Sunday 30th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 15 صفر


مساحات بيضاء
ريمة الخميس
تداعيات,.

1- ابتدعت الثقافة الامريكية نموذج السوبر مان ، أو الانسان السوبر !، او الانسان فوق العادة، او ما يمكن ان يترجم به هذا الاسم من صفات التفوق الخارق، ومن مواصفات ليست من طاقة الانسان العادي، او حتى الانسان الذي يتميز بذكاء ومواهب خاصة، وراحت تقدمه للعالم الخارجي عبر اجهزة الدعاية ووسائل الاعلام ومؤسسات السينما والانتاج، والمطابع، وكأن وراء هذا كله إدارة سياسية تم اختيار العاملين فيها من ارفع مستويات الخبرة في التخطيط واستراتيجيات الحروب، ليجربوا تطبيق معارك الحروب في معارك التاريخ والحضارة!
والسوبرمان ليس شخصية محددة، كتلك التي يعرفها اطفالنا، وينكبون على شراء الملابس التي تحمل صورته، او الادوات التي يستخدمها او غيرها، بل هو نموذج يتلبس مختلف الشخصيات في مختلف المجالات، ومن بينها تلك الشخصية التي غزت بقوة عالم الطفولة البريء، وقبل ان يخبو بريقها، تقدمت على الفور شخصية الباتمان لتؤازرها.
في السينما الامريكية تمثل نموذج السوبرمان في شخصية رعاة البقر ,, هكذا اختارت الثقافة الامريكية ان يتجسد نموذج الرجل الامريكي الخارق في فلاحها الامي، الذي لم يتعلم فك الحرف ولكنه ينطلق أبدا بحكمة الفلاسفة، والذي يصطاد الرجال مثلما يصطاد الناس العصافير ولكنه شهم يخف الى مساعدة الضعفاء والمظلومين، وحده مع فردين او ثلاثة من اسرة مضطهدة يهزم جيشا او عصابة، لانه يحارب بذكائه الذي ليس من ذكاء البشر، يقتل غدراً وغيلة وانما ليقدم درسا وموعظة في النبل والبسالة، قد يكون لصا للأبقار مطاردا من العدالة، ولكنه في اغلب الاحيان هو الذي يطبق احكام العدل على مطارديه من رجال الشرطة او سلطات القضاء,, تفوق في كل شيء، في الظلم كما في العدل، وفي الكراهية كما في الحب، وفي الشهامة والنذالة، هو دائما كما يريد ان يكون، وبتفوق السوبرمان!
قد يجد هذا النموذج طرافته في المجتمع الامريكي لدى الذين يرضي غرورهم ان يروا تجسيداً في شخصيات السينما لشعار: أمريكا أعظم دول العالم ، ومع ذلك فالنموذج تمت صناعته اساسا للتصدير، خاصة إلى دول العالم الثالث، محملا برسالة تقول انه حتى رعاة البقر والفلاحين وأفراد العصابات، في امريكا ليسوا كسائر الناس، وبدعوة الى الشباب والناشئة للاحتذاء والتقليد، ليصبح هؤلاء الشباب بعد فترة شاغلا يؤرق بلادهم,, (نقرأ عن شخصية مثل جيمس دون والادوار التي لعبها في السينما، وموجات الانفلات التي عمت شباب الوطن العربي الذين انكبوا على تقليده في الملبس والسلوك، او شخصية شين كونري او غيرهما).
لحسن الحظ اننا غالبا ما ننتبه إلى ترجمات هذا النموذج في السينما الامريكية، ولسوء الحظ اننا لم نستوعب بعد ان هذا النموذج ليس هما من هموم السينما، التي لا تتجاوز كونها اداة ضمن الادوات المكرسة لهم الثقافة الامريكية اساسا داخل سياق عام لموقف حضاري شامل، يتبدى في مستويات الثقافة الرفيعة على نفس النحو الذي يتبدى به في الثقافة الشعبية العامة، ويستمد من قوة وسائل الطباعة والنشر، وأساليب الدعاية المتقدمة ما يستمده هذا النموذج في السينما من صناعة قوية تتمتع بها.
كولن ويلسون صياغة ثقافية رفيعة لنموذج السوبرمان، بنفس فراغ ابطال السينما، وتلك المتناقضات التي يبرر فيها الضد وضد الضد كونه النموذج الفريد الذي يتمتع بقدرات خارقة ليست مما يملكه البشر، ليس في مجال السلوك والحياة وهموم الضعفاء والاقوياء مما تعرض له السينما وانما في مجال الكتابة وهموم المؤرقين بالتقدم او التراجع على دروب الابداع، كل شكل يقاس على شاكلة ما يختار، ان لجأ إلى السرد والحكائية المباشرة الممجوجة، فلأنه النموذج الخارق الذي لا يطاله اقزام العاديين، وان غرّب وعقّد حتى استغلق فلأنه العبقرية الخارقة التي تند على افهامنا ومداركنا,.
منذ فترة طويلة كنت قد قرأت له عددا من الاعمال، بعض ما اصدرته دار الآداب البيروتية من ترجمات سامي خشبة، وكلما قرأت ما تعكسه كتاباتنا العربية عن هذا الرجل، استدعي على الفور القراءات القديمة لابحث فيها عن شاهد يؤكد مصداقية ما يقال,, لا أذكر من ذلك العمل الشهير الحالم إلا لعبة التنويم المغناطيسي، وأذكر كيف حاولت ان اطبقها على اخوتي، محال ان يكون ذلك البطل بفراغ ارسين لوبين وشارلوك هولمز، لكنني حين اعدت القراءة برغبة منصفة، لم اخرج إلا بمرارة الحقيقة,, لقد كانت شخصيات ارسين لوبين ودكتور واطسون وشارلوك هولمز تغرق الاسواق العربية في وقت تم اختياره بعناية حين كان العالم العربي يشهد فورة ثقافية نشطة، وجاءت الروايات المترجمة لتطرح في هذه الشخصيات نموذج السوبرمان، ولعبت مؤسسة فرانكلين التي اقامت لها مقرا في القاهرة دورا مميزا في حركة الترجمة، اصدرت ترجمات عربية لقليل من الكتب الهامة، ووفرت تلالا من النصوص الانجليزية - بالمجان تقريبا - لروايات الجيب، بأبطالها من نموذج السوبرمان، التي تهافت عليها الباحثون عن الرزق للترجمة، وانكب على قراءة ترجماتها كل الشباب، لتدور الحركة الثقافية الوطنية حول نفسها، دون القدرة على النفاذ الى قاعدة الناشئة إلى ان انطفأ فيها الوهج,, وكولون ويلسون ليس إلا امتدادا عصريا، يناسب ظرفا جديدا، لنموذج السوبرمان، بذاته وشخصه كاتبا، وبأبطاله الذين تناسلوا عن اجدادهم الذين هاجمونا منذ ما يقرب من نصف القرن.
2- كلما تأملنا نزوع بعض الكتاب والنقاد والمفكرين الى احتذاء النموذج الاجنبي بلا وعي إلى حقيقة الصراع الحضاري القائم، بحرص على الابهار الذي لا يستند إلى شيء، التمسنا كل الاعذار للشباب الذين بهرتهم شخصيات جيمس دون أو هولمز او أرسين لوبين، وربما لهم ايضا، طالما ان الدافع لدى الفريقين فراغ مخيف!!
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved