عندما يرحل رجل مثل والدنا وشيخنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله- فذلك فاجعة كبرى على النفوس التي احبته لجهاده وعلمه وبذله في سبيل الله، غير عابىء بحطام الدنيا، لقد بكته القلوب والعيون من الرجال والنساء، وكان قبل ذلك قد فجع محبيه عندما رحل مجبراً عنهم الى موقع آخر من مواقع المسؤولية حيث كان قبل نصف قرن قاضياً في الدلم ونواحي الخرج، فاحبه الناس جميعهم لما لمسوه فيه من فوائد علمية وهو بعد في مقتبل العمر حيث نظم وقته ورتب درسه فأكب حوله محبو العلم، وتقاطروا من كل ناحية مكونين بذلك حلقة علمية زاخرة بفنون العلم والأدب وقد صور ذلك الشاعر محمد العون حيث قال
وجامع من حصون الدين مدرسة لكل من أمَّ فيه الناس او خطبا مثل ابن باز سما بالعلم فارتفعت راياته في بلادي طالت الشهبا هاهم اليها شداة العلم قد وفدوا من كل ناء من البلدان او قربا |
كما رضي الناس أقضيته كونه قد اخذ على نفسه بالتحري والاجتهاد ومشورة ذوي الخبرة، يقول الشاعر النبطي
الشيخ بن باز فراقه يروعي وسيع حلم للقضاء يذكرونه |
فعندما غادر الدلم آنذاك عام 1371ه الى الرياض لتوسيع دائرة الاستفادة منه انزعج الناس من مغادرته لهم, وقد عبر عن ذلك شعراً معالي الشيخ راشد بن صالح بن خنين المستشار بالديوان الملكي حالياً حيث يقول
هو الباز الذي يحنو علينا ويتحفنا علوماً نافعات ليال قد مضت والشيخ فينا يبث العلم ينهض بالحياة فلما ان زهت دلم وتاهت بثوب العز ترفل في ثبات تفرق شملها من بعد جمع ونقل الشيخ عنوان الشتات |
اما الشاعر النبطي راشد بن شعيل رحمه الله فقد صور تلك الحالة فقال
ضاق الصدر مني وهلت دموعي من يوم شفت الباب بيغلقونه الشيخ بن باز فراقه يروعي وسيع حلم للقضاء يذكرونه اهتز دليم ثم ركبوا ربوعي من يم ابوتركي بعد يطلبونه إن كان ماجاله علينا رجوعي عزَّ الله ان الخرج عميت عيونه |
هذا هو سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- في بداية حياته العلمية قاضياً ومعلماً اتسم -رحمه الله- بالتواضع وسعة الصدر والحلم وهدوء النفس مع الناس بصورة عامة والجهال بصورة خاصة فلايغضب لنفس ويسامح من يسيء إليه.
كما اشتهر-رحمه الله- بسعة العلم والجرأة في الحق عبر علم ودراية وحسن الافادة والكرم فلذلك لايكاد يخلو منزله يوماً من ضيف قادم إما للسلام عليه او الاستفادة من علمه او للاستفتاء، ولكرمه فقد كان يفرح بوفود الاضياف عليه فيستقبلهم احسن الاستقبال ويكرم وفادتهم على اختلاف احوالهم, ولقد ابرز شاعر آخر هو الشيخ صالح العلي -رحمه الله- القيمة العلمية لسماحته في بداية حياته العملية والعلمية وذلك في عام 1370ه حيث وصفه بعلامة الشرق ونحن نقول بل علامة العالم الاسلامي قاطبة وليس الشرق, فقال هذين البيتين
اما ابن باز فلا تلقى له مثلاً في الشرق مركز اهل العلم والكرم ثم قال في شطر البيت الآخر علامة اهل الشرق لاعلامة الدلم |
ومن الصفات التي حرص عليها سماحته - رحمه الله- حبه لجمع الكلمة وكرهه للفرقة واختلاف الرأي المؤدي الى القطيعة والعواقب الوخيمة فهو يحض اجتماع كلمة المسلمين وطلبة العلم لما في ذلك من قوة وعزةوانتشار للخير, ولقد كان مثالاً للاب الحاني والمعلم المربي الحريص على نشر العلم عندما كان في المدينة المنورة في رئاسة الجامعة الاسلامية حيث كان الرحيل الثاني من الجامعة الاسلامية الى الرياض عندما عين رئيساً عاماً للرئاسة العامة لادارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد فقد بكاه طلابه ومحبوه في حفل التوديع الذي اقيم تكريماً له, ولكن في كلتا الحالتين كان عزاؤهم انه يمكن الوصول اليه في اي وقت والاستفادة منه.
اما وقد حلت الفاجعة الثالثة التي فجعت انحاء المملكة بل وانحاء العالم الاسلامي فهي رحيل سماحته -رحمه الله- الاخير من هذه الدنيا الفانية حيث لم يبق سوى علمه الغزير وسيرته العطرة التي يجب على طلاب العلم النهل من ذلك المعين والاقتداء بتلك السيرة التي كان - رحمه الله- يتحرى فيها السنة تطبيقاً وامتثالاً مما يعطي النفس قناعة بإمكان تطبيق امور الشريعة في هذا العصر المتلاطم الامواج بالافكار والآراء المخالفة لشرع الله، وبذلك يبقى شيخنا -رحمه الله- بيننا بعلمه وحلمه وكرمه مثالاً يحتذى ليعم الخير والمحبة بين الناس وينتشر العلم الشرعي بكثرة طلابه.
فرحم الله شيخنا رحمة واسعةواسكنه فسيح جناته لقاء ماقدم لامته ولدينه ووطنه.
عبدالعزيز بن ناصر البراك
وزارة المعارف