استولت على تفكيري حال الشيخ الوالد عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله الصحية- منذ علمت بترديها- ثم دخوله المستشفى وخروجه,, ولكني رغم هذا قد فجعت بوفاته أيما فجيعة كأي مسلم زيادة على ما يربطني بسماحته من محبة صادقة بدأت بينه وبين والدي رحمه الله ايام طلب والدي للعلم بالقرب من الشيخ الجليل واستمرت صلة طيبة مستمرة,, وقد أحدثت هذه الفاجعة ووفاته المفاجئة لدي ما يشبه الذهول,, مما جعلنى أتأخر في الكتابة الواجبة علي نحوه وكنت أعلل النفس وكأني سوف أمر للسلام عليه في أي وقت - بل اننى تماسكت في حزني على سماحته حتى ذهبت الى مسكنه في الرياض ضمن جموع حاشدة للعزاء فوجدت ابناءه الكرام يقفون لتقبل العزاء فلم أتمالك نفسي عند رؤيتى لأبنائه ومجلسه المعتاد الذى كثيرا ما ألفيته فيه هاشا باشا بمن حوله لقد كانت لي ولغيرى مواقف كثيره مع سماحته منذ عرفت الحياة العامة وعرفت من والدي عن حياة الشيخ في الخرج وتحديدا في الدلم في الستينيات الهجرية ما يجب أن يفخربه بحق كل مسلم وعربي فقد لم شتات طلبة العلم هناك واحتسب ذلك من أعمال الخير وتجمع عنده عدد من طلبة العلم من كل أنحاء المملكة وهيأ لهم السكن وما يلزم من امور الحياة ,, بل ان سماحته خصص لكل فرد منهم كمية من التمر يأخذها من بعض المزارعين الذين يقدمونها عن طيب قلب الى هؤلاء الذين نذروا انفسهم لطلب العلم,, وعندما أقام الملك عبدالعزيز رحمه الله قصره في الخرج اخذ شيخنا ابن باز يحضر مجلس الملك وطلب منه مساعدة مالية لطلبة العلم فأعطاه الملك ما يريد على ضعف الامكانات في ذلك الوقت - بل ان سماحته اخذ يجمع من كل موسر ما يستطيع وينفق على طلبته ولا تجده في مناسبة زواج او غير ذلك الا طلبته معه ويبدأ مجلسه بالقراءة والذكر
هكذا بدأ سماحته حياته بهذا الاسلوب المتجرد الصادق مع ربه ومع الناس - واستمر يزرع الخير ومحبة الناس له تنمو الى أن رأينا كيف اضحت محبته عند من يعرفه ومن لايعرفه في داخل بلادنا وفي خارجها من الرجال والنساء .
وكما ذكرت كانت معرفتى بسماحته مبكرة وكان رحمه الله يميز بين اصوات الناس واذا ألقيت السلام عليه في أي مكان يرد قائلا محمد بن أحمد - تفضل هنا ويشير لي بالجلوس بالقرب منه- هكذا تعامله مع الكثيرين ممن حوله,, وعند بداية عملي في مجلة اليمامة طلبنى بواسطة معالي الشيخ عبدالله بن عدوان رحمه الله ونصحنى نصيحة الوالد الغيور على دينه المدرك لدور الاعلام الخطير وقال أعانك الله ووفقك - احرص فأنت مسؤول وهناك خطر عليك عظيم من هذا السلاح الذي في يدك ,, كانت كلماته رحمه الله امامى طوال سنوات العمل التى قضيتها في رئاسة التحرير : وكان رحمه الله لايصدق أحدا قال ما يخالف المألوف عني واذا أغلظ الواشي - وكل عامل في الاعلام أو غيره معرض لمثل هذه المواقف - قال:ادعوه لي واذا حضرت واكتشف الحقيقة فرح فرحا ظاهرا وقال لي ظني فيك الخير وابتسم بحنان أبوي وودعني بنفس الكلمات الصادقة والدعاء الذي كنت في حاجة اليه,, وهكذا هو رحمه الله مع الجميع وليس معي فقط يتابع أعمال المسلم اينما كان ذلك الرجل وفي أي موقع هو فيه حتى ولو كان بائعا في إحدى الاسواق وبدر منه شئ يخالف الدين والعرف وهو يبدأ من يمثل امامه بالنصيحة واللطف ويتركه بعد ذلك يتدبر أمره بنفسه,.
ودارت بي الأيام والسنون ووجدتني أتحاور مع سماحته عندما عملت في مجال الثقافة والفنون كوظيفة رسمية ,, فقد سعيت اليه هذه المرة بنفسي وأخذني بيدي وأغلق باب مكتبه الا من خاصته: مفردا من وقته الثمين لي ما يكفي لاستطلاع أمري وكنت بوقته ضنينا وكان يمنحني بكل كرمه المعهود كل ما اريد من وقت وبدأ هو وقال: ان المسؤولية عليك اليوم أكبر وإنك لفى جهاد كبير وأنت محل الثقة ,, اريد أن تقول لي عن طبيعة عملك وشرحت لسماحته في وجل كل ما لدي وابتسم ثم قال : اذا كانت هذه حدود عملك فأنا اشارك معكم بمحاضرة في كل عام ضمن نشاطكم الثقافي وسألني بعض الاسئله وطرح بعض الاستفسارات التى تجول في خاطره بعد نقل تصورات خاطئة اليه عن طبيعة عملي وحقاً بدأ يلقي محاضرة في الرياض من خلال عملى واخرى بالطائف رغم اعتراضات البعض التى تصله وأخذ يطلبنى عند سماعه أي ملاحظة عابرة عن أي عمل ثقافى,, ثم اتيت سماحته مستفسرا عن امكانية اقامة مهرجان في الطائف بمسمى مهرجان عكاظ - فقال: لاأرى في ذلك بأسا إذا كان ما سيقدم في هذا المهرجان يخدم لغة الامة ويذب عن دينها وفي حدود الشريعة- والشعر كان ولايزال من أهم أسلحة الاسلام - أما الأسماء فلا تقف دون العمل ثم قال سماحته : ومع هذا دعنى أفكر واتشاور مع الاخوان لدي واجيبك ان شاء الله ثم قال: سبق أن قلت لك عند صدور مجلة التوباد- من عندكم- إنني أؤيد نشركم الكثير من القصائد العربية الاصيلة,, فالشعر العربي يعلم الشباب الأنفة والفصاحة والرجولة فاحرصوا عليه أنت وأبوعبدالرحمن بن عقيل- لأن الأمة الاسلامية تحتاج الى هذه الخصال في شبابها ,, وأنتم تدركون خطورة هذا العصر على شباب الاسلام,.
لقد كان رحمه الله أديبا بطبعه فقد كان يتمثل بالكثير من الشعر العربي قديمه وحديثه في احاديثه العامة والخاصة وكان يقرأ معظم المجلات الفكرية ,, لقد أسس نفسه على قواعد ثابته في تعاملاته اليوميه مع الناس من حوله وخصص وقتا للقراءة في التأريخ وفي الدول الاسلامية وتاريخها واهتم بالاعلام خاصة بكل وعي مسبق لهذه الاداة العصرية وهدفه أن يخدم به الاسلام والدعوة الى الله,, يفعل كل ذلك دون حساب لشخصه أو وضعه في المجتمع,.
ثم ان سماحته شخصية سياسية الى جانب انه شخصية دينية يخدم الفقراء في كل مكان وزمان وكان سماحته اثناء اقامته في الدلم بالخرج يزرع ويطعم الفقراء ويهتم بشؤون الناس في الاسواق والطرق والمياه والصحة دائماً,, بل انه شخصية اسلامية عالمية بكل المقاييس سواء من خلال فتاويه المثبتة في كتبه أو المشافهة فهو يتحدث عن المسلم في كل مكان ومصدره الكتاب والسنة وعلمه بالحديث ورجاله الذى لايضاهيه فيه أحد مما يجعل له قبولا لدى الجميع ,, يفعل ذلك دون سعي منه للشهرة وليس له مبتغى فيما يقول او يفعل - هذا الرجل قضيته سعادة كل مسلم على ظهر هذه المعمورة فهو لايتقيد بالجغرافيا ويراقب كل من يتجاوز الدين أو الأعراف الاسلامية أو العربية المتعارف عليها,, وكلنا يتذكر مواقفه مع العلماء والرؤساء العرب أمثال الرئيس جمال عبدالناصر عند اعدام سيد قطب وكذلك الرئيس معمر القذافي كيف حاوره بواسطة الرسائل وكيف كان يقول لو اتيح لي مناقشته شخصيا لناقشته حتى يعود الى الحق,, ثم نقاشه الفكري والراقي مع عدد من العلماء امثال الشيخ الغزالي ورده على الشيخ الصابوني واعتراضه على معبد السيخ في الخليج وغير ذلك من القضايا التى برزت شجاعته الأدبية من خلالها,, وهو يكاتب كل مسؤول في الداخل والخارج من أجل مصلحة كل مسلم,,
ان الرجل لايقدم على مناقشة أية قضية إلا بعد التأكد من جميع جوانبها وأن فيها فائدة الاسلام والمسلمين ,, وهذا الشيخ محمد العبودي الذي عمل مع سماحته سنوات طوالا يقول(ان الشيء الذي ربما لايعرفه بعض الناس ان سماحته كان يطلب الاطلاع على الموضوع الذى له خلفيات سياسية أو تحيط به ظروف معينة ولو كان ذلك الموضوع متعلقا بالشؤون الدينية- أخذا بالقاعدة الأصولية المعروفة في مراعاة المصالح وكون درء المفاسد مقدما على جلب المصالح),.
لقد أصبح هذا الشيخ الذي فقدناه علما من أعلام الاسلام ورمزا للزهد والحكمة ومحبة الناس ولم يمنعه انشغاله اليومي طوال حياته عن طلب العلم والتأليف فيما يفيد الأمة ويصلح شأنها في كل ميدان,, ولقد برع سماحته غفر الله له - في موضوع معالجة الطلاق وقد شهدت في مجلسه حالة لا أنساها - شاب فقد زوجته في حالة طيش ومعها منه ثلاثة أطفال فقربه منه وطلب من ذلك الشاب أن يصلح أمره ويعينه على نفسه بالتوبة والتحلي بأخلاق الاسلام ووعده بأن تعود له زوجته ام ابنائه - ثم مد الشيخ له يده وقال عاهدني على هذا ففرح الشاب وعاهده ودموعه تسبقه وهو يقبل الشيخ,.
وحسنافعل سمو الامير سلمان بن عبدالعزيز السباق الى كل خير عندما أطلق اسم الشيخ ابن باز على الشارع الذي سكنه في الرياض ونرجو أن يطلق اسمه على مكان سكنه في مكة والطائف ايضا,, وبعد لم أكتب كل مأأود عن شيخي الجليل وربما يكون لي عودة الى هذا الموضوع , والله الهادي والموفق,.
|