ترى هل يمكن ان يضيف السفر جديداً لحياتنا؟ هل يمكن ان يجعل مني ومنك إنسانا مختلفا؟ هل بامكانه ان يزيل من داخلنا ترسبات الماضي غير المرغوبة؟ بل هل بامكانه ان يغيّر فينا اشياء نريدها ونبحث عنها ونتوق للوصول إليها؟
إن مثل هذه الاسئلة وغيرها يمكن الاجابة عليها من خلال نظرتنا لمفهوم السفر ومعناه الحقيقي,, من خلال ما نقوم به ونمارسه خلاله، فالكثير منا يسافر سنويا وربما مرات عديدة في السنة، ولكن السفر لا يعني له سوى صحبة او مهمة اضطرارية او تقضية وقت فراغ ليس إلا, ولذلك لا يعدو هذا السفر كونه عادة, والكثير ايضا يسافرون وربما سنويا ولكنهم لا يذهبون سوى لمكان واحد مكرر لاعتبارات واسباب خاصة بهم, والكثير ايضا حينما يسافر ليس له سوى ان يكون تابعا فقط! ليس سوى ان يسير خلف القافلة يتوقف حينماتتوقف ويذهب حينما تذهب دون ان يكون له رأي خاص يعبر عنه كونه احد اعضاء هذه الرحلة وعنصرا اساسيا فيها وبعبارة اخرى ليس له من الامر شيء - ويحمد الله انه في رحلة!- وهل السفر كذلك؟ هل السفر ان يكون لي مجرد امتعة كغيري؟ هل السفر ان يكون لي تذكرة خاصة بي أنا فقط؟ وهل السفر لكي يكون سفراً ان يعرف عنه الجميع ويشاع بين الخلائق؟ هل هو لشراء الهدايا والملابس والكماليات وصرف المبالغ المالية الباهظة؟ وهل؟ وهل؟ان هناك اناسا لم يسافروا في حياتهم قابعين في امكانهم لا يسافرون سوى داخل حدود وطنهم وربما لا يتمكنون من ذلك، او انهم قليلو السفر، مقارنة بغيرهم، ولكنهم على سفر من نوع آخر، انهم على ذلك النوع من السفر الذي يعني الغربة والوحدة والوحشة, تجدهم بين اهليهم والناس من حولهم ولكن قلوبهم مسافرة بعيدا بعيدا جدا حيث الاحلام الوردية التي لم ولا يبدو انها سوف تتحقق، وحيث الطموحات والاماني التي لا تتجاوز مستوى التفكير والكلام لانها توأد قبل ان تصل للنور، وحيث التفكير في تلك المشكلات والهموم الاجتماعية والنفسية التي تؤرقهم صباح مساء ولا يعرفون كيفية التخلص منها او متى تنتهي,هذه الفئة حاضرة بأجسامها لاشك، ولكنها مسافرة بقلوبها وعقولها مسافرة إلى اماكن مجهولة لا تعرفها سوى هي شخصيا لأن تلك الاماكن المجهولة النائية تريحها نفسيا وتقدم لها خدمات لاتتوفر في السفر العادي!
وحقيقة الامر فكلنا مسافرون ومازلنا على سفر وننتظر محطة الوصول النهائية التي ندعو الله ان يحسن خاتمتنا ويجعلها نهاية آمنة ومريحة وبشرى خير بإذن الله.
وإذا كان السفر مطلبا وضرورة بل ترفا بالنسبة للبعض ممن تعودوا عليه وألفوه، ولمن يجدون راحتهم فيه كدواء إلا ان هذا السفر بالنسبة للبعض وسيلة للهروب من اشياء معينة تضايقهم او وسيلة للخلاص من بعض المواقف التي تقلقهم باستمرار,احيانا ننتظر وقت السفر بفارغ الصبر، تعد له العدة نستعد له بوقت مبكر كي نخرج مما نحن فيه من رتابة الحياة المملة وكآبة الاوضاع المحبطة من حولنا ولكننا ومن دون ان نشعر يصبح هذا السفر هاجسا بالنسبة لنا يصبح احيانا مصدر قلق وتوتر بل قد يصبح مصدر احباط وخيبة امل متتالية للكثير من الاسباب, منها اننا نتمنى ان نسافر كبقية البشر ونرى العالم على حقيقته وليس من خلال عيون الآخرين الذين تعودوا عليه ولكننا لا نستطيع السفر اما لقلة ذات اليد او لعدم من يهتم بنا اصلا او لعدم وجود محرم يرافقنا رغم قدرتنا على تحمل اعبائنا واعبائه المالية, أو لعدم من يعطينا كلمة اكيدة بأنه سوف يحقق حلمنا بالسفر فتارة يوافق وأخرى يرفض ومرة يقول غدا وأخرى يقول بعد غد وهكذا تمر العطلة وتمضي الايام ونحن نعيش على آمال ووعود زائفة تجعلنا مع مرور الوقت نفقد المصداقية والثقة في كل شيء حولنا وحتى لو تحققت لنا الوعود بالسفر فيما بعد فترانا نستقبلها بفتور ولا نفرح بها كما ينبغي مثل الآخرين لأن الفرحة بداخلنا انطفأت من كثرة الاحباطات المتكررة وخيبات الامل المتتالية التي نواجهها من اقرب الناس لدينا والذين قد نحسد على وجودهم لدينا كوننا محظوظين ويا ليتهم يشاهدون بأنفسهم هذا الحظ الذي يحسدوننا عليه!نحن بصراحة وفي احيان كثيرة نفقد سفرنا حلاوته ونقلل فترة استمتاعنا به اما لعدم تخطيطنا له بشكل منظم وعقلاني أو لعدم وجود اولويات او لتغليب امور عادية على امور اكثر منها اهمية, ويهون الامر لو استفدنا من اخطائنا هذه السنة او السنة التي تليها بل تكرر الاخطاء ليس منا فحسب، بل من اولئك المسؤولين عن الحجوزات ومكاتب السياحة الذين يجدوننا طعما سائغا ويحاولون ان يمتصوا جيوبنا وبارادتنا وبالذات في فترة الإجازات التي يكثر فيها السفر.
نحن لا ننكر ان مدى الوعي قد تطور لدى الناس في الفترة الاخيرة وبالذات في امور السفر والطيران ولكنه يظل وعيا محدودا جدا جدا إذا ما قورن بمستوى الوعي لدى غيرنا من الشعوب الاخرى الاكثر تنظيما وترشيدا وتبقى المسألة هي مسألة شخصية في المقام الاول,وإذا كان السفر يعني لنا شيئا كبيرا فهو بالنسبة لغيرنا لا يعني شيئا أبدا لأنهم لا يعرفون عنه سوى اسمه سوى انه كلمة مكونة من ثلاثة احرف!ونحن كثيرا ما نقول إن الشخص حينما يسافر يفترض ان ينسى كل شيء خلف ظهره ويستمتع بكل دقيقة في هذا السفر خاصة حينما يندر سفره، ولكن هذا لا يعني ان ينسى الانسان اهله حينما يسافر، لا يعني ان يستمتع بينما قلب امه وأبيه أو زوجته يتفطر لعدم سماع اخباره والاطمئنان عليه، لا يعني ان يتجاهل ان هناك من قلبهم معلق به يخافون عليه ولو مرة واحدة فترة السفر التي قد تستمر شهورا وقد تستغربون ذلك، ولكن هناك فئة - هداها الله - قلوبها قوية تنسى كل شيء بمجرد ان تحصل على اي شيء، لا يهمها حتى مجرد رفع سماعة التليفون لتطمين اقرب الناس اليها على اخبارها, ولا تعتقدون اننا نتحدث فقط عن السفر للخارج، بل حتى عن السفر الداخلي,قلوبنا نحن كرجال ليست كقلوب امهاتنا, نحن قد نتحمل كل شيء ولكن امهاتنا حفظهن الله يكفيهن سماع اصواتنا من فترة لاخرى ليس فقط لانهن يردن الاطمئنان علينا - وهذا من ابسط حقوقهن علينا - ولكن لان مجرد الاتصال عليهن شخصيا يشعرهن بقيمتهن واعترافنا لهن بالجميل هذا الاتصال البسيط سوف يرفع روحهن المعنوية ويشعرهن ان الدنيا بخير.
ولك يا أخي الكريم ان تتصور درجة الفرحة حينما ترجع لهن وبيدك هدية خاصة بهن تعطيها اياهن انت شخصيا دون وسيط، تخيل ذلك الدعاء الكثير الذي سوف يسبغنه عليك ليس لمجرد الهدية في حد ذاتها ولكن لانك تذكرتهن واشعرتهن انه مازال هناك مكان لهن في قلبك لن ينسى مع السفر وتوالي الايام,نحن غالبا ما نفكر بماذا سوف نعمل في السفر وكم سنمكث وكيف نستمتع الى آخر دقيقة منه ولكننا نتجاهل من بصحبتنا، نقول لهم شيئا ونسأل عن شيء آخر! نفرض رأينا عليهم بحجة اننا نحن أولياء الامر حتى في صغائر الامور التي لا تحتاج إلى ان نستبد برأينا! نقوم بكل أمر السفر وكأننا لوحدنا، ولو أدركنا ان لكل شخص في رحلة السفر الحق في ان يبدي رأيه ويقول كلمته ويشارك بأي شيء مهما كان بسيطا لاصبحت الرحلة اجمل مما نتصور لان السفر لنا نحن وليس لي انا, انها على كل حال مجرد خواطر ليس إلا,.
** همسة **
أتعرف ؟
تضايقت كثيرا,.
حينما علمت خبر سفرك,.
تألمت أكثر وأكثر,.
حينما اقترب موعد رحيلك,.
***
جلست افكر وأفكر,.
ظللت أتساءل,.
كيف ستكون الحياة,.
وأنت بعيد.
كيف سأتحمل الغياب,.
أثناء سفرك,,؟
***
ولكنني,, حينما راجعت نفسي,.
حينما تأكد لي,, انك كنت وما زلت,.
على سفر دائم معي,.
بقلبي وروحي وعقلي,.
مهما حللت وارتحلت,.
مهما سافرت وابتعدت,.
***
حينها قلت:ليكن السفر,.
انه لن يرحل بعيداً,.
لن يغيب طويلا,.
انه مازال في قلبي,.
يتنقل بين روحي وعقلي,.
فكيف يكون مسافراً؟
كيف يكون بعيداً؟
د, فهد حمد المغلوث