مضى على تنفيذ التعداد الزراعي الأخير في المملكة العربية السعودية منذ عام 1401/1402 ه ما يناهز العقدين من الزمن،شهدت خلالها عملية التنمية الزراعية تطورا كبيرا ومتسارعا في فعاليات هذا القطاع ونشاطاته المختلفة وبما يحتوية من إمكانيات عديدة تزخر بها جميع المناطق الجغرافية على امتداد هذه الأرض المباركة، وقد تحقق ذلك نتيجة طبيعية للدعم الكبير المتواصل الذي قدمته الدولة متمثلةفي جهود و زارةالزراعة والمياه وغيرها من الأجهزة الحكومية ،تلك الجهود التي كان لابد من ممارستها في ظل السياسة الزراعية التي تم رسمها والتي كانت تنسجم مع خطط التنمية وتطلعات الدولة وطموحها في النهوض بالبناء الاقتصادي المتكامل في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والإنتاجية منها والخدمية على حد سواء.
وكان من اهم أدوات التنمية الزراعية ووسائلها التوسع في توزيع الأراضي الزراعية ومنح القروض ودعم مستلزمات الإنتاج الزراعي،وبناء العديد من مشاريع البنية التحتية من المرافق والطرق والسدود لحفظ مياه الأمطار وزيادة المخزون الجوفي من المياه ومشاريع الصرف الصحي ومعالجة المياه وحفر الآبار ومد شبكات المياه والكهرباء للقرى،وكذلك التشجيع على إقامة المشاريع الاستثمارية الزراعية الكبيرة في مجالات إنتاج القمح والحبوب والأعلاف والثروة الحيوانية وإنتاج الألبان ومشتقاتها فضلا عن التوسع في منح تراخيص إقامة الكثير من المشاريع الزراعية الصناعية المتكاملة التي تعتمد على منتجات زراعية محلية ومشاريع الزراعات المحمية،ومشاريع الدواجن الحديثة تلك المشاريع المتخصصة التي نشهد منتجاتها في جميع الأسواق مما يبشر بخير عميم قائم فعلا،وقد انعكست آثار هذه السياسة في تنويع مجالات الإنتاج وتحقيق زيادة كبيرة ملموسة في الأمن الغذائي للعديد من المنتجات الغذائية الرئيسية وتصدير الفوائض من بعض المنتجات الأخرى إضافة إلى آثارها الإيجابية الأخرى في تنويع مصادر الدخل للمواطن وتخفيض عبء الاستيراد من الخارج للكثير من المنتجات الأخرى وبخاصة في مجال الخضار والفاكهة,,.
من جهة أخرى كنتيجة حتمية للتنمية الزراعية المتسارعة رافق عملية التنمية العديد من المظاهر التي بدت آثارها تتضح يوما بعد يوم مما أصبح من الضرورة معه التوقف عندها ودراسة آثارها في جوانب خطط التنمية للوصول إلى تنمية زراعية متوازنة في ضوء طبيعة مرحلة التنمية الزراعية التي تم التوصل إليها فعلا،تأخذ بعين الاعتبار الترشيد في توظيف واستخدامات العديد من مستلزمات التنمية الزراعية على ضوء الموارد الاقتصادبة والطبيعية المتاحة،ولتحقيق الاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة في تنمية موارد المياه والتربة،ونظم الري الحديث والمحافظة على البيئة المحلية واستخدام المقننات التي توصي بها مراكز الأبحاث الزراعية في مجال الأسمدة والمبيدات والتكثيف الزراعي والبذور والتقاوي المحسنة وتقليل الفاقد من المحاصيل اثناء الحصاد والتسويق إضافة إلى تجويد الإدارة الإقتصادية لتكاليف الإنتاج الزراعي وربط عملية الإنتاج بقنوات التسويق واستقرار الأسعار وعدالتها وحصول المنتجين في الحيازات الزراعية التقليدية على الأسعار المجزية للاستمرار في عملية الإنتاج المثمر القابل للتسويق فعلا وكذلك الاهتمام بمرافق التبريد والحفظ والتعبئة وتدريج الإنتاج وهوامش التجارة والنقل وهى جميعا تحتاج إلى دراسات تعتمد على بيانات إحصائية دقيقة لتساهم برفع كفاءة الأداء الاقتصادي للإنتاج الزراعي.
وبالرغم من الجهود المبذولة في رصد منجزات التنمية الزراعية إحصائيا بشكل دوري ونشرها في نشرات متخصصة تصدر عن وزارة الزراعة والمياه سنويا إلا أن مواكبة عملية التنمية والتعرف على حقيقة التطورات التي حصلت في هيكلة القطاع الزراعي وعلاقات الإنتاج والتسويق واستخدام الموارد الطبيعية والبشرية وكذلك المحافظة على وتائر التنمية المستدامة في إطار التنمية الزراعية المتوازنة المطلوبة ووفق اهداف محدده يتطلب بالدرجة الأولى إيجاد نظام إحصائي زراعي متكامل بوصف الرقم الإحصائي الدقيق والمعبر يعد هو العمود الفقري لأي تنمية علمية صحيحة وبصورة عملية فإن الوصول إلى النظام الإحصائي الزراعي المتكامل يمكن أن يتم من خلال مايلي:
1- تنفيذ التعداد الزراعي الشامل لعام 1999م والذي يمكن من خلاله تحديث البيانات للتعداد السابق والتعرف على واقع التنمية وتتبع مساراتها ومقارنتها بصورة إحصائية رقمية في لحظة الإسناد الزمني لبيانات التعداد ومؤشراته من حيث الخصائص الاجتماعية والديموغرافية للحائزين والموارد البشرية للعاملين ولمكونات استخدام الموارد الاقتصادية للأراضي الزراعية ومصادر الري وأنظمته (حديث-تقليدي)ومدى التخصص في الإنتاج والتركيب المحصولي للإنتاج في كل منطقة جغرافية من المحاصيل الدائمة (النخيل والحمضيات والفاكهة)ومن المحاصيل المؤقته(حبوب، خضار، اعلاف) واستخدام وسائل التقنية الحديثة والميكنة الزراعية ،والتربية المستقرة للثروه الحيوانية ضمن إطار الدورة الزراعية للحيازات الزراعية،وتقدير مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي والقيمة المضافة وغيرها من البيانات الأساسية والهيكلية التي يوفرها التعداد الزراعي الشامل والتي تشكل إطارا إحصائيا يمكن الاعتماد عليه في تطوير وتحسين نظم المعلومات والبيانات الإحصائية خلال السنوات بين التعدادات الشاملة والتي تجرى خلال فترات متباعدة تصل الى عشر سنوات .
2-تنفيذ مجموعة من الدراسات والمسوح الإحصائية الميدانية والمتخصصة سنويا بأسلوب المعاينة الإحصائية بالاعتماد على الأطر الإحصائية التي وفرها التعداد الزراعي الشامل.
3-تحليل البيانات ونتائج التعداد والمسوح الإحصائية باستخدام مؤشرات التحليل الإحصائي الرياضية وربطها بمؤشرات من القطاعات الإنتاجية والاجتماعية في مجال السكان والعمل والنشاط الاقتصادي والهجرة الداخلية والموازنة الغذائية,, إلخ.
4-مسايرة التقدم الحاصل في تقنيات نظم المعلومات واستخدام البرامج المتطورة على الحاسب الآلي ونشر وتبادل البيانات وتداولها على المستوى الوطني ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الأخرى والمنظمات الزراعية العربية والدولية وبما ينسجم مع برامج التعداد الزراعي الشامل لعام 2000م وتوصيات منظمة الأغذية والزراعة الدولية من مجال تنفيذ التعداد وفق أسس موحدة من التعاريف والمصطلحات الفنية.
وفي ضوء الجهود المبذولة للتنمية الزراعية المنشودة وفق أسس علمية صحيحة تعتمد على الرقم الإحصائي المعبر الدقيق وكذلك المحافظة على مسار عملية التنمية المتوازنة في جميع العوامل المساهمة في هذه التنمية فإن التعداد الزراعي الشامل يعد ضرورة اقتصادية واجتماعية حاسمة في هذه المرحلة من مراحل التنمية المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في شتى مجالات الحياة.
صفوح صلاح الدين حتاحت
خبير المنظمة العربية للتنمية الزراعية بإدارة الدراسات الاقتصادية والإحصاء