منذ خمسين عاماً يكتب ديريك والكوت المسرحيات والشعر، وقد احرز جائزة نوبل للاداب عام 1992 ولايحتاج عمله الابداعي تحليلات منظري ما بعد الكولونيالية ومن خلال تقييم جون تيم، الذي اصدر، مؤخرا، كتابا تحت عنوان (ديريك والكوت)، لمسرحياته ومجموعاته الشعرية تظهر سمات الموهبة الكاريبية، اذ تجسد الهوية القومية لجزر الهند الغربية وادابها، والصراع بين تراث الثقافة الاوروبية والهندية الغربية، اختيار الوطن أو المنفى، تحقيق الذات أو الخيانة الروحية للوطن حسب تعبير والكوت, وتمزج مسرحياته بين الشعر والنثر، والمفردات الكرييولية (الهندية الغربية) والايقاعات التقليدية, وقصائده، التي يعتبر الكثير منها اعترافات واسئلة ذاتية، غنية بالتلميحات الكلاسيكية، وتصور ، بطريقة نابضة بالحياة، المشاهد الكاريبية والأوربية.
والدراسة التي كتبها جون تيم لا تحتوي على سيرة حياة (رغم تسلسلها التاريخي المفيد) غير اخبارنا بأن والكوت ولد عام 1930 في جزيرة سانت لوشيا الصغيرة في الكاريبي، وانه، على خلاف كتاب الكاريبي الآخرين الذين نشروا اعمالهم وحققوا الشهرة والثروة في الخارج، قرر ان يبقى في وطنه:
لا من أجل اغاظة روائي أوجعه الشتاء
وأثنى عليه الآخرون لرباطة جأشه
وانما من أجل شيء تمتد جذوره عميقاً
شيء منحنا البركة، والألم الخاص
ويصبح البقاء في الوطن مجازيا, فوالكوت يسافر كثيرا، ويمكث طويلا، في الولايات المتحدة, ولكن هناك معنى يؤكد انه لا يغادر سانت لوشيا أبدا, وهذا المعنى نكتشفه في البحث الشعري المتغير، والحوار الدراماتيكي الذي يشعر والكوت بجاذبيته وقدرته على الاقناع، وهو ما يشخصه جون تيم ويفسره.
والسؤال الهام الذي يتعين طرحه بشأن عمل والكوت الابداعي، كما هو الحال مع ابداعات أي كاتب آخر، هو: هل الاستغراقات هامة ومضيئة وتتجاوز الهاجس والمأزق الشخصي؟ ان تقييم تيم الخاص هو ان رغبات والكوت نابعة من مشكلات معقدة، ثقافية وتاريخية، متجذرة في حقيقة ان الكاريبيين (ووالكوت نفسه) من اعراق مختلفة صاغتها تواريخ ذات روافد تتلاقى وان والكوت كرس طاقته، على نحو فريد، لتجسيد المآزق الناجمة عن ذلك.
ان سيرته تتعارض مع سيرة الكاتب سي, جيمس، الذي غادر الكاريبي عام 1932، وقد كتب كراسة دعاية سياسية، ورواية تجري احداثها في احد احياء مدينة في ترينيداد، واكد انه لم يكن امام المجتمع الكاريبي من خيار سوى ان يرى نفسه، على نحوجلي، باعتباره جزءا من المجتمع الغربي، ومبدعيه وفنانيه باعتبارهم جزءا من التقليد الفكري الغربي, اما نيبول ، الذي يحتمل ان يكون الروائي الذي أوجعه الشتاء في قصيدة والكوت، فقد غادر ترينيداد، هو الاخر، وترك الجزر خلفه جازما انه لم يتحقق شيء فيها يدعوه الى البقاء.
اما موقف والكوت، الواعي بالتأكيد بموقف جيمس ومنفاه، وكذلك بموقف نيبول، فكان اختيار البقاء والاضطلاع بالمهمة الأكاديمية : تحديد الارض الغنية لسانت لوشيا، ورسم تفاصيل البقع المظلمة في ذلك الشيء الذي منح بركته لمن ولدوا في جزر الكاريبي.
ويجادل تيم بقوة بان تسمية الاشياء هذه كانت تواجه عائق تقليد ومحاكاة اشياء اخرى، وخصوصا تلك التقاليد الشعرية التي حددها تي, أس, إليوت, لكن الشكل يمضي، والشعر يجد صوته الخاص، وهو يدمج السيرة والملحمة, وعلى نحو متكرر يعود والكوت، دائما، وبأشكال تفصيلية ومختلفة، الى هذا المشروع الشعري ليكتب (حياة أخرى) عام 1973 وهي القصيدة التي تلتقي فيها (الاستهلال) لوردزورت و(أوراق العشب) لوولت ويتمان، وليبدع، أيضا، (أوميروس) عام 1990.
وقد استوعبت القصيدتان شخصيات ادم من سفر التكوين، وروبنسون كروسو من دانيل ديفو، وبروسبيرو من شكسبير واوديسيوس من هوميروس، الذين زين والكوت مآزقه بقصصهم وحياتهم الاسطورية, وباستخدام بروسبيرو وكروسو يتفحص والكوت، مرة اخرى تكافلهما المجالد مع كاليبان وفرايداي, وهو يرى الشخصيتين الادبيتين باعتبارهما اداتين لنقل افكار ثنائية الثقافة والاضطهاد اللذين يتلبسان الكاريبي، ويحولانه فيما هو يسيطر عليهما.
ومثل هوميروس يوسع مهمة شخصيته في السرد، ومثل اوديسيوس يفترض ان مصيره، ككاتب، هو البحث، عبر مغامرات خطرة وساحرة، عن موطن ثقافي, ان هذه المجموعة من الاساطير، التي تكفي لاستغراق حضارة بأسرها، هي اساس جدل والكوت مع نفسه، وهو جدل يبرز ، حسب رأي تيم ، في المهمة غير المنجزة لخلق مسرح كاريبي من خلال كتاب مسرحيات كاريبية في جوهرها.
لقد كتب والكوت عددا من هذه المسرحيات، ويرى تيم انها مسرحيات هامة تغطي، بشكل فريد ومتكرر، هذه المهمة، ابتداء من (هنري كريستوف) عام 1950، وهي قصة عبد ثوري من هايتي تحول الى طاغية.
وعمل والكوت سنوات عديدة مع ورشة مسرح ترينيداد، وكتب عشرات المسرحيات التي تعود، مجازيا، الى الموضوعات ذاتها,ان نقد تيم الشامل يمزج بين سمعة والكوت المسرحي الذي جرى إهماله إلى حد كبير، وسمعة والكوت الشاعر الحائز على جائزة نوبل، من خلال التمييز في الاهتمامات العامة للاثنين, ان جوهرهما، في نهاية المطاف، هو التوفيق بين الانقسامات داخل الشخصية الكاريبية، والفنان الكاريبي الذي يقرر ان يبقى وهي الانقسامات التي نجدها داخل والكوت نفسه.
|