سماحته نشأ في بيئة عطرة بأنفاس العلم، وكان القرآن النور الذي أضاء حياته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الامين وعلى آله وصحبه اجمعين.
بقلوب مليئة بالحزن والصبر والايمان نعت الامة الاسلامية فقيدها وعالمها صاحب السماحة الامام العالم العلامة الحبر والبحر والدنا الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز أسكنه الله فسيح جناته ورفع درجته في عليين.
ونحن اذ نعزي انفسنا في هذا المصاب الجلل نؤمن بقضاء الله وقدره الذي لا يرد ولا نقول الا ما يرضي الرب ونسأله جلت قدرته ان يجيرنا في مصيبتنا ويخلفنا خيرا منها.
ولعلنا في إطلالة مشرقة على مآثر شيخنا الذي حمل المسئولية بقوة واقتدار وكفاءة واصطبار نهدي لأبناء امتنا سيرة عطرة لإمام حمل على عاتقه امانة الحفاظ على دين الله وتربية عباد الله في جمع عجيب بين الحب لهم والغيرة عليهم منطلقه في ذلك الدين بكل شموله دين الدنيا والآخرة جميعا الايمان بالعمل الصالح معا، إنه عالم المسجد والمنبر والميادين العامة.
ونحن بهذا الاهداء نرسم خطى قدوة حسنة لأبناء هذا الجيل الذي تقع عليه مسئوليات جسام تجاه امته الاسلامية عله يستفيد في ترسم هذه الخطى فيتعرف عن قرب على سير العلماء في نشاطهم وتوقدهم وما يحملونه من علم وكيف وظفوه في خدمة الاسلام فيجعله نبراسا له.
البدايات الأولى:
عندما أعلن جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - غفر الله له - توحيد المملكة العربية السعودية في منتصف عام 1352ه كان عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله قد بلغ سن الرشد والاهلية حيث كانت سنه في ذلك الوقت 21 عاما تماما، ومعنى ذلك ان سماحته قد عاصر توحيد المملكة في دولة قوية تجتمع على كلمة التوحيد خلف راية (لا إله إلا الله, محمد رسول الله) عاصر تلك الحقبة صبيا ويافعا ثم رجلا.
وعندما بدأ حياته العملية تقريبا كانت قد أرسيت قواعد بناء هذا الكيان الكبير الذي شهد وضع لبناته الاولى.
هذه الخلفية المبكرة من حياة (ابن باز) كان لها - بكل تأكيد - آثارها البالغة على تكوينه الفكري وبناء شخصيته بوجه عام، فقد شهد في الواقع العملي اوضاع التمزق والتشتت والتنافس وصراعات النفوذ بين إمارات شاعت فيها الفوضى والخرافات والأباطيل وابتعد بعضها بوضوح عن اسس دين الله الحنيف.
كما شهد عملية التحول الكبرى في المجتمع من الولاء لتلك الإمارات المتصارعة الى الولاء لشريعة الله والالتزام باحترام سلطة سياسية واحدة تراعي مصالح الجميع وتسعى لخير كل ابناء هذه الارض على السواء.
وهكذا كان (ابن باز) قريبا من التحولات الكبرى التي عاشها المجتمع السعودي وأدرك الفارق بين الحالتين بوضوح ما بين التشتت والتصارع والفقر الى حالة الاستقرار والرخاء والازدهار,هذا التحول كان له بلاشك اثر في تكوين شخصية (ابن باز) بل وشخصية كل الرواد والعلماء الذين عايشوا تلك الحقبة الاقتصادية من حياة المجتمع العربي السعودي وشاهدوا الجهد الذي بذل في بناء الدولة السعودية, وهذه المعايشة جعلتهم - بالتأكيد - اكثر حرصا وتصميما وكفاحا من اجل التمسك بالقيم الاسلامية الصحيحة النابعة من العقيدة الصافية لإدراكهم ان تلك المبادىء هي التي اقامت تلك النهضة التي يعيشونها والتي قد يتعامل معها بعض ابناء الاجيال الجديدة كمعطيات واقعة دون ادراك الفارق بينها وبين ما قبلها، مما زاد معه دور العلماء في توضيح الحق واستجلاء امر الدين لترسخ العقيدة ويصمد البناء.
مكانته العلمية:
نشأ سماحته في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، اذ كانت الرياض في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء، وأئمة الدين، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم - وأعني بها دعوة الامام المجدد محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار.
ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته - رحمه الله - ولاشك ان القرآن العظيم كان النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح، فبالقرأن الكريم بدأ الشيخ دراسته، كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل البلوغ، فوعاه وحفظه، وأتقن سوره وآياته، ثم ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وطول نفس وصبر.
والجدير بالذكر في أمر نشأته العلمية ان لوالدته - رحمها الله - اثرا بالغا، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت تحثه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد كما ذكر ذلك سماحته في محاضرته النافعة (رحلتي مع الكتاب).
وقد هيأ الله لسماحته - رحمه الله - صفات حميدة ومناقب رشيدة فآتاه الله حسن القبول، ورفعة الذكر، وانكباب المسلمين عليه في اقطار المعمورة، إفتاء ودعوة وتوجيها وإرشادا وتسديدا, بل انه ليعد في مكانة علمية رفيعة فهو مفتي المسلمين، فهو لضعيفهم أب رحيم، ولمظلومهم كهف منيع ولداعيهم موجه سديد، ولطالبهم معلم رشيد، ولفقيرهم محسن كريم.
وأما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه المكانة العلمية ووصوله اليها بعد توفيق الله، فهي انه قد بدأ بنفسه في مسألة الامر والنهي، فلا يأمر بشيء مما أمر الله به ورسوله حتى يكون اول فاعل له، ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون اول تارك له، كل ذلك ليأخذ الناس عنه بالقدوة والتأسي اكثر مما يأخذون عنه بواسطة الاقوال المجردة والنصوص اللفظية، فقد أدرك - رحمه الله - تمام الادراك ان تلاوة الاقوال والنصوص لا تعدو ان تكون تبليغا، والتبليغ لا يستلزم الاتباع، ولا يثمر الاهتداء للقاسي، وتنبيها للخامل وتعليما للجاهل، وتحريكا للجامد ودلالة للضال، قدوته في ذلك المرشد الاول محمد صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه، يعلمهم بأعماله، اكثر ما يعلمهم بأقواله,, لعلمه وهو - سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم - بما للتربية العملية من الاثر في النفوس، ومن الحفز الى العمل بباعث فطري في الاقتداء، مصداق ذلك ما حدث في واقعة الحديبية حين امر اصحابه بالقول فترددوا مع انهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينطق عن الهوى، ثم عمل فتتابعوا في العمل اقتداء به.
ومما اوصل سماحته الى هذه المكانة العلمية، والمنزلة الرفيعة، انه يرى نفسه مستحفظا على كتاب الله، ومؤتمنا على سنة رسوله في العمل بها وتبليغها كما هي، وحارسا لهما ان يحرفهما الغالون، او يزيغ بهما عن حقيقتهما المبطلون، او يعبث بهما المبتدعة الضالون، فهو حذر ان يؤتى الاسلام من قبله، تجده لذلك - رحمه الله - يقظ الضمير، متأجج الشعور، كثير العمل، قليل الكلام عن نفسه وجهده وجهاده، مطلع على احوال الناس، وما يذرون من قول وعمل، سريع الاستجابة للحق، اذا دعا داعيه، والى نجدته، اذا ريع سربه، او طرق بالشر حماه.
ومما اوصله الى مكانته العلمية انه قد اخذ على نفسه بالفزع والجد لحرب الباطل اول ما تنجم ناجمته وتظهر.
ومن أبرز ما تميز به منهجه العلمي مما ندعو به إخواننا الى الاستفادة منه ما ملخصه:
1- أنه أرسى منهج الاخذ بالدليل الشرعي خلافا لقول المذهب - إذا لم يدل عليه دليل.
2- بعد النظر والعالمية في الهموم والتعامل مع كل المسلمين.
3- الجمع بين العلم والدعوة فإذا افتى قرن فتواه بنصيحة.
4- استثمار ذاكرته فيما ينفع وفي التعرف على هموم المسلمين والمشاركة في التخفيف عنهم ومتابعة اخبارهم.
5- بعد نظره في معرفة مرامي السائلين والمستفتين فيجيبهم بحيطة وحذر بما لا يعطي فرصة للنقل الخاطىء او الادعاء الكاذب.
6- الرفق بحال المخالفين وحتى الخصوم والمعاندين.
7- النشاط الدائم والعمل الدؤوب فهو لا يعرف الراحة ابدا فقد بذل وقته في محاضرات وندوات ودروس ورد على الهاتف وإجابة للسائلين واستضافة للقادم ومسامرة للأهل وعبادة وقيام ليل.
الشيخ والفتوى:
إن الفتوى في حقيقة أمرها هي التبليغ عن الله سبحانه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أحكام الشريعة وإيضاحها وإبرازها للأمة، ولذا فإن الفتوى منصب جليل القدر، عظيم المكانة، كبير الاهمية, فحقيق بمن اقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه, كيف لا وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن) وكفى بما تولاه الله بنفسه شرفا وجلالة اذ يقول سبحانه في كتابه: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة).
والشيخ - رحمه الله - مثال يحتذى، في الفتوى وغيرها من امور الدين, فتجده في فتاويه معتمدا على الادلة من الكتاب والسنة، وأقوال الائمة من السلف الصالحين - رحمهم الله.
ولهذا من تأمل فتاوى الشيخ - رحمه الله - يجد انها فتاوى واضحة الدلالة بينة المقصود ليس فيها شذوذ، او خروج عن سبيل المؤمنين، وترى فيها دقة النقل، والايجاز في الألفاظ، والوضوح في العبارة والقوة في الاسلوب ، اذ اسلوبه في الإملاء ينحصر على السهل الممتنع، وهو من ابلغ اساليب الكتابة جمالا ووضوحا.
والشيخ رحمه الله يكره التسرع في الفتيا، كما هو دأب السلف وديدنهم كما قال ابن ابي ليلى - رحمه الله - (ادركت عشرين ومائة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه قال في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود ان اخاه كفاه الحديث، ولا مفت الا ود ان اخاه كفاه الفتيا).
والشيخ - رحمه الله - لا يتورع عن قول لا ادري، والله أعلم، بل هي سلاحه في كثير من الاحايين، وهذا نهج علمي دقيق سار عليه سماحته، بل عد له في مجلس أكثر من عشر مرات وهو يقول الله اعلم.
(ومن قال لا ادري فقد افتى، ولا ادري نصف العلم، أوكلنا العلم الى عالمه، الله اعلم) هذه جمل مترابطة يذكر الشيخ - رحمه الله - اخوانه وتلاميذه ومحبيه ويوصيهم بالتريث والتثبت وعدم الاستعجال, وقد ذكر عنه انه يرى الاخذ بأصول مذهب الامام احمد بن حنبل - رحمه الله - ولكنه دائما ما يخرج عن المذهب الحنبلي، اذا خالف الدليل، فهو ينشد الأثر ويتمسك به كتابا وسنة واجماعا, ومن لاحظ الشيخ - رحمه الله - في فتاويه رأى ذلك جليا واضحا، ومما يميز الشيخ في فتاويه أنه غير متكلف في كلامه وحديثه وفتاويه، فهو يكره التنطع والتعمق، وهذا هو المنهج الذي سار عليه العلماء السابقون من سلف هذه الامة وأئمتها، فهم يرسلون الكلام ارسالا على سجيته، وهكذا سماحته - رحمه الله - فلذلك جعل الله له ولكلامه ولفتاويه قبولا في قلوب الناس.
لقد عاش الشيخ حياة علمية دعوية متوازنة يتوافق فيها الفكر مع العمل، ويقترن فيها العلم بالسلوك، حياة تجلى في توازنها الفكر الثاقب، والعطاء النير، والاسهام العميق، والمدد الغزير في ميادين الحياة كافة, امتداد في العلم والدعوة والتربية والتوجيه، شمل اصقاعا عريضة من العالم الفسيح من خلال اثره الفكري المقروء والمسموع ومشاركاته الميدانية في المؤتمرات والمجامع والحلقات والمنابر والمجالس واللجان، رئاسة وأستاذية وعضوية, انه رجل شاء الله ان يقع على كاهله اعباء جسام في الدعوة والإرشاد والبحث العلمي والإفتاء، وخدمة قضايا المسلمين كافة، فقام بها خير قيام فأنزل الله له القبول في الدنيا ونسأل الله له الفردوس الاعلى انه سميع مجيب.
إنني وأنا اسطر لكم هذه الجوانب المشرقة من سيرة شيخنا - غفر الله له - أدعو اخواني وأبناء أمتي الى الاستفادة من هذه التجربة المعاصرة التي شاهدناها بأنفسنا وعايشنا جوانب كثيرة منها فهي واقع ملموس وأثر مشاهد لحياة رجل وظف عقله ومكتسباته في خدمة الاسلام فبلغت آثاره اصقاع الدنيا.
فحري بنا مع حزننا على فراقه ودعائنا له ان نقتفي اثره.
وإن غداً لناظره قريب.
رحمك الله يا شيخنا ورفع درجتك في عليين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين وعلى آله وصحبه اجمعين.
محمد بن سليمان الصبيحي
مدير إدارة التخطيط والمتابعة عمادة شئون الطلاب
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
* المراجع:
1- الإنجاز في ترجمة الإمام عبدالعزيز بن باز
تأليف: عبدالرحمن بن يوسف الرحمة 1419ه.