العلمانية هل لها عندنا مكان؟ د, محمد عمارة |
مصطلح العلمانية هو الترجمة التي شاعت بمصر والمشرق العربي للكلمة الانجليزية Secul Arism بمعنى: الدنيوي، والواقعي، والعالمي,, ذلك لأن العلمانية هي نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية ترى العالم مكتفياً بذاته تدبره الأسباب الذاتية المودعة فيه,, فالعالم والواقع والدنيا هي مرجعية التدبير للاجتماع الانساني والدولة والحياة، ومن ثم فإن الاجتماع والحياة والدولة ليست في حاجة الى مدبر من خارج هذا العالم ومن وراء هذه الطبيعة,, والانسان مكتف بذاته يدبر شؤونه ويبدع قيمه ونظمه بواسطة العقل والتجربة، وليس في حاجة الى شريعة سماوية تحكم هذا التدبير,.
فالعلمانية - لذلك - تُضبط بفتح العين، لانها نسبة الى العالم اي الدنيا والواقع الدنيوي، فهي مصدر غير قياسي، اذ القياس فيها هو العالمانية - نسبة الى العالم - وهناك في المغرب العربي من يترجمها بالدنيوية .
ولقد نشأت العلمانية - بأوروبا - في سياق النهضة الحديثة، وكانت من ابرز معالم فلسفة التنوير الوضعي الغربي التي جابه بها فلاسفة عصر الأنوار - في القرنين السابع عشر والثامن عشر - سلطة الكنيسة الكاثوليكية بعد ان تجاوزت هذه الكنيسة الحدود التي رسمتها لها النصرانية وهي خلاص الروح ومملكة السماء، وترك ما لقيصر لقيصر، والاقتصار على ما لله,, لقد تجاوزت الكنيسة حدود رسالتها واختصاصاتها فبعد عصور من سيادة نظرية السيفين Theory of the Two Swords اي السيف الروحي - او السلطة الدينية للكنيسة - والسيف الزمني - أي السلطة المدنية للدولة - جمعت الكنيسة السلطتين معاً، فضمت ما لقيصر الى ما للكنيسة واللاهوت في ظل نظرية السيف الواحد Theory of One Sword.
وتحت حكم البابوات - الأباطرة اضفت الكنيسة قداسة الدين وثباته على المتغيرات الدنيوية والاجتماعية - افكاراً وعلوماً ونظماً - فرفضت وحرّمت وجرّمت كل ما لا ووجود له في الأناجيل، وبذلك دخلت اوروبا عصورها المظلمة، الأمر الذي استنفر رد الفعل العلماني الذي حرر الدنيا من كل علاقة لها بالدين,, ففي مواجهة الكهنوت الكنسي الذي قدس الدنيا وثبتها، وجعل اللاهوت النصراني - وهو خال من الفلسفات المنظمة للدولة والاجتماع - المرجع الوحيد للسياسة والعلم والدولة والاجتماع - في مواجهة هذا الفعل جاء رد الفعل العلماني لينزع كل قداسة عن كل شؤون الدنيا، وليحرر العالم من سلطان الدين، وليعزل السماء عن الأرض جاعلاً العالم مكتفياً بذاته والانسان مكتفياً بذاته، والاجتماع والدولة والنظم والفلسفات محكومة بالعقل والتجربة دونما تدخل من الدين.
ولقد ساعدت الملابسات التي نشأت فيها العلمانية، وكذلك المواريث الدينية والفلسفية الغربية على هزيمة الكنيسة وتراجع اللاهوت النصراني امام النزعة العلمانية.
فلقد كان التخلف الأوروبي شاهداً على فشل الحكم الكنسي الكهنوتي,, وكان موقف النصرانية، الذي يدع ما لقيصر لقيصر، ويقف بالكنيسة ولاهوتها عند خلاص الروح ومملكة السماء سلاحاً بيد العلمانية ضد اغتصاب الكنيسة للسلطة الزمنية,, وكانت الفلسفة اليونانية - وخاصة عند أرسطو (384 - 322 ق,م) والتي رأت الذات الالهية مجرد خالق ومحرك أول للكون، ترك تدبيره ورعايته للاسباب المادية المودعة فيه - أي أن العالم مكتف بتدبير ذاته، لا يحتاج الى مدبر مفارق له -,, كانت هذه الملابسات الواقعية والمواريث الدينية والفلسفية - في اوروبا - عونا لانتصار العلمانية على الكنيسة وسلطانها,.
ولقد تميز، في اطار فلسفة العلمانية الاوروبية تياران:
تيار مادي ملحد، طمح الى تحرير الحياة - كل الحياة - من الايمان الديني,, وكانت الماركسية أبرز افرازات هذا التيار.
اما التيار الثاني فهو مؤمن بوجود خالق للكون والانسان لكنه يقف بنطاق عمل هذا الخالق عند مجرد الخلق، فيحرر الدولة والسياسة والاجتماع من سلطان الدين مع بقاء الايمان الديني علاقة خاصة وفردية بين الانسان وبين الله,, ومن فلاسفة هذا التيار هوبز Hobbes (1588 - 1679م) ولوك Loke (1632 - 1716م) وليبينز Leibniz (1646 - 1716م) وروسو Rousseau (1712 - 1778م) وليسينج Lessinc (1729 - 1871م).
* * *
ولقد ظلت العلمانية خصوصية غربية حتى القرن التاسع عشر,, عندما جاءت الى بلادنا الاسلامية في ركاب النفوذ الاجنبي والاستعمار الغربي الحديث,, واذا كانت مصر بحكم الموقع,, والسبق في التطور,, والاستقلال النسبي عن السلطان العثماني منذ ولاية محمد علي باشا (1184 - 1265ه 1770 - 1849م) عليها 1805م قد مثلت طليعة الأقاليم الشرقية في التأثر بالفكر الأوروبي -ومنه العلمانية - فلقد كان وفود العلمانية اليها نموذجاً لتسللها من أوروبا الى بلاد الشرق الاسلامي في ركاب النفوذ الأجنبي والاستعمار الحديث.
فبعد تحطيم النظام الحمائي - للصناعة والتجارة - الذي اقامه محمد علي باشا في مصر زاد نفوذ التجار الأجانب، ونشأت - على عهد الخديوي سعيد في سنة 1272ه 1855م اول محكمة تجارية مختلطة بين المصريين والأجانب مجلس تجار تسلل اليها القانون الوضعي الفرنسي.
ومع تزايد اعداد الجاليات الأجنبية ونفوذها - وخاصة بعد عقد اتفاقية حفر قناة السويس - نشأت المحاكم القنصلية لتقضي في المنازعات الناشئة بين المصريين وبين الأجانب، وقضاتها اجانب ولغتها أجنبية وقانونها وضعي علماني.
ولما زادت فوضى القضاء القنصلي - الذي توزعته سبع عشرة محكمة قنصلية - نُظَّمت هذه الفوضى 1875م بانشاء المحاكم المختلطة وقضاتها اجانب ولغتها فرنسية وشريعتها هي قانون نابليون.
وبعد ان كان هذا الاختراق - في المحاكم القنصلية,, ثم المختلطة - مقصوراً على المنازعات التي يكون احد طرفيها اجنبياً حدث تعميم لبلوى هذا الاختراق العلماني في كل القضاء الأهلي - اي فيما عدا المحاكم الشرعية، التي انحصر اختصاصها في شؤون الأسرة والأحوال الشخصية - وكان ذلك عقب استعمار الانجليز لمصر فيما سمي بالاصلاح القضائي 1883م.
ولقد استعان الغرب الاستعماري بنفر من أبناء الأقلية المارونية الذين تربوا في مدارس الارساليات التنصيرية بلبنان في الدعوة الى نموذجه الحضاري العلماني,, فكان فرح انطون (1291 - 1340ه 1874 - 1922م) اول دعاة العلمانية في بلادنا,, ثم تخلق للعلمانية تيار فكري بلغ ذروته في كتاب الشيخ علي عبد الرازق (1305 - 1386ه 1887 - 1966م) عن الاسلام واصول الحكم الذي صدر 1925م مصورا الاسلام - كالنصرانية - دينا لا دولة ورسالة لا حكما يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
وفي مواجهة هذا التسلل العلماني الى بلادنا كانت مقاومة تيار الإحياء والتجديد الديني لعلمنة القانون والنهضة,, فلقد رأى هذا التيار الاحيائي التجديدي في العلمانية عدواناً على شمولية المنهاج الاسلامي - لأنه دين ودولة، وجامع بين ما لقيصر وما لله,, ولأن نطاق عمل الذات الالهية - في التصور الاسلامي - لا يقف عند مجرد الخلق وانما هو - سبحانه وتعالى - خالق ومدبر للعالم والاجتماع بواسطة الشرائع والرسالات (ألا له الخلق والأمر) الأعراف 54 - (قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له) الأنعام 162 - 163.
فكان رفاعة رافع الطهطاوي (1216 - 1290ه 1801 - 1873م) اول من انتقد تسلل القانون التجاري لنابليون الى المجالس التجارية في الموانىء التجارية، ودعا الى تقنين فقه المعاملات الاسلامي الوافي بتنظيم المنافع العمومية لأن بحر الشريعة الغراء لم يغادر من امهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها واحياها .
ونهض القانوني البارز محمد قدري باشا (1237 - 1306ه 1821 - 1888م) - وهو من تلامذة الطهطاوي بتقنين فقه معاملات المذهب الحنفي ليقدم البديل الاسلامي في القانون كجزء من الرفض والمقاومة للقانون الوضعي العلماني.
ولقد عبر الامام محمد عبده (1265 - 1323ه 1849 - 1905م) - بلسان مدرسة الاحياء والتجديد الاسلامي - عن ضرورة اسلامية النهضة لأن الاسلام - على عكس النصرانية - منهاج شامل فهو كمال للشخص وأُلفة في البيت ونظام للملك,, ولأن سبيل الدين لمريد الاصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها .
ومنذ ذلك التاريخ ظل التدافع سجالاً - في واقعنا الفكري والقانوني والسياسي - بين دعاة العلمنة لمشروعنا النهضوي وبين دعاة اسلامية هذا المشروع.
وعندما أعادت مصر صياغة قانونها المدني الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا (1313 - 1391ه - 1895 - 1971م) والذي طبق عقب الغاء الامتيازات الاجنبية 1948م زادت في هذا القانون مرجعية الشريعة الاسلامية عنها في سابقه الذي وضع 1883م ولما وضعت مصر دستورها الجديد 1971م نصت مادته الثانية على ان مبادىء الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للقوانين، وفي التعديل الذي تم الاستفتاء عليه لهذه المادة 1980م غدت الشريعة هي المصدر الرئيسي للقوانين فانفتح بذلك الباب الدستوري امام المشرع المصري لأسلمة القانون ولاجلاء العلمانية عن المواقع التي احتلتها في بلادنا تحت نفوذ وحراب الاستعمار.
مراجع
1 - (الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي) دراسة وتحقيق: د, محمد عمارة طبعة بيروت 1973م.
2 - (الاعمال الكاملة للإمام محمد عبده) دراسة وتحقيق: د, محمد عمارة طبعة دار الشروق القاهرة 1993م.
3 - (تقويم النيل) لأمين سامي باشا طبعة القاهرة 1936م.
4 - (عصر اسماعيل) لعبد الرحمن الرافعي, طبعة القاهرة 1948م.
5 - (العلمانية بين الغرب والاسلام) للدكتور محمد عمارة, طبعة دار الوفاء القاهرة 1996م.
|
|
|