حين طلب مني المشاركة بكتابة مقال مطول أتحدث فيه عن انجازات العالم الفاضل الفقيه الأديب المثقف الذي جمع من العلوم أفضلها، ومن مكارم الأخلاق أسماها وأسناها، واستقى من ينابيع التراث والأصالة ما أطفأ لهفته، وأروى غليله، ثم أعطى بدون من، فارتحل مجاهدا داعيا إلى اقطار شتى متوخيا خدمة الدين الإسلامي مطيعا لأمر ربه.
حين طلب مني ذلك وقفت حائراً، أسأل نفسي، فالذي استطيع ان أقوله وأنا المفلس شعرا، وليس لي في النثر ناقة ولا جمل، والشيخ علي الطنطاوي متعدد الجوانب فمواهبه الفكرية والعلمية متشعبة، وروافدها دفاقة معطاءة, وكل موهبة لا يخبو وهجها، ولا ينضب تدفقها.
قلبت الأمور يمنة ويسرة لكي اختار موضوعا استطيع من خلاله الإبحار، لعلي أظفر ببعض اللآلىء لأخرجها من محارها، وأقدمها هدية لشيخي صحيح أنني أطبق بعملي هذا المثل العربي السائر: كحامل التمر إلى هجر أو المثل الآخر الذي يقول: كحامل الماء إلى حارة السقائين ، وإذا كان هذان المثلان يحملان في حناياهما ما يوحي بانطباق الأمر علي لحملي اللآلىء إلى موطن اللآلىء، ولكنني اخالف كل من يزعم أنني شبيه لحامل التمر إلى هجر، أو حامل الماء إلى حارة السقائين لأن كل واحد منهما حمل بضاعته إلى موطن تصبح فيه بضاعته كاسدة لا تحقق له أرباحا مجزية، غير أنني اختلف عنهما، فما أحضرته من اللالىء إنما جئت به لأهديه لصاحبه ولا فضل لي في ذلك فمثلي هنا كالمطر: كان ماء في البحار والأنهار والمحيطات ثم تبخر وتكثف وشكل سحابا ساقته الرياح حتى تساقط مطرا على الأرض والأنهار والمحيطات فعاد الماء إلى الماء.
عندئذ عزمت وتوكلت وقلت: هذا اجتهاد مني إن أحسنت وأصبت فلي قيراطان، وإن أخطأت فلي قيراط وحسبي من القضية قيراط ما دامت النية الحسنة متوفرة.
لن أتحدث عن ميلاد الشيخ علي، وتاريخ مولده، ونسبه، وطفولته، وأصدقاء طفولته فتلك أمور يجدر بمن رافق الشيخ علي وعاصره أو سبقه مولدا أن يتحدث عن السيرة الذاتية الخاصة بالشيخ علي فإنهم قادرون على ملء الساحة المحدد ملؤها بمثل هذه المواضيع.
ولن يكون سبب وقوفي حائرا ناجما عن تكاثر الظباء من حولي كتكاثرها حول خراش فما يدري خراش ما يصيد، ولكني وقفت أحدق فيما حولي من الجداول والينابيع، والحدائق والبساتين التي لا غنى للقلب والعقل والمشاعر والعواطف من زيارتها والتمتع بما تحتويه من زينة الحياة الدنيا ومن غذاء للفكر والوجدان والذوق والراحة النفسية والبدنية، لذلك وجدت نفسي في مركز دائرة أنصاف قطرها خيرات حسان من الآداب والمعارف والعلوم والبيان.
شعرت بعجزي حين وجدت ذلك الكم الهائل من المشارب تتدفق أمامي بعطاءاتها ومنجزاتها تترجم رحلة الشيخ علي الطنطاوي، ولا مناص لي من أن أختار مجالا استطيع العوم فيه، أو بالأصح استسيغ هضمه، وفي الواقع، أنني ما تناولت قراءة شيء مما وقع في يدي من مؤلفاته إلا وجدته أسهل وأمتع مما سبقه.
إن أسلوب الشيخ علي في أحاديثه وكتاباته ورسائله سلس ينساب سهلا إلى القلوب فيحرك وجدان القارىء، والمستمع، وللشيخ قدرة قوية تمكنه من الاستعانة بالكلمات في رسم لوحات ابداعية محلقة، ولديه الامكانات الذاتية التي يستطيع بها ان يصور من الحروف نجوما على السطور تتوهج، ويلمس كل قارىء لكتب الشيخ مدى البلاغة اللفظية، والصياغة البيانية الخالية من التقعر، البعيدة عن استخدام الغريب من الألفاظ.
ويميل الشيخ فيما يكتب إلى الاسترسال الذي يدعو الكاتب أو المتحدث إلى ربط الموضوع مدار البحث أو الحديث بموضوع آخر جاء عفوا على لسانه، أو سطره قلمه على الورق تعليقا على جملة سبقت، والشيخ علي يحسن الوصف والتحليل والسبك الذي يجعل من جمله جواهر تنتظم في عقود متناسقة تأسر عين القارىء وعقل المتلقي، ولا يخلو مقال له من جملة ذات صبغة فكاهية يقدمها لقرائه وعاشقي أدبه ليزيد بها نشاطهم الذهني، فيطوف بهم في رياض الأدب، وميادين العلم وحقول الثقافة، ويرقى بهم سلم الطموح ليريهم كيف يبنى الفرد الشغوف مكانته المرموقة في عالم تتصارع فيه الأطماع التي تسعى لتحقيق غايات لا تستحقها.
وكنت أود أن أضرب أمثلة استشهد بها على براعة الشيخ علي الطنطاوي فيما يعالجه من مشكلات وقضايا أدبية، وعن طرقه الحكيمة التي يتخذها مركبا يقوده إلى شواطىء الأمان والسلام عندما يشهر سلاح العدل أمام المتخاصمين في مجلس قضائه، لكنني خشيت أن أخسر الرهان إذا جئت بأمثلة غير كافية، أمثله تشعل الشوق إلى معرفة المزيد ولا تطفئه، أمثله اشعر عند ايرادها أن تجعلني أخجل من نفسي قبل خجلي من الآخرين، ولعل من نافلة القول أن أشير إلى أن مذكرات الشيخ الطنطاوي بلغت أحد عشر مجلدا وكل مجلد منها يضم بين دفتيه ما يزيد على ثلاثمائة صفحة تميس سطورها بعد أن طرزها الشيخ بجواهره الكريمة ولآلئه الثمينة، لذلك وجدت من الحرص على بقاء حبي للشيخ عَبِقا بالتلمذة الطائعة المطيعة أن أعود بالقراء سنوات عديدة إلى كتاب الشيخ علي - حفظه الله - الموسوم بمقالات في كلمات وإلى الصفحة مائة وثلاث وتسعين التي يتصدرها عنوان هذه الكلمات ويفتتح الشيخ مقاله بما يلي: في أمثال العرب قولهم: وقف حمار الشيخ في العقبة وهو مثل يضرب لعجز الإنسان عن القيام بما يطلب منه تأديته لعدم وجود القدرة الذاتية التي تمكنه من تجشم الصعاب لصعود العقاب (جمع عقبة)، فاضطررت أن أحزم حقائبي، وألملم أوراقي، وأقرأ تحية إكبار وتقدير، واعتراف بالفضل والجميل لشيخنا العلامة علي الطنطاوي الذي إن تحدث أمتع، وإن كتب أبدع، وإن حاور أقنع، وإن زاحم كان الأروع، وإن تنافس كان الأرفع، وإن جاهر بالحق كان الأسمع، أمد الله في عمره، وأبقاه ذخرا مجاهدا في سبيل الإسلام والمسلمين.
|