 بين فترة تذهب في غياهب العدم
وأخرى كأنها لا تريد المجيء لكوكب الروح
بين خرائط هاتين الفترتين المتناقضتين كدخول الليل وخروج النهار
أجمع بعضي بحقائب بعضي
وأهرب من متابعة شاحنات المشاكل اليومية وقطارات الأزمات المحلية والعربية والعالمية وألقي بنفسي في يم التاريخ الحديث علني أجد شيئا يسر النفس ويفتح أمامي بابا أمرق منه الى مناطق ما شاهدتها أو سمعت عنها من قبل.
أرى إلى تاريخ منطقة الخليج الحديث.
وبالذات الى مجيء قافلة النفط الأولى بأدوات الحفر والتنقيب المتطورة التي كانت في تلك الفترة تمثل أرقى ما وصلت اليه التكنولوجيا الجديدة في العالم المتقدم.
انظر الى ديارنا الراكضة وراء وحش لقمة العيش من أيام العصا والحربة والسهام.
انظر اليها وهي تحاول ان تصطاد اللقمة في قاع البحر أو في أقاصي الصحراء أو تحاول ان تدجن البري وتستأنس الوحشي وتروض الكاسر وتدرب الجارح في مساحة خضراء أطلق عليها البعض اسم الزراعة.
ما كنا نعرف أي كنوز خضراء تنام تحت جلد ديارنا المفتوح على لفح الشمس.
ما كنا نعرف ان هذه الديار تجلس على بحيرات مخضرة بالذهب المتمرغ بالسواد.
ما كنا نعرف ان الذهب الأسود هذا سوف ينقلنا بشكل سريع من الهدوء الناعس الى الصخب الحي ومن القرى البسيطة في علاقاتها اليومية الى المدن المعقدة في تركيبتها النفسية والاجتماعية ومن البحث عن الماء في الفيافي وفي عمق البحر الى حضور الماء الى بيوتنا وغرف نومنا.
ما كنا نعرف ان مع تدفق النفط سوف تتدفق في عروق الأرض شرارة الحياة.
بالنفط استطعنا ان نتعلم في مدارس ومعاهد وجامعات في الداخل والخارج.
وبالنفط استطعنا أن نسكن في بيوت صحية تحمينا من الحر والقر بدلا من خيام الشعر أو البيوت المبنية من سعف النخيل.
وبالنفط استطعنا ان نتداوى من الأمراض الكثيرة التي ظلت تقصر أعمارنا.
وبالنفط استطعنا اللحاق بقطار العصر الذي كان يسبقنا بعدة سكك ومحطات.
وبالنفط استطعنا ان نساعد اخواننا المحتاجين الى المساعدة في بقية دول العالم.
وبالنفط اصبحت لكلمتنا الخضراء مكانتها بين قحط الأمم.
من هنا.
حينما اسمع البعض من المثقفين العرب المرضى الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الانسان العربي وهم يتحدثون عن نقمة النفط الذي حوَّل خليجنا العربي الى لعبة في يد شركات النفط الكبيرة.
أقول حينما اسمعهم وهم يتشدقون بمثل هذا الكلام الفارغ عن كارثة النفط اضحك فالذي لا يستطيع ان يرى الفرق الواضح بين الشراع الأبيض في المحيط الأسود والذي لا يستطيع ان يفرق بين سطوع النعمة وفجيعة النقمة لا يجوز له الحديث عن الأرض المخضرّة بنباتات الخير المتناسلة بالخير.
بين فترة وأخرى أعود الى الأمس القريب الذي كان لأستشرف الغد الذي يكون.
هل هناك من يرغب لمثل هذه العودة.
|