الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
مطلع
يُثني عليك لسان من لم تولهِ خيراً,, لأنك بالثناء جديرُ |
,, بعد أن ذهب هول المفاجأة,, وخفّ وقع النبأ,, وسلّم العبد بالقضاء، يستيقظ المرء,, ليردد:
سبحان الله ما كل هذا الحب لذلك الفقيد؟ وما كل تلك الدموع التي انهمرت؟ والآهات,, التي سُكبت,, والاحزان التي ازفردت على ذلكم الفقيد- أو ,, أل أمة,, في رجل -,,،
ومن تابع الاعلام المقروء ليلاحظ حجم ما ثلمته الأمة ,, من هذه الرزيّة كما قال عبد العزيز السالم(1) (وكما احتشدت الجموع الزاحفة من انحاء البلاد للمشاركة في الصلاة على الشيخ الجليل وتشييعه إلى مثواه الطيب, كذلك احتشدت الاقلام الصادقة لتملأ صفحات الصحف بالحديث عن مآثره الطيبة نثراً وشعراً)
هل لأنه اهل لذلك فقط - رحمه الله -
اسبل الدمع,, فهذا وقته فلمثل الشيخ ,, قد اعددته(2) فاذا لم يبكه القلب,, لمن ياتُرى هذا البكا أوقفته؟ |
او لانه النموذج الذي نخاف ألا نعوض مثله شمله الله برضوانه - أم لانه الحبيب المحبوب! أم لانه القدوة,, التي تتسنّم ذواتنا إليها؟
أم لانا,, وجدنا به ما نتمنى بنا
كبير أن تكون لنا المصابا لقد متعتنا حججا,, عِذابا(3) |
أم لانه - رحمه الله رحمة واسعة - قدم لنا صورة المسلم الحقيقي، بل ربما لكل ذلك علم الله - وبلا تأله: أن لو كان خاصة الامة - من علماء وولاة - مثل شخصه - تلميذ الاسلام النجيب - لخضع للاسلام العالم,, بلا عتاد.
فقد كان رحمه المولى انسانا يتمثل المنهج الدعوي تطبيقا وتوجيها,, ونصحا,, وحبا.
وكان يتمثل المسلم الحقيقي - في زمن عزَّ على الكثير الا ما شاء الله ان يكون كذلك - في صفاته واعماله وكان المرآة العاكسة - للسماحة والاخلاص والطيبة والعفو.
وكان الرمز الذي يشار اليه,, لمن يشحذ القدوة,, او يلتمس نور المعرفة,.
وكان -ك - الركن الذي يتمسح بنهج علمه وعمله.
وكان معينه للذي يهفو إليه,, كل من يسلك طريق الدعوة والعلم
روى عنك اهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم فلّما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجمِّ فلم نر شيخا قبل بازنا يصيد فلم يؤذي المصيد بدم |
بل ,, وكان,, وكان
انه سماحة الوالد,, العالم العلامة/ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - 1330/1420ه.
الذي تقلد في حياته الباكرة القضاء في منطقة الخرج والتدريس في المعهد العلمي بالرياض، وفي كلية الشريعة بالرياض، ثم عُيّن عام 1380ه نائبا لرئيس الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، وفي عام 1390ه تولى رئاسة الجامعة الاسلامية بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ رحمه الله, وفي 1395ه صدر الامر الملكي بتعيينه في منصب الرئيس العام لادارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والارشاد برتبة وزير ثم صدر الامر الكريم في 20/1/1414ه بتعيينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية(4).
وله - يرحمه الله - الى جانب ذلك كله العمل في هيئة كبار العلماء التي كان رئيسها.
(والشيخ حنبلي في اصول الفقه لا اعرف له اجتهادا يخالف الاصول عند الحنابلة، وهو حنبلي في الفقه بالجملة، ولكنه يجتهد في دائرة اصول احمد على طريقة أهل الحديث، ويطلب الدليل، ولهذا خالف الحنابلة في مسائل يسيرة كزكاة الحلي، وبعض صور الطلاق البدعي ويستأنس بترجيحات شيخ الاسلام ابن تيمية)(5).
ف ,,يا/
فقيد بني الاسلام في كل موطن يزينك بين الناس خلق مهذب(6) فزهدك عنوان وحلمك واسع لك الصبر عزم والسماحة مذهب خدمت صروح العلم مذ كنت يافعا وكهلا لأعلام الشريعة مكسب يعزُّ علينا ان تغيّب في الثرى ولكن حكم الله ما منه مهرب |
نعم: حكم الله القائل سبحانه (ما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله كتابا مؤجلاً)
لكن هي الدموع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم (ان القلب ليحزن,, وان العين لتدمع ولا نقول الا ما يرضي الرب إنا لله وإنا اليه راجعون :
ودّعت دنيانا بجسمك بعدما ودعتها بالقلب منك سنينا(7) وزهدت فيها وهي ذات تبرج جعلت مُحِبَّ دلالها مفتونا عزّيتُ فيك العلم والعلماء قد منحوك حبا في القلوب ثمينا عزيت فيك المسلمين جميعهم فقدوا بفقدك مرشدا ومعينا |
فسبحان من بيده الامر كله، واليه يرجع الامر كله، وسبحان من فضّل بعض عباده على بعض، فجعل لهم من القبول والمحبة في قلوب الناس ما لا يستطاع تحصيله بمال ولا بجاه: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً).
,, بل ولمَ لا؟ وحجّة,, من له حاجة يردد
وافضل الناس ما بين الورى رجل تُقضى على يده للناس حاجات واشكر فضائل صنع الله إذ جعلت اليك لا لك عند الناس حاجات |
اذ كان يعطي من علمه وماله وجاهه - ومن يملك اليوم مثل ذي الحسان,, الا ما ندر-
وإذا امرؤ أهدى اليك صنيعة من جاهه,, فكأنها من ماله |
كيف لا,, وذاته الكبيرة تُبدي عليه
واذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الاجسام |
واليه تعيد
ولكن,, بالصبر تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد |
(قرأنا في تاريخ الاسلام عن علماء منهم من صار مجتهداً في العلم فشغله ذلك عن العامة، ومنهم من زهد في الدنيا فلم يستطع قضاء حاجات الناس، ومنهم من اعتزل فلم يصبر على اذى الخليقة، ومنهم من افتى ولم يؤلف، ومنهم من كتب ولم يعلّم,.
لكن ابن باز شيء اخر، جمع فضائل هؤلاء جميعا،, فهو عالم مجتهد، رجل عامة، إمام زاهد ذو منصب وجاه أبٌ للأرامل والمساكين، أفتى وحاضر وعلّم وخطب وراسل وشفع وضيّف ودعا وجاهد)(8) فعلاً
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس اموات! |
لكن,.
اخو العلم حي خالد بعد موته واوصاله تحت التراب رميمُ وذو الجهل ميت وهو يمضي على الثرى يُعَدُّ من الاحياء وهو عديم |
كان - كما قال ابن عقيل-:
كان رحمه الله شجى في حلوق المبتدعين، ولم يتفرغ للتأليف - سوى كتيبات تمس اليها الحاجة، وانما بث علمه بالتدريس والوعظ وحلقات القراءة والفتوى والردود على المخالفين والرسائل,, وعند الناس من رسائله التي لم تصدر بأرقام رسمية مئات ,.
أمعلّم الاجيال علم شريعة كادت عصور الجهل تحجب صوتها(9) انجبت من فقهاء عصرك أمةً قد اثمرت بالعلم حيث غرستها وأريت - بالاخلاق - أية سيرة للمصطفى اثرتها، فتبعتها |
ومع هذا,, فلا اظن ان بيتا - في وطن التوحيد - يخلو الا ما شاء الله من كتاب,, او رسالة او مذكرة او حتى فتوى لعالمنا الفقيد رحمه الله
على ان له ما يقارب 210 مؤلف ثمين في شتى علوم الدين الاسلامي الحنيف، ومنها مجموع فتاوى من عدة اجزاء,.
للشمس فيه وللرياح وللسحاب وللبحار وللأسود شمائل هزمت مكارمه المكارم كلها حتى كأن المكرمات قبائل علامة العلماء واللُجّ الذي لا ينتهي ولكل لُجٍّ ساحل لو طاب مولد كل حي مثله ولد النساء وما لهن قوابل |
يا أبي/ هل في نشيج مدادي,, ما يخفف عني,, فكان ان اسهبت هذه الاسطر عسى!
رحلت ,, وكنت ملء القلب أنساً وملء العين,, اصدقهم خطابا(10) لقد فزعت,, كل الناس حبا فكيف وانت ازمعت الغيابا إمام العلم,, اوجعت المآقي وحزنك اسبل العين انسكابا رحلت,, وامة الاسلام,, تشكو من الاحداث,, انكاها,, عذابا ابا العلماء,, والفقراء,,إنّا نكاد نعيش دنيانا,, اغترابا رحلت,, وفي القلوب هواك يسري وحبك نبتة طابت,, وطابا |
لكني أعود,, مردداً إيجاز قول (ابراهيم التركي)(11):
بكاه الجميع:
الا الترابَ تضاحكت ذراته وشدت ترحب فاللقاء جميل |
رحم الله عبد العزيز بن باز واسكنه في علّيين مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين,.
ختاما
تسلّى الناس بالدنيا,, وإنا لعمر الله بعدك,, ما سلينا |
للفقيد في سويداء القلب منزلة لا تُدانى، اذ له من الافضال ما لا يحصى وله من المآثر ما يندّ عن الحصر، ويكفيه علمه الشرعي، وإن فقد العالم لخسارة عظمى,.
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد نفس يموت بموتها بشر كثير |
رحمك الله يا ابي رحمة واسعة، ونسأل الله ان يكتب اعمالك في ميزان حسناتك وان يعوض المسلمين عنك خيراً,, وان يلهمنا ويلهم الامة الصبر والسلوان فيك ايها الفقيد الغالي وإنا لله وإنا اليه راجعون
لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الى دون الممات قليل وان افتقادي واحداً بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل |
جعلنا الله وإياه وإياكم ممن (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليّهم بما كانوا يعملون).
عبد المحسن بن علي المطلق
الهوامش
(1)الرياض - عدد 11289
(2)سعد أبو حمد
(3) مسافر - احمد الصالح - الجزيرة عدد 9730
(4) الجزيرة - باختصار - عدد 9724
(5) ابو عبد الرحمن ابن عقيل - الجزيرة - عدد 9730
(6) د, محمد الدبل - الرياض - عدد 11286
(7) د, عبد الرحمن العشماوي - الرياض - عدد 11285
(8) عايض بن عبد الله القرني - الرياض - عدد 11289
(9) محمد المشعان - الرياض عدد 11285
(10) الشاعر مسافر
(11) الجزيرة - عدد 9727