 يعتبر الفن الجداري من الفنون التشكيلية الهامة والمؤثرة في الحضارات والثقافات الإنسانية على مر العصور, فمنذ وعى الإنسان أهمية وقوة التعبير الفني التشكيلي وهو يسعى الى توظيفه فنيا وجماليا لخدمة اغراضه المختلفة, وتعتبر الجدران من المساحات الأولى والباقية الى الآن والشاهدة على أهمية وضرورة التعبير الفني في حياة الإنسان منذ بداياته, والرسوم والنقوش التي اكتشفت على جدران الكهوف في أحقاب ما قبل فجر التاريخ في مناطق مختلفة من العالم تعتبر أبرز مثال على ذلك، وقد أخذ هذا الاهتمام يتعاظم بمرور الزمن فبرزت له ادوار سياسية واجتماعية ودينية وتسجيلية في الفنون القديمة من الاغريقية والرومانية والمصرية والفينيقية والأشورية وغيرها, كما برز الاهتمام به في الفنون القبلية والشعبية في مختلف أنحاء العالم, وفي الحضارة الإسلامية ابدع الفنان المسلم في هذا المجال ووظف العديد من المخامات وطرق العديد من المواضيع منذ العصر الأموي المبكر حتى العهد العثماني, وفي الفن الحديث مارس العديد من الفنانين التشكيليين العالميين الفن الجداري واختاروا لأعمالهم الفنية واجهات العديد من المباني الحكومية والأهلية في كثير من العواصم والمدن الأوروبية والأمريكية.
* الفن الجداري في جامعة الملك سعود:
وفي قسم التربية الفنية بكلية التربية بجامعة الملك سعود يعتبر مقرر الرسوم الجدارية من المقررات الهامة والبارزة في خطة دراسة البكالوريوس للطلاب والطالبات, وهذا المقرر يسعى القسم من خلال تدريسه الى تحقيق الأهداف التالية:
1 التعريف بمفهوم الفن الجداري.
2 الاطلاع على الابداعات الفنية الجدارية القديمة والحديثة.
3 ادراك الوظائف الدينية والاجتماعية والسياسية والجمالية في العمل الفني الجداري.
4 تكشف بعض الخامات والمواد ومدى ملاءمتها لمواصفات الفن الجداري.
5 تنمية مهارات التصميم والتنفيذ وتوظيف الابتكار من خلال ممارسة العمل الفني الجداري, والطلاب يمرون بجرعات نظرية مكثفة من خلال قراءة واستيعاب المادة العلمية لهذا المقرر والتي تغطي الخلفيات التاريخية والفنية والجمالية والاجتماعية للفن الجداري, وذلك من خلال الاطلاع على دراسات تاريخية وفنية تحليلية للجداريات في الفن الاغريقي والفن المصري والفن الإسلامي وفن عصر النهضة والفن الحديث والفن العربي والفن السعودي, كما يقوم الطلاب بعمل تقارير علمية قائمة على الوصف والتحليل والاستنتاج لخمسة أعمال فنية جدارية وفق معايير محددة, اضافة الى انخراطهم في مناقشات وحوارات مفتوحة حول أهمية الفن الجداري في المجتمع ومواصفاته ووظائفه وعلاقته بالدين والسياسة والثقافة والفكر.
والفن الجداري من الفنون التشكيلية ذات الحضور الاجتماعي القوي, فهي تنفذ بمساحات كبيرة جدا وتحتل مواقع ذات أهمية ثقافية واجتماعية, كما انها تنتج بخامات ومواد لها صفة الديمومة والثبات بمعنى عدم تأثرها بالعوامل الجوية والمؤثرات المختلفة, والفن الجداري من الفنون الحساسة والمباشرة والمفتوحة أمام المجتمع بكافة طبقاته, لذا يجب على الفنان الجداري اخذ أعلى درجات الحيطة والحذر بتحاشي اصطدام عمله الفني الجداري بأي قضايا مثيرة للجدل او البلبلة بأن تكون ذات محذور سياسي أو ديني أو اجتماعي.
* مشروع جدارية المكتبة العامة بشارع الملك فيصل بمدينة الرياض:
خلال الفصل الأول من العام الدراسي 1419/1420ه ظهرت فكرة عمل تطبيقات ميدانية لهذا المقرر من خلال التعاون مع بعض المؤسسات الثقافية والاجتماعية الهامة في المجتمع, وقد تم عمل الاتصالات اللازمة بهذا الخصوص مع بعض الجهات الحكومية, ومن الجهات التي رحبت بالفكرة وأبدت كامل استعدادها لتبنيها وتمويلها كانت المكتبة العامة بشارع الملك فيصل, وتعتبر هذه المكتبة من أقدم المكتبات في مدينة الرياض حيث يتجاوز عمرها الثلاثين عاما وتقع في قلب مدينة الرياض.
وبالفعل تم اختيار هذه المكتبة لتنفيذ أضخم جدارية يتم انتاجها من قبل طلاب قسم التربية الفنية منذ إنشاء القسم قبل أكثر من ربع قرن, واحتلت هذه الجدارية موقعا استراتيجيا في مبنى المكتبة وهو المدخل الرئيسي للمكتبة على شارع الملك فيصل, وهذه الجدارية مكونة من قسمين رئيسيين متقابلين من جدران المدخل وتبلغ المساحة التقريبية لكل جزء قرابة خمسة وثلاثين مترا مربعا, وقد تم التأكيد على ربط موضوع الجدارية بالموقع الذي تشغله, ويعتبر ذلك من أهم خصائص الجدارية الناجحة, وبالفعل كان الاهتمام يتركز على جعل الموضوع العام للجدارية حول الكتاب والمكتبات بوصفها مراكز إشعاع فكري وثقافي في الحضارات الإنسانية وبالذات الحضارة الإسلامية التي كان لها دور كبير في الاهتمام بالعلم والعلماء من خلال التشجيع على التأليف والترجمة والنشر في شتى العلوم والمعارف.
* خطوات تنفيذ الجدارية:
بعد الاتفاق على الموقع والموضوع تم انتقال جميع الطلاب الى مبنى المكتبة, وتم اختيار إحدى القاعات الجانبية لتكون مقرا للاجتماع والمناقشات أثناء مراحل الانتاج المختلفة.
كما تم تحديد زاوية من القاعة لتكون ورشة مؤقتة لتخزين ومعالجة وتجهيز المواد والخامات المختلفة التي ستستخدم في عملية الانتاج.
في المحاضرات الأولى تمت مناقشة موضوع الجدارية وأهميته وإمكانية ترجمة هذه الأهمية من أفكار مجردة وأحاسيس ومشاعر الى لغة فنية بصرية قائمة على أسس وعناصر التصميم مع التأكيد على الابداع والابتكار في صياغة وبناء التكوين الفني العام للجدارية.
وفي اللقاءات التالية تم تقسيم الطلاب الى تسع مجموعات, كل مجموعة من المجموعات الثماني الاولى كانت مسؤولة عن انت اج لوحة واحدة من الجدارية, أما المجموع ة التاسعة فقد كانت مسؤوليتها تنحصر في الرب ط بين اللوح ات الجدارية الثماني بالاضافة الى عمل الزخارف الإسلامية والخطوط العربية.
وبعد عمل الدراسات التخطيطية الأولية ومناقشتها وعمل التعديلات اللازمة التي تضمن وحدة الموضوع والأسلوب بدأ الطلاب عملية التنفيذ, وقد كان الجميع يعمل بكل جد ونشاط, وقد بلغ من شغف بعض الطلاب ورغبتهم وحبهم للعمل أنهم كانوا يحضرون في أوقات أخرى غير الأوقات الرسمية المخصصة للعمل ويمتد عملهم أحيانا الى منتصف الليل, وكانوا جميعا فريق عمل واحدا يسوده التفاهم والتعاون والاحترام المتبادل, ويشعرون بالكثير من الفخر والاعتزاز كونهم يقومون بانتاج هذه الجدارية التي ستبقى شاهدة على إبداعهم واهتمامهم بتأكيد العلاقة القوية التي تربطهم بالمجتمع الذي ينتمون اليه ويشعرون نحوه بالولاء والحب والإخلاص.
* كلمة أخيرة:
استاذ مقرر الرسوم الجدارية والمشرف على مشروع جدارية المكتبة د, يوسف العمود أكد على ضرورة نقل خالص شكره وتقديره لجميع العاملين في ادارة الثقافة والمكتبات بالإدارة العامة للتعليم وعلى رأسهم مدير الإدارة سعادة الاستاذ عبدالعزيز بن مشعل المشعل وكذلك مدير المكتبة الاستاذ علي محمد العمري على التشجيع الكبير وأخلاقيات التعامل العالية التي لمسها استاذ المقرر وجميع الطلاب أثناء جميع مراحل الانتاج, وقد أشاد الجميع بالحفل الذي اقامته الإدارة بمناسبة انتهاء المشروع, وقد تم في هذا الحفل توزيع شهادات التقدير التي كان لها أثرها المعنوي الكبير في نفوس جميع الطلاب المشاركين وهم
علي العمري (1)، فارس العمري، خالد الدوسري(2)، هاني المبارك، سليمان العريفي (3)، تركي السبيعي، عبدالله الوادعي (4)، محمد الباذر، محسن شويهين(5)، علي حسين، ابراهيم الغامدي(6)، خالد العتيبي، إمام حليم(7)، علي حسن، ناصر آل نمر(8)، عبدالخالق السماعيل.
* الخطوط العربية والزخارف الإسلامية:
ابراهيم الزاير، فيصل المشاري، عقيل حكروك، حسن البوري.
|