الموصل هي واحدة من أهم المدن بشمال العراق وتعد العاصمة التاريخية للأكراد منذ نجاح دولة الأتابكة في تأسيس ملك مستقل بالمدينة على يد الأتابكي نور الدين محمد بن زنكي والذي اشتهرت دولته باسم الدولة الزنكية وقد امتد سلطانها من شمال العراق ليشمل معظم الأراضي الشامية.
وعندما فتح العرب شمال العراق كان على مقربة من موضع الموصل الحالي بقايا حصن آشوري قديم يعرف بالحصن العبوري (الغربي)، وفي مواجهته على الضفة الأخرى من دجلة مدينة نينوى التي يعتقد أنها كانت مدينة يونس عليه السلام.
وقد شرع الفاتحون في تشييد الموصل على يدي عرفجة بن هرثمة البارقي واليها من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فزاد في مساحة المسجد الذي كان أول ما شيده عتبة بن فرقد السلمي فاتح هذه الأنحاء في عام 17ه وألحق به دارا للإمارة وأطلق البارقي على هذه الحاضرة الإسلامية الجديدة اسم الموصل لأنها تصل السهل بالجبل والفرات بدجلة كما وصلت العراق بالشام، فهي إذن مدينة عربية النشأة والاسم.
وقد شهدت الموصل أحداثا دامية في بداية العصر العباسي نتيجة لتمرد العناصر العربية وهو التمرد الذي انتهى بمذبحة راح ضحيتها عشرون ألفا من العرب الذين لجأوا إلى الجامع الأموي بالمدينة، ولكنها سرعان ما استعادت عمرانها على يد الحمدانيين ليدب فيها الخراب على ايدي بني عقيل والسلاجقة حتى تولى الأتابكة حكمها وشرعوا في تعميرها وتحصينها.
وتحفل الموصل بالعديد من المعالم التاريخية القديمة، ويكفي أنها تحوي قرابة الاربعين مسجدا من مساجدها الأثرية القديمة، ومن هذه المساجد الجامع الاموي القديم الذي شيد في عهد الوالي مروان بن محمد ثم جرى تجديده في عهد المهدي العباسي كما أجريت به اصلاحات شاملة على عهد الأتابكة خصوصا خلال حكم سيف الدين بن عماد الدين زنكي, وهناك أيضا الجامع المجاهدي الذي شيده مجاهد الدين قيماز وجامع النبي يونس وجامع النبي جرجيس وجامع العمرية.
وأشهر مساجد الموصل على الاطلاق هو الجامع النوري الذي أمر بتشييده نور الدين محمود زنكي في عام 566ه _1170م) بعدما ضاقت مساحة الجامع الأموي القديم عن أعداد المصلين المتزايدة, وقد باشر الشيخ معين الدولة عمر بن محمد الملا بناء هذا الجامع حتى افتتح للصلاة بعد عامين أي في سنة 568ه (1172م), وطوال فترة البناء كان المسجد موضع اهتمام نورالدين زنكي رغما عن انشغاله بالجهاد ضد الصليبيين في الشام.
ويقع الجامع النوري أو الجامع الكبير بوسط الموصل حيث محله الجامع الكبير ، وقد ادخلت عليه جملة من التعديلات والاضافات من أهمها القسم الايمن من المصلى الذي عمره فيما بين عام 871-882ه حاكم الموصل حسن الطويل كما جدده العثمانيون في القرن الثالث عشر الهجري (19م) وأجريت به أيضا بعض أعمال الاصلاح والترميم في عام 1940م.
وتبلغ المساحة الحالية للمسجد حوالي 585م2 موزعة بين مصلى صيفي واسع مكشوف وآخر شتوي غير مفتوح على الصحن نظرا لبرودة الشتاء القارس في هذه المدينة، وقد نقل محراب الجامع النوري في عام 1940م إلى متحف بغداد الوطني، وهو من الرخام المزخرف بالحفر وقوام زخارفه رسوم نباتية من الأرابيسك.
وتعد مئذنة الجامع النوري من أهم وأجمل وحداته المعمارية، وقد اشتهرت باسم الحدباء لوجود ميل طفيف بها حتى أن أسمها قد طغى على اسم الموصل ذاتها فعرفت في بعض المصادر التاريخية باسم مدينة الحدباء.
ويبلغ ارتفاع الحدباء حوالي 55 مترا وهي مشيدة بالطوب الأحمر (الآجر) على هيئة بدن اسطواني يسترق في رشاقة وجمال كلما صعدنا الى أعلى وقد سقط الجزء العلوي منها وأعيد تشييده بالحجر وليس بالآجر والجص كما في باقي بدن المئذنة.
وتمتاز مئذنة الجامع النوري بزخارفها الهندسية الناجمة عن تباين أوضاع قوالب الآجر، وهي في ذلك تشبه مئذنة قرية سنجار باقليم الموصل أيضا.
ويمكن الصعود إلى الحدباء التي تقع في الركن الشمالي الشرقي من الجامع عن طريق سلمين حلزونيين يدروان داخل البدن دون أن يرى الصاعد في أي منهما الآخر ولا يلتقيان إلا في شرفة المؤذن الدائرية، وبهذه الشرفة عدد من الشبابيك المعقودة ينفذ من خلالها الضوء الطبيعي لإنارة درجات السلم الصاعدة إليها,وتعكس الحدباء الطابع التقليدي لعمارة العراق وبلاد فارس التي تعتمد على استخدام تقنيات البناء بالآجر، تأثرا بالحضارة النهرية لبلاد الرافدين وقد انتقلت هذه التقاليد إلى أنحاء آسيا المختلفة ومعها البدن الإسطواني للمئذنة الذي صار معلما رئيسيا لمآذن الشرق الإسلامي منذ انشاء مئذنة سامراء المعروفة بالملوية.
د, أحمد الصاوي