العدل في المصطلح الاسلامي -هو الضد والمقابل للجور والظلم,, لابالمعنى السلبي، فقط، اي نفي الجور والظلم وغيبتهما,, وانما بالمعنى الايجابي، المتمثل في سيادة الوسطية الاسلامية الجامعة التي لاتنحاز الى قطب واحد من قطبي الظاهرة، وكذلك لاتنعزل عنهما معا ولاتغايرهما كل المغايرة، وانما تجمع عناصر العدل والحق فيهما، مكونة الموقف العادل بين ظلمين، والحق بين باطلين ، والمعتدل بين تطرفين,, فالعدل: هو التوسط,, والوسطية الجامعة لعناصر الحق من اقطاب الظواهر موضوع الدرس ومحل النزاع والاستقطاب,.
وهذا المعنى -للعدل- في المصطلح الاسلامي- هو الذي يشير اليه حديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، الذي يقول:الوسط:العدل,, جعلناكم أمة وسطا (1)
والعدل - في شرعة الإسلام- فريضة واجبة، وضرورة من الضرورات الاجتماعية والانسانية، وليس مجرد حق من الحقوق، التي لصاحبها ان يتنازل عنها ان هو اراد ذلك، او ان يفرط فيها، بالاهمال، دون وزر وتأثيم,,انه فريضة واجبة، فرضها الله سبحانه وتعالى، على الكافة دون استثناء، بل لقد فرضها على ذاته، سبحانه، بالمعنى اللائق بالذات، حتى لقد جعلها اسما من اسمائه الحسنى,, وفرضها على رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأمره بها:(فلذلك فادع واستقم كما أُمرت ولاتتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لاحجة بيننا وبينكم) (2) ,, وفرضها على اولياء الامور، من الولاة والحكام والرعاة، تجاه الرعية والمتحاكمين:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) (3)
بل لقد انبأنا الله، سبحانه وتعالى، ان هذه الامانة التي فرض على الانسان حملها واداءها كانت هي المعيار الذي تميز به الانسان وامتاز عن غيره من المخلوقات غير المختارة: إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (4) ,, ومن المفسرين من قالوا: انها امانات الاموال، والعدل بين الناس فيها,, وفرضها معيارا للعلاقة بين الرعية وبين اولي الامر - الدولة او السلطان- يشير اليه حديث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، الذي يحدث الولاة عن تكافؤ العقد بينهم وبين رعيتهم، محذرا اياهم من التفريط بما عليهم تجاه الرعية، في سياق حديثه الى الرعية عن علاقتهم بالولاة والائمة :ان لهم -(الائمة)-عليكم حقا، ولكم عليهم حقا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وان عاهدوا وفوا، وان حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين (5)
والعدل فريضة في مجتمع الاسرة- الذي هو لبنة بناء مجتمع الامة - يشير اليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:اعدلوا بين أبنائكم (6) ,, وتعنيه الآية القرآنية التي تقرر ما للمرأة وما عليها:(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (7) ,, وتلك التي تعلق التعدد في الزوجات على تحقق العدل بينهن :(فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) (14) .
انها - العدالة- فريضة شاملة لكل ميادين الحياة: عدل الولاة في الرعية,, وعدل القضاة في المتحاكمين,, وعدل الانسان في اهل بيته,, ولهذا الشمول كانت اشارة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه:المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماوَلَوا (8)
ويستوي في وجوب العدل، ان يكون تجاه الغير او حيال النفس,, بل ان تحريم الاسلام ظلم الانسان لنفسه لمن اكبر الادلة على ان العدل ضرورة وفريضة، وليس مجرد حق من الحقوق,, وإلا لجاز للإنسان ان يتنازل عن حقه فيه فيظلم نفسه!(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرا, إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لايستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا, فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّا غفورا) (9)
وحتى هؤلاء المستضعفين، فرض الله على القادرين الجهاد لتحريرهم من الاستضعاف:(وما لكم لاتقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا) (10)
وتؤكد هذا المعنى - تأثيم ظلم الانسان لنفسه- الآية الكريمة:(الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ماكنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون, فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) (11)
كذلك يستوي في وجوب العدل ان يكون تجاه (العدو) كما هو واجب تجاه (الولي),, فالعدل شيء و الموالاة - اي النصرة- شيء آخر,, واذا كان الاسلام ينهى المسلمين عن مولاة- اي نصرة- اعدائهم، الذين يقاتلونهم في الدين او يخرجونهم من الديار، او يظاهرون على اخراجهم منها,, فإنه يوجب عليهم العدل حتى مع الاعداء، ومع من يكرهون :(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) (12) (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلاتتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) (14)
واذا كان العدل فريضة واجبة، وضرورة اجتماعية للإنسان وعليه، تجاه نفسه، وتجاه الآخرين، موالين ومحبوبين أكان هؤلاء الآخرون ، أم معادين مكروهين، فإنه كذلك فريضة وضرورة في مختلف الميادين، في القانون وأمامه، وفي الشئون الادبية والمعنوية، وفي امور المال والثروة والاقتصاد والمعاش,, اي التكافل الاجتماعي,.
التكافل الاجتماعي:
التكافل: هو التضامن والاعالة والرعاية، على النحو الذي يجبر القصور الحادث لدى طرف من اطراف علاقة التكافل,, فهو تفاعل بين طرفين او اكثر,, والتكافل الاجتماعي,, نظام يقيم علاقة التفاعل والتضامن والاعالة والرعاية بين اعضاء الاجتماع الانساني في مجتمع من المجتمعات,.
والى هذا المعنى تشير الآيات القرآنية:(وماكنت لديهم اذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم) (15) و (هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه لكم ) (16) و (ولاتنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً) (17) ,.
والتكافل الاجتماعي، في الفلسفة الاجتماعية الاسلامية، مؤسس على القاعدة الاسلامية الكلية، قاعدة ارادة الله سبحانه وتعالى، قيام التوازن والموازنة والميزان بين الافراد والطبقات والجماعات والاطراف، في مختلف امم وانواع المخلوقات.
لقد تفرد الخالق، سبحانه وتعالى، بالوحدانية، لايشركه فيها مخلوق من المخلوقات,, فجميع من عداه وما عداه -في كل عوالم الخلق- قائم على التعدد والتزاوج,,ولذلك كانت فلسفة الاسلام،لاقامة العدل، والعلاقة الصحية بين الازواج والمتعددين، في الميول والمصالح والطاقات والامكانات والاحتياجات والمقاصد هي التوازن والموازنة، اي التكافل، الذي يقيم ويحافظ على نسيج الاجتماع، وذلك حتى لايسير التناقض والتنافر بالاطراف المختلفة الى الصراع والدمار.
فعدل الله، سبحانه وتعالى، هو الميزان ، الذي انزله الله مع الكتاب لتستقيم كل شئون الاجتماع، ومنها شئون الاجتماع الانساني (الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان ) (18) (وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)(19),, فالعدل الالهي هو اداة التوازن في مختلف ميادين الحياة,.
ولان الله قد استخلف الانسان - مطلق الانسان- في الثروات والاموال، فلقد حدد للخلفاء والوكلاء- المستخلفين في الثروات والاموال المعالم التي تقيم التكافل بينهم وتحقق التوازن لهم في هذه الاموال والثروات، معالم التكافل والتضامن والاشتراك، المؤسس على حل مصدر الحيازة،وحل انواع الانفاق والتنمية والاستثمار، والاكتفاء في الاختصاص بحد الكفاية، وتدوير مازاد عن ذلك للصالح العام لعموم المستخلفين,, فما زاد عن كفاية التكافل الخاص ينفق ويوظف لاقامة التكافل العام ,, والانفاق - في العرف الاسلامي- لايقف عند الصدقات، وإنما هو مطلق توظيف المال الحلال في كل وجوه الاستثمار في جميع ميادين النفع والتكافل العام.
وهذا التكافل الاجتماعي الاسلامي في شئون المعاش- المادية والاجتماعية- لايعني المساواة الحسابية بين افراد المجتمع، وانما يعني التوازن الذي يحقق حد الكفاية للجميع، وضبط التفاوت بضوابط الحلال الديني والكفاءة في العطاء، مع وضع سقف للتفاوت يمنع الاحتكار والاثرة والطغيان,, انه المحقق لغنى الكفاية للجميع، مع فتح ابواب الثراء امام الكفاءات والامكانات، بعيدا عن الكنز المعطل لدوران عجلة التنمية والاستثمار، وبعيدا عن الاستفراد الذي هو المقدمة للطغيان,.
وعن هذه الفلسفة التكافلية، التي حققها الاسلام في الثروات والاموال، تحدث الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال:والذي نفسي بيده، ما من احد الاوله في هذا المال حق، أُعطيه او مُنعه! وما احد احق به من احد,, وما انا فيه الاكأحدهم!,, فالرجل وبلاؤه,, والرجل وقدمه,,والرجل وغناؤه,, والرجل وحاجته (20) ,.
وتحدث الامام علي بن ابي طالب، كرم الله وجهه فقال:ان الله فرض في اموال الاغنياء اقوات الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غني!,, إن الغنى في الغربة وطن! والفقر في الوطن غربة! وان المقل غريب في بلدته !,, (21) ,.
انه الميزان يعتدل بالتكافل ، ويختل بغيبته، فماجاع فقير الا بما متع به غني!,, وهو حق معلوم,, اي فريضة إلهية، وتكليف شرعي,.
اما خامس الراشدين، عمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنه، فلقد رسم لهذا التكافل الاجتماعي- الذي اعاد العدل لموازينه بعد ان اختلت - صورة تجسد فلسفته الإلهية، عندما قال: إن اهلي اقطعوني مالم يكن لي ان آخذه، ولالهم ان يعطونيه!,, وإن الله، تبارك وتعالى، قد بعث محمدا، صلى الله عليه وسلم، رحمة الى الناس كافة، ثم اختار له ماعنده، فقبضه اليه وترك للناس نهرا شربهم فيه سواء!,, ثم قام ابو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولي عثمان اشتق من ذلك النهر نهرا!، ثم ولي معاوية فاشتق منه الانهار!، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد، ومروان، وعبدالملك، والوليد، وسليمان، حتى افضى الامر اليّ، وقد يبس النهر الاعظم! ولن يروى اصحاب النهر حتى يعود اليهم النهر الاعظم علىماكان عليه (22) .
ذلك ان غيبة التكافل الاجتماعي انما تعني حلول الخلل محل التوازن والاتزان والتضامن بين الجماعة الانسانية في المجتمع، فيتركز الثراء في جانب، ويتركز الفقر في جانب,, ولذلك كان مجتمع التكافل الاجتماعي هو النقيض لمجتمع دولة الاغنياء ، الذي تحدث عنه القرآن الكريم في كثير من الآيات، ومنها (ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب) (23) , ومنها، تلك الاية التي تعلمنا سنة الله في الاجتماع الانساني,, سنة ان الاستغناء والاستفراد والاثرة والاستئثار لابد وان تكون المقدمة المفضية الى الطغيان !,, (كلا ان الإنسان ليطغى, أن رآه استغنى) (24)
ومنها ، الايات التي تتحدث عن ان غيبة تكافل التوازن الاجتماعي ، عندما تفضي الى خلل تركز الثروة في جانب، وتركز الفقر في جانب آخر ، ستثمر ترف القلة، والمفضي الى البطر والضلال والكفر، (وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون, وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا ومانحن بمعذبين ) (25) (قالوا ياشعيب اصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا او ان نفعل في اموالنا مانشاء انك لانت الحليم الرشيد) (26) ,, وهي -الترف- ذات السنة التي تؤدي الى انهيار الحضارة وتراجع العمران (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) (27) ,, فالدمار هو اختلال التوازن، وتقطيع روابط التكافل، الذي يتأسس عليه العمران.
(1)رواه الترمذي والامام احمد.
(2)الشورى:15
(3)النساء:58
(4)الاحزاب:72
(5)رواه الامام احمد
(6)رواه البخاري ومسلم والنسائي وابو داود والامام احمد.
(7)البقرة:228
(8)النساء:3
(9)رواه مسلم والنسائي والامام احمد.
(10)النساء:97-99
(11)النساء:75
(12)النحل:28،29
(13)المائدة:8
(14)النساء:135
(15)آل عمران:44
(16)القصص:12
(17)النحل:91
(18)الشورى:17
(19)الحديد:25
(20)ابن سعد (كتاب الطبقات) ج2 ق ا ص215، 216،219طبعة دار التحرير القاهرة.
(21)نهج البلاغة ص 408، 275،359طبعة دار الشعب القاهرة.
(22)الاصفهاني (كتاب الاغاني)ج9 ص3375, طبعة دار الشعب, القاهرة.
(23)الحشر:7.
(24)العلق:6،7.
(25)سبأ: 34،35.
(26)هود:87.
(27)الاسراء:16,ات
|