من مختلف المستويات، وما رأيت برنامجا دينيا أنجح منه على الإطلاق.
تزوج أستاذنا من آل الخطيب، ورزق خمس بنات زوجهن جميعا وله منهن عدد كبير من الأحفاد, وكان يقول لي: أنا من الدرجة الأولى بالنسبة للأولاد لأن الله تبارك وتعالى جعل الناس أربع طبقات وكان يتلو الآيتين: (لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير) ]الشورى 49-50[.
ولنذكر الآن بعض الجوانب التي تميز بها أستاذنا بإيجاز بالغ:
فقد كان فقيها كبيراً قرأ كتب الفقه الحنفي على المشايخ في دمشق، وألم بما في المذاهب الأخرى، وقد أتقن مسائل الفقه المتعلقة بالأحوال الشخصية من نكاح وطلاق وخلع وميراث,, بل كان واحدا من الذين وضعوا قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية في بلاد الشام.
وكان عالما في أصول الفقه، وقد حضرت عددا من الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها في دار الدكتور أحمد حمدي الخياط، وكان يحضر معنا الشيخ ناصر الألباني واستمر هذا الدرس الأسبوعي مدة جيدة.
وكان قارئا سريعا يقرأ المجلد في ليلة واحدة مع الاستيعاب والقدرة على تلخيصه وإعطاء فكرة واضحة عنه، وقد ذكر لي أن مجلة المختار الأمريكية ذكرت مرة أسرع قارىء في الدنيا في مباراة لعدد من القراء وفق قواعد وطريقة معينة في القراءة, قال حفظه الله: فطبقت تلك القواعد والطريقة فوجدت نفسي أسرع منه.
ولدى الأستاذ في دمشق مكتبة عامرة بعضها مما ورثه وأكثرها مما جمعه هو مما كان يشتري ومما كان يهدى إليه.
وكان أستاذنا قاضيا نزيها,, بل لقد كان في قمة النزاهة وابتغاء العدل والصدق,, لا يقبل الشفاعة,.
ولا يسمع من خصم إلا بحضور الخصم الآخر.
وكان أستاذنا أديبا فذا,, أحاط بما في كتب الأدب شعره ونثره وله أسلوب بليغ هو من السهل الممتنع,, فقد بلغ في إجادة الكتابة درجة لم يصل إليها إلا القلة من الكتاب،
وقد ظل يمد الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية بمقالات رائعة في الأسلوب والمضمون,,
تشهد له بالموهبة المتفوقة.
وقد أغنى المكتبة الأدبية والإسلإمية بعدد كبير من الكتب النافعة الرائعة وظل عطاؤه ممتدا أكثر من خمسين سنة.
والأستاذ الطنطاوي خطيب مصقع,, فقد كان أخطب أهل عصره وكان يهز نفوس السامعين هزا,, وعندما كنا طلابا في الجامعة وأقمنا فيها مسجدا جامعا كلفناه بإلقاء الخطبة الأولى فيه فاستجاب لطلبنا ونقلت الإذاعة السورية الخطبة والصلاة,, وكان - جزاه الله الخير - يخطب محتسبا مرات كثيرة في مسجد الجامعة,, ويتناوب هو والأستاذ عصام العطار هذه الخطابة، وكان لخطبه الأثر الكبير في المصلين.
والأستاذ الطنطاوي محدث ناجح في الإذاعة والتلفاز، فقد شهد الخبراء المختصون بأنه أنجح متحدث في هاتين الأداتين من أدوات الإعلام ويمتاز بإلقائه الجميل المحبب إلى النفس,, وقد كان له من نحو خمسين سنة حديث أسبوعي في إذاعة دمشق يذاع بعد صلاة الجمعة، وكان الناس، نساء ورجالا، صغارا وكبارا، عامة ومثقفين ينتظرون هذا الحديث ويقبلون على سماعه.
والأستاذ الطنطاوي صادق التدين، جريء في اعلان ما يرى ويعتقد، لا يخشى في الله لومة لائم، وكان له قبول كبير في بلاد الشام، وكانت كلمته مسموعة، ويستجيب لها الكثرة من الناس، لأنهم يثقون بصلاحه ودينه ونصحه للأمة,, فقد مرت ببلاد الشام أزمات,,
وجاء وضع جديد لم يلق الاستقرار والتأييد إلا عندما ألقى الشيخ علي الطنطاوي حديثا بهذا الخصوص.
والأستاذ الطنطاوي داعية إلى الله موفق، وقد استمر في الدعوة أكثر من ستين عاما,, لقد بدأ يدعو إلى الله وهو ما يزال في العشرين,, وقد جاوز الآن التسعين, بارك الله في عمره وأمده بالقوة والعافية.
وله تاريخ حافل مجيد في مقاومة الفرنسيين في خطبه ومقالاته التي لو جمعت لكانت مجلدا كبيرا.
وبعد فماذا عساني أن أقول؟,, إن مجال القول واسع في شمائل هذا الرجل الكبير,
وختاما فإني أسأل الله أن يجزيه الخير عن عمله وجهاده وأن يختم له بالحسنى، وأن يمنحه القوة والعافية والحمد لله رب العالمين.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved