ولم يكن سعيدا في مزاج حياته الخاصة المتناقض مع هذا التقارب، حتى عندما كان شابا صغيرا، أعطى تشيخوف لكل دلالة في الوجود، ملاحظة حاذقة للحظات الحياة الجدية، وللكائن الايجابي حيال مآسيه, وهذا النوع واضح ايضا في بعض قصصه المبكرة التي يبين فيها حيوات اقرانه الرجال الموحشة، المبددة في عتمة الدناءة التافهة, وقصارى القول، أن من الممكن ملاحظة التقارب في كتابته من البداية, ومثل غوغول وموباسان، كان الهجاء والسخرية دفاعه ضد كآبة الحياة والزمن المائع، الفظ والممل الذي عاشه!.
ان عددا قليلا من هذه القصص المبكرة التي كتبها تشيخوف وهو في سن ما بين العشرين والخامسة والعشرين، ظهر في مجموعات قياسية في اللغة الانجليزية.
ان هذه القصص المصغرة كما كان يدعوها تشيخوف، مهمة لفهم المدرسة الصعبة التي أنمى فيها أساليبه المعروفة في القصة.
كانت القصة القصيرة في الأدب الروسي قبله،ذات شكل اتفاقي فقط, وتورغنيف وحده مارسها بإيجاز كان فريدا من نوعه, ومع ان الالحاح لتحديد ما يقوله داخل الحدود الصارمة للقصة المصغرة كان احيانا يزعج تشيخوف، فقد ادرك بسرعة، الخاصية الفنية لهذا الشكل الذي أصبح فيه اخيرا، واحدا من أعظم اساطين العالم.
لقد جعله نوعه الخاص، واستنبطه ليشد كلية الحياة ضمن مداها الصغير, ولكي يكتب بموهبة، قرر نهائيا ان يكتب بإيجاز، وان يتحدث عن الأمور الكبيرة باختصار.
بوسع المرء ان يلاحظ الانتقال الفني من الفكاهة الظاهرة من الوضع القصصي في قصة لقد فهم ، ثم الى الفكاهة الاتهامية في قصة نينوشكا حيث الزوج مخدوع بصديقه القلق, وهنا ليست الفكاهة مبهجة أو هزلية مثلها في قصة السجان السجين , فالأولى ساخرة أو ناقدة مثلها في الاعتراف أو هي القهقهة الكسولة في الحالة المسلية لسكرتير جريدة الأوز المتأنق الذي كان لديه ظنون مبالغة في قوة الصحافة قصة حساء الحليب .
وفي قليل من هذه القصص المبكرة ترجع الصدى ملاحظة حول الاحتجاج الاجتماعي، ملاحظة في قصصه الأخيرة انعكست عاليا وواضحة في سنفونية حزن موضوعها - كما أشار غوركي- كان بلده العابث القاسي , ان الاقتراح القائل بأن كل فضيلة لها ثمنها، كان يصدم حتى البحار الذي كان يزدري الروح الاخلاقية في البحر , وفي قصة رقصة البيان يتعلم الموسيقي الشاب الحقيقة الخالصة بأن الرتبة والطبقة هما الحكمان القاسيان للكيان الاجتماعي في روسيا.
ان صورة الكاتب في في الربيع صورة ذاتية، مع ان افكاره حول الفن تحمل مشابهة تشيخوف الفتي لهؤلاء,, وعلى كل حال، فمعالجة الطبيعة في هذه القصة تظهر ازاء المناظر الشعرية للطبيعة في القصص الأخيرة التي ليست الطبيعة فيها مستقلة عن الانسان أبدا، وهي مثبتة بصورة لطيفة في سيكولوجيته.
ان نهاية عام 1880 تسجل التحول من العهد الباكر لنمو تشيخوف الفني الى العهد الأخير.
ومن ثم نمت شهرته بشكل ملحوظ, والصحف الأدبية السوفسطائية كانت تتزايد بمساهمته، والمعجبون، نظرا لروح العصر، شرعوا يتوقعون منه ان يمصح عن نظرات سياسية واخلاقية واجتماعية في فنه القصصي, ومع ان مركز عظماء الكتاب الروس، امثال دوستويفسكي وتورغنيف وطولوستوي، كان في افضل معنى للكلمة، كمركز المعلم الذي يؤثر في اذهان الناس، فتركيب تشيخوف الفني لم يكن في أي حال، يؤدي وظيفته في هذا السبيل, وليتعرض الى نظرات شخصية في الأدب، عاكس معتقداته الراسخة التي بوسع الفن ان يبقيها طاهرة القصد, كان متأثرا بصورة حادة تجاه التفاهة، البرود الأخلاقي، واعتدال المجتمع الذي فيه كان يعيش، وبعد، فإن رده الفني الطبيعي، كان في الكتابة عن هذه النكسات بإشفاق عميق، لكن دون أي غضب أو اشمئزاز صليبيين.
وفي قصصه كان يشخص الحياة كما يشخص الطبيب الداء, لكنه كان يرفض ان يقدم وصفات طبية لأمراض البشرية الاخلاقية والاجتماعية.
ومع ذلك، لما كان تشيخوف يتجه نحو تأليف قصصه الطويلة، بات مهتما بعمق، في مشكلة علاقة الفن بالحياة, وكان يعتقد ان كل ما كان بوسع الفنان ان يفعله، هو ان يصور الحياة كما هي.
وفي اختصار، على القارىء ان يقوم بتقديره الخاص للقول المأثور:
ان مهمة المؤلف ان يلقي بعض الضوء على ابطاله، وان يتكلم لغتهم .
هذه الميزات من الممكن العثور عليها في قصة اغافيا حيث يصور الفلاح الأنيق، المعافى، الميسور، الذي يتقبل غزواته اليسيره المنال على فتيات القرية كنوع من الحق الطبيعي, هنا تشيخوف هو جد موضوعي كصيدلي في استيعابه، بحيث تمثل اكوام السماد دورا محترما في صورة ذات مناظر طبيعية، وان العواطف الشريرة هي جد فطرية في الحياة كالعواطف الخيرة.
في القصص الطويلة الثلاث: ثلاث سنوات والقبلة والمنزل ذو العلِّية يتمعن تشيخوف في نماذج الحياة الساخرة بتباينها الشامل بين آمال الناس وحقيقة الأشياء.
ومن تعقدات الحياة استخلص الاحساس الوحيد للمزاج الذي يبدو مركبا من حزن دائم ولكنه سار، واحساس عميق بين شخصيات، كأن شيئا حيوي الأهمية قد ضاع ولن يعثر عليه ثانية.
انها فحوى خلاقة سيتحقق منها مع قصصه الرائعة الأسلوب التشيخوفي .
والاسلوب منصهر بصورة شاعرية في مادة القصة كلها، وهو احيانا يرجع الصدى في ارضيته الطبيعية المشادة بحذر, هذا بصورة خاصة، حقيقي في المنزل ذو العلية حيث الطبيعة مجهزة بنوع من التداخل ازاء موضوع حب زينيا الساحرة، الزائل الذي يشاد ببطء في فكر الفنان الحزين.
ان وصف الطبيعة موجز لكنه دائما يحوز على ميزة الافشاء والالهام ازاء اسلوب الشاعر كله.
ان مزاج تشيخوف المبكر في الفكاهة، الذي يعتمد احيانا على حالات التندر، هو الآن مبدل تماما, لقد تعلم ان الفكاهة والمأساة كالمحبة والكراهية، هما احيانا ليسا سوى الجانبين المنفصلين لنفس القطعة النقدية, وان مصائب الحياة يمكن ان تشتد بالفكاهة أو تلين بنمطها وابتسامتها اللطيفة.
قصة ثلاث سنوات كانت آخر محاولة لتشيخوف للدنو من شكل الرواية الطويلة, لقد قام بعدة محاولات كهذه لكنه اقلع عنها, ان فنه الخلاق، الذي كان درامائيا في فحواه، كان يبدو عاجزا عن الاحاطة بشكل السرد الملحمي الطويل للرواية.
ان عدم تدخل تشيخوف في حياة شخصياته، ومقته للتعاطف في الفن، لم يعوقا أحدا عن ادراك اتساع وطاقة احتمال حكمه، ورقته لأولئك الذين يتعذبون، ورحمته في وجه الضعف الانساني المتسامح، مع ان ليوطولوستوي، بغرابة، الذي حسب قصة الحبيبة احدى اجمل قصص تشيخوف، كان مقتنعا بأن اثرها الأكثر روعة، كان بغير تعمد.
وأكد تشيخوف أنه في الواقع كان يسخر من بطلته الشفوقة، التي حكم عليها بعقله وليس بقلبه, ولا شيء بوسعه ان يكون أبعد من الحقيقة, فالحبيبة مثال كامل على فنية تشيخوف الرزينة، والوجدانية التي تشتمل على أقوى اعتقاداته, ان غرض حب امرأة ما، هو بالمقارنة، قليل الأهمية، لأنه ناموس كينونتها لتحب شيئا ما أو شخصا ما .
ويحدثنا بإصرار لذيذ خلال القصة، ان اولينكا كانت دائما مشغوفة بشخص ما، ولم يكن بوسعها ان تحيا بلا حب, وبإمكان المرء ان يبتسم عند التحول السريع لأشواقها، كقضاء يزيل غايات حبها, لكن المرء لن يرتاب قط في التنازل الذاتي المطلق والولاء لطبيعتها الدافئة,وكطولوستوي،كان الصدق بطل تشيخوف, ومع ادراكه العميق لطبيعته، قال غوركي ان في وجود تشيخوف كان كل شخص يشعر برغبة في ان يغدو أكثر بساطة وأكثر صدقا عن ذات نفسه, واذا كان غرضه الأساسي في قصصه ومسرحياته ان يصف الحياة كما هي، فإن ذلك كان بسبب هو أنه كان يؤمن برسوخ - كما كتب في يومياته- ان الانسان سيصبح افضل عندما تجعله يرى ما يحب .
* ارنست ج سيمونز
* يعد صاحب المقدمة من أكبر دارسي تشيخوف وفنه, وقد صدر له مؤخرا كتاب: ترجمة حياة تشيخوف وهو مؤلف ضخم يقع في حوالي السبعمائة صفحة من القطع الكبير، تناول فيه حياة صاحب الترجمة بكل تفاصيلها، والجدير بالذكر ان الكاتب ظل ملازما مكتبات موسكو ومجامعها الأدبية سنوات عدة حتى تسنى له انجاز هذه الدراسة القيمة، التي اعتمدنا بعض فصول منها في هذه المقدمة.