جمعتني بالدكتور عبد العزيز الثنيان مقاعد الدراسة في المرحلتين الجامعية والماجستير ومن ذلك الوقت ربطتني به اواصر الصداقة: لأنني وجدت فيه كثيراً من أخلاق الرجال التي تأسرني ومن مكارم الأخلاق التي تكبّلني، وعندما اصبح مسؤولاً زاد اعجابي به لما رأيته فيه من حس وطني وتعالٍ على الكرسي الدّوار، وتواضع رفعه حين وضع الآخرين ما اعتراهم من كبرياء الوظيفة.
ولذا عندما أهداني كتابه (بوح الذاكرة) الذي سجل فيه طرفا من تجربته في التربية والتعليم، سارعت الى قراءته وقد جذبني اسلوبه الأدبي كما جذبتني تجاربه الادارية.
(بوح الذاكرة) تعبير عن بعض المواقف الادارية في تجربته التي استمرت ربع قرن, والادارة بالموقف من اهم نظريات الإدارة، فالموقف يملي على المدير ان يتخذ قراراً، قد يكون القرار متمهلاً وقد يكون سريعاً كما هو حال من يعمل في العمل الاعلامي مثلي، ومن يتردد في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب كمن لا يملك القرار الحاسم في وقته.
على ان من اهم ما يميز المدير ذا القرار بالموقف مخافة الظلم ممن يحمل بين جنبيه قلباً مؤمناً، فالظلم مرتعه وخيم، فمن يكون وصفه كذلك يحرص على ان يكون قراره حازماً بعيداً عن الحيف، أما من يصدر القرار كيفما اتفق فسوف يلقى ربه وقد طوق عنقه بطوق من المظالم.
متعة التجارب الادارية في القراءة أنها جاءت من الواقع لا من الخيال، وستكون مفيدة اذا كتبها صاحبها متجرداً من الهوى، مبتعداً عن تمجيد الذات، وعندما اطلعت على كتاب (بوح الذاكرة) وجدت فيه الفائدة الادارية والمتعة الأدبية التي قد لا تعني المهتمين بالادارة بقدر ما يعنيهم المعلومة الادارية,, وسأضرب مثالاً واحداً من هذا الكتاب، فالمجال لا يتسع لأكثر من ذلك، فعندما قرأت الموضوع الأول منه تحت عنوان (ما هي صلاحيتك؟) تذكرت مواقف كثيرة مشابهة لأن سببها واحد هو ان المدير الجديد عندما يأتي يظن ان كل شيء من صلاحياته وبخاصة من يأتي من خارج الجهاز او يقفز دون سابق خبرة ثم يستعين بمستشار أجهل منه فيورطه اكثر، بدلاً من ان يقوِّم اعوجاجه كما يقول علماء الادارة، فيصبح كالمستجير من الرمضاء بالنار.
إنني ممن يحبذ ان يكتب المجربون تجاربهم، فقد وجدت في بعض التجارب من الفوائد ما لم أجده في كتب الادارة، فالادارة علم في ضوابطها، فن في ممارستها وفي الممارسة يكون الحكم بالنجاح والاخفاق على المدير، والمدير الناجح هو من يتعامل مع المواقف كل حسب ما يناسبه، ويتصرف مع الموقف حسب المجتمع الذي يعيش فيه كالطبيب الذي يصف لكل مرض ما يتلاءم معه، أما المدير الحافظ للقوانين الادارية فيحشر كل القضايا في زمرة واحدة ويعاملها معاملة واحدة فيصيب في بعضها ويخطىء في بعضها الآخر,
ومن هنا فان تجارب المتقدمين مرايا للمتأخرين كما قال أبو حيان التوحيدي.
د, عائض الردادي