Thursday 10th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 26 صفر


قضية للنقاش
كتاب الخيانة للوطن الأمريكي
رضا محمد لاري

يصدق حديث الوثائق في السياسة عن كل الكلام فيها، لأن رجال السياسة يتعمدون اخفاء الحقيقة عن الناس بأساليب مختلفة وملتوية يقولون مالا يفعلون أو يفعلون عكس ما يقولون.
والذين يتعاطون السياسة من خارج مواقعها الرسمية اجادوا الرقص بدون هز الوسط، على انغام طبول الزار السياسي لاخراج عفريت الحقيقة من رؤوس الناس حتى اصبح كلام الجرايد دلالة قاطعة على الكذب وحتى اصبح الكلام المريب ينعت صاحبه بالاشتغال في السياسة.
ارتأت الدول المختلفة ان تكفر عن نفسها بالاعلان عن الحقيقة بنشر وثائق مضى عليها زمن جعل معرفتها لا يؤثر على الواقع القائم بعد ان اصبحت كل الاحداث التي تتكلم عنها في ذمة التاريخ مما جعل هذه الوثائق تتميز بالصدق ليستفيد منها المؤرخون في كتابه التاريخ الانساني بعيدا عن دهاليز السياسة.
غير ان هناك من الصحافيين من ارادوا الانتقام من الكذابين عليهم وعلى الناس جميعا فاصطادوا هذه الوثائق المفرج عنها من سجن الملفات السرية واخذوا يكتبون الحقائق استنادا الى المعلومات الواردة بتلك الوثائق، ليس للسرد التاريخي لما حدث بالأمس، وإنما ليستنتجوا منها حقيقة ما يحدث اليوم تحت مظلة السرية التامة للاحداث وعرف هذا النوع من الكتابة الصحافية باسم الكتابة الوثائقية، التي تعني في دلالتها اللفظية انها موثقة بما يتوفر تحت يد الكاتب من اوراق رسمية وتعني في دلالتها الفكرية انها موثوقة بما تحمله من صدق في المعلومات.
الكاتب بل جيرتز الصحافي بجريدة واشنطون تايمز نشر كتابا باسم الخيانة يتضمن نصوص ثلاث وعشرين وثيقة سرية تم الافراج عنها من سجن السرية الامريكي بعد انقضاء مدة الحبس، وأخذ يناقش ويحلل كل ما جاء في هذه الوثائق من معلومات.
لجأ الكاتب الصحافي بل جيرتز إلى اصدار كتابه بعنوان (الخيانة) بعد ان رفضت جريدته واشنطون تايمز نشر مقالاته التي تحمل نفس العنوان وتتحدث عن خيانة رجال في السلطة للوطن الامريكي بأدلة الوثائق الدامغة على هذه الخيانة، ذلك لان الجريدة جبنت عن النشر خشية من المحاكمة والغرامة على نشر هذه المقالات.
خوف جريدة الواشنطون تايمز من نشر المقالات الوثائقية بصفحاتها ارتكز على ما جاء في مقدمة كتاب الخيانة من هرب هذه الوثائق من سجن السرية بمساعدة السجانين الذين يعارضون السياسة الامريكية ويرغبون في تكوين رأي عام يعارض الحكومة، مما يجعل تداول هذه الوثائق بين الناس بمثل جريمة يعاقب عليها القانون، لانها مطاردة من قبل السلطة التي لم تطلق سراحها من سجن السرية.
تتحدث احدى هذه الوثائق عن لقاء رسمي عقد في واشنطون بين الرئيس الامريكي بل كلينتون والرئيس الروسي بورس يلتسن تعهدت في اثنائه الحكومة الامريكية بالمساعدة على اعادة انتخاب الرئيس الروسي لمواصلة ادواره في احداث تغييرات البناء الاجتماعي والممارسة السياسية.
اعتبر الكاتب الصحافي بل جيرتز هذا التعهد الرسمي الامريكي الذي ظل في الكتمان خيانة للوطن لاهدار الخزينة العامة المال العام في ما لا طائل من ورائه بمساعدة رجل على البقاء في السلطة واحجام المساعدة عن الشعب الروسي الذي يتطلع الى الحياة الأفضل في داخل بلاده بعد تخلصه من الشيوعية.
سوء استخدام المال الامريكي فرض عداء الانسان الروسي للولايات المتحدة الامريكية التي كانت سببا في زيادة المعاناة عليه في ظل الحرية الاقتصادية عن المعاناة التي كان خاضعا لها في ظل عبودية الشيوعية فتعرضت المصالح الامريكية في داخل روسيا الى كثير من الاشكالات بسبب جهل القيادة الامريكية لطبيعة الشعوب ومصالحها مما يجعل مسلكها تجاه روسيا يمثل خيانة واضحة في حق الوطن الامريكي.
وتحدثنا الوثيقة الثانية في كتاب الخيانة عن دفع الحكومة الامريكية لشركة موتورلا إلى اعطاء الصين معلومات علمية تتعلق بانتاج واطلاق الاقمار الصناعية الى الفضاء دون ادنى مراعاة لخطورة هذه التكنولوجية من خلال توظيفها في انتاج الصواريخ العابرة للقارات والمحملة بالرؤوس النووية بكل ما في ذلك من تهديد للامن في داخل الوطن الامريكي.
يقول الصحافي بل جيرتز ان هذا العمل الامريكي يمثل خيانة للوطن لانه يمكن دولة تتناقض فكريا واستراتيجيا من ضرب امريكا بصواريخ تحمل رؤوسا نووية وتحقق الدمار الشامل للارض والقتل الجماعي للانسان المواطن، خصوصا ان التكنولوجية التي وفرتها شركة موتورلا للصين لا تفرق عند انتاجها بين اغراضها المدنية والعسكرية وغياب هذه الضوابط كان يلزم واشنطون بعدم اعطاء الصين ذلك العلم في انتاج الصواريخ البعيدة المدى لرفع القمر الصناعي إلى الفضاء الخارجي لأن انتاج هذه النوعية من الصواريخ اعطى بكين القدرة على الوصول إلينا في الوطن الامريكي بالرؤوس النووية التي تحملها الصواريخ المصنعة بها بالتكنولوجية الامريكية، وهذا في ذاته يمثل خيانة للوطن الامريكي بتعريض الامن فيه إلى التهديد بالضرب.
وثيقة من وثائق كتاب الخيانة تقول ان امريكا تغض الطرف عن المسلك الاسرائيلي في داخل الوطن الامريكي وتبرر هذا الخضوع الى وجود لعبة الضغط على القرار من قبل الدهلزة الصهيونية التي لها من القوة السياسية ما يفوق قوة المسؤولين في مواقعهم الرسمية بالسلطة.
وترتب على هذا الضغط سلسلة من الخيانات للوطن من قبل رجال في مواقع السلطة والمسؤولية خوفا على حياتهم السياسية اذا لم يستجيبوا للمطالب الصهيونية التي تدور كلها حول خدمة الوطن القومي اليهودي اسرائيل دون ادنى مراعاة لمصالح الوطن الامريكي الذي يصدر عنه القرار.
السلب والنهب للمعلومات من قبل اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية في واشنطون او تسهيل المسؤولين الامريكيين للاجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية الحصول على ما تريد من معلومات غاية في السرية لا يطلع عليها كثير من الاجهزة الرسمية الامريكية، ادت هذه الخيانة للوطن الامريكي - بالبيع للمعلومات او تسهيل الحصول عليها للحفاظ على المركز الوظيفي او غض الطرف عن سرقتها - الى اضرار بالغة خصوصا ان تل أبيب تقوم ببيع ما تحصل عليه من معلومات لدول معادية او متناقضة مع الولايات المتحدة الامريكية، مثل الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه.
نضيف من جانبنا إلى ما جاء في كتاب الخيانة اختيار أمريكا لاسرائيل لتكون حليفتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط ومصالحها في هذا الاقليم مع العرب اكثر وأكبر من مصالحها مع اسرائيل، وانعكس هذا الاختيار للحليف الاستراتيجي على المباحثات السلمية بوقوف واشنطون عمياني مع تل أبيب ضد العواصم العربية المختلفة المعنية بصورة مباشرة بالسلام,,
اكثر من ذلك وقع الاختيار الامريكي على اسرائيل لتكون زعيمة اقليم الشرق الاوسط في اتفاقية التجارة الدولية واعطائها صلاحيات واسعة تمكنها من رفض اي دولة في هذا الاقليم وحجب عضويتها عن منظمة التجارة الدولية.
نقدم هذه الاضافة عن خيانة رجال السلطة في امريكا للوطن الامريكي لندعم بذلك ما جاء في كتاب الخيانة لمؤلفه الصحافي بل جيرتز الذي رفع التهمة بخيانتهم للوطن بالوثائق التي وصلت إلى يده بعد هروبها من سجن السرية الامريكي.
يتوصل كتاب الخيانة الى ان واشنطون تنهج سياسة ناعمة وهادئة مع روسيا والصين حتى أصبحتا دولتين تقفان بالمرصاد للمصالح الامريكية في العالم، وما كانتا تستطيعان انتهاج هذه السياسة المضادة لواشنطون لولا الخيانة في الاجهزة المختلفة الامريكية التي اوصلت الثلاث والعشرين وثيقة الينا ومكنتنا من تأليف هذا الكتاب عما يدور في كواليس الادارة الامريكية من خيانة للوطن.
كنت اتمنى ان احدثكم بالمزيد عما جاء في كل هذه الوثائق التي تشكل كتاب الخيانة، ولكن حال دون ذلك انني لم اطلع على الكتاب بالكامل وانما اطلعت على بعض ما ورد به من صور الخيانة للوطن الامريكي بشهادة شاهد من اهلها هو الصحافي الامريكي بل جيرتز.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
الاســـواق
فنون تشكيلية
مقالات
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved