Friday 28th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 13 صفر


حافَظوا عليها في عصر الأمية وأضاعُوها في عصر العلم
الدكتور: عبدالرحمن بن سليمان الدايل

دخل على الخليل بن أحمد بعض إخوانه وهو على نمرقة صغيرة فرحب به، وأجلسه معه عليها فقال: لاتتسع لنا، فقال الخليل: ماتضايق سم الخياط لمحبين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين, قال الشاعر في ذلك
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة
سمّ الخياط مجال للحبيبين
ولا تُسامح بغيضا في معاشرة
فقلّما تسع الدنيا بغيضين
وقال بعض الأدباء: كنت بمجلس بعض الأمراء فى بغداد وبين يديه طبق به لوز، فدخل عليه احدالظرفاء فقال: أيها الأمير ماهذا؟ فرمى عليه بواحدة فقال: ثاني اثنين فرمى إليه بثانية فقال: فعززنا بثالث، فأعطاه ثالثة فقال: فخذ اربعة من الطير، فألقى اليه رابعة فقال: خمسة سادسهم كلبهم، فرفع إليه خامسة فقال: في ستة أيام، فجعلها ستاً فقال: سبع سماوات طباقاً، فصيرها سبعاً فقال: ثمانية أزواج، فرمى إليه الثامنة فقال: وكان في المدينة تسع رهط، فرمى اليه بالتاسعة فقال: تلك عشرة كاملة، فأكملها بعاشرة فقال: أحد عشر كوكبا، فأعطاه الحادية عشرة فقال: إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا، فأكمل له أثنتي عشرة فقال: إن يكن منكم عشرون صابرون فدفع اليه العشرين فقال: يغلبوا مئتين، فأمر برفع الطبق اليه وقال: كل، قاتلك الله ولا أشبع بطنك فقال الرجل: والله لو لم تفعل ذلك لقرأت لك: وأرسلناه الى مئة ألف أو يزيدون.
تلك كانت حوارات العرب حوارات بالقرآن والأمثال والحكم والشعر سواء أكانت في مجالس العلم أم اماكن العمل وكانت كذلك حتى في مجالس المؤانسة ورغم انها للمؤانسة إلا انها كانت فيها من الفائدة والمتعة الشيء الكثير،وذلك لأن العرب كانوا يقدرون الكلمة ومعناها ومغزاها فهي لديهم نفسية وروحية ولذا كانت اللغة ذات مكانة سامية عالية، أما اليوم فهي دون ذلك بكثير حتى في مجالس العلم فما بالك في مجالس المؤانسة فاليوم هي لغة الأرقام والشتائم والسباب، وشتان بين الاثنتين,,, فيوم أن كان الناس أميين لايقرؤون ولايكتبون كانت لغتهم رفيعة وكلماتهم مضيئة ومعانيهم فيها فيض من الروحانية، اما اليوم وبعد ان انتشر التعليم وأصبح الناس غالبا مايقرؤون ويكتبون تواضعت لغتهم وانحطت منزلة كلامهم وهوى أدبهم وغاضت فيها الروحانية، وبهتت فيها المعاني النفسية وشاعت فيها لغة الأرقام وعبارات المكسب والخسارة، وإذا تخاصم اثنان كان السباب والشتائم ثالثهما.
هكذا تحولت اللغة والكلام بين الناس فبعد أن كانت صلة بينهم ونسبا ورحمة أصبحت قطيعة وفرقة ونأياً,,, كل هذا يدعو للعجب وذلك العجب أن نرى البشر في عصر الأمية وقد حافظوا على اللغة ولكنهم أضاعوها فى عصر العلم وهذا التعجب يفضي بنا الى السؤال الكبير كيف؟ وهذا السؤال الكبير يضم تحت جناحيه عشرات الأسئلة بداخله كيف كان الانسان أحفظ للقرآن وأذكر للأمثال والحكم، وأكثر استساغة للشعر والأدب عنه الآن بينما هذا الآن مليء بالشهادات والرسائل الجامعية والمدارس والجامعات!!
وهذه المكانة للغة عند العرب دفعتهم للتدوين لها والتأليف فيها فى عصر مبكر جدا قياسا الى غيرهم من شعوب العالم القديم، وقد تبين من خلال هذا التدوين والتأليف ان العرب من أكثر شعوب العالم حبا للغتهم وذكرا لها ومحافظة عليها ويتضح ذلك من التراث الضخم الذى تركه العرب فى مختلف المجالات,,, نذكر منها جانب التأليف اللغوي الخاص بالمعجمات اللغوية التي هي اساس اللغة وهيكلها وأرضيتها الصلبة وجبالها الراسية وأوديتها المنبسطة وبحارها الممتدة,
فقد ظهر معجم العين للخليل بن احمد الفراهيدي المتوفى سنة(170ه - 786م)، ثم تلاه معجم جمهرة اللغة لابن دريد المتوفى سنة (321ه - 930م) ثم ظهر معجم تهذيب اللغة للأزهري المتوفى سنة (370ه - 981م)، ثم معجم الأفعال لابن القطاع المتوفى سنة (515ه-1121)،ثم ظهر معجم لسان العرب لابن منظور المتوفى سنة(711ه-1311م)، ثم تلاه في الظهور القاموس المحيط للفيروز ابادى المتوفى سنة(817ه-1415),,,, بينما ظهر أول معجم للغة الفرنسية عام(1523م)، ثم ظهر أول معجم إنجليزي عام (1604م)، ويلاحظ فى المعجم الذى أعد للإنجليزية انه لايستوعب ألفاظ اللغة الإنجليزية وانما يكتفي باختيار الكلمات الصعبة فقط وهي تلك الكلمات غير المتداولة في اللغة اليومية,, وطبعاً شتان بين الموقفين، أليس هذا يدعونا للتوقف لمحاولة الإجابة على السؤال السابق ذكره، ويدعونا كذلك للاهتمام بلغتنا لعلها تكون المفتاح الأصلي للتعرف على الشخصية العربية الحقيقية.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
المتابعة
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved