أول مرة وآخر مرة شاهدت فيها الاستاذ طارق عبدالحكيم يغني على الطبيعة كانت قبل أكثر من ثلاثين سنة، على سطح نادي الهلال بشارع الظهيرة بمناسبة فوز الهلال بإحدى البطولات التي لا تحضرني الآن, ولم أسعد في طفولتي كما سعدت تلك الليلة, فقد جمعت تلك الحفلة كل الوجوه التي كنت أتمنى رؤيتها, فناني المحبوب طارق عبدالحكيم وكافة لاعبي الهلال مثل صالح أمان ومحمود زرد والكبش وكندا (الرزقان) والكوش وسمارا وزين العابدين وحامد عباس وفرج مبروك وبالطبع مبارك عبدالكريم (شق الفنيلة يا مبارك), وعندما أمرُّ هذه الايام الى جوار نادي الهلال الذي اقيمت فيه هذه الحفلة استغرب كيف استطاع السطح ان يستوعب الناس التي حضرت تلك الحفلة, ولكن لكل زمان مقاييسه.
كانت مشاهدة طارق عبدالحكيم أو عبدالله محمد أو أيّاً من الفنانين الكبار حلما من الاحلام, وقد سبب لي هذا الحلم مشكلة كبيرة قبل هذه الحادثة في مدينة الطائف، حيث كنا نسكن في ضاحية اسمها الحوية (عسى الحوية مقر السيل؟), ولم تكن المواصلات بين الحوية ومدينة الطائف متيسرة إلا في أوقات محددة (كأننا في أوروبا), كلها كانت في النهار حيث يتحرك آخر باص (أنيسة) من الطائف إلى الحوية بعد صلاة المغرب ومن تخلف عن هذا الباص أما ان ينام في الطائف او أن يستأجر تكسي على حسابه.
تناهى الى سمعي ان الاستاذ طارق عبدالحكيم سوف يقيم حفلة غنائية في مكان ما بالقرب من حي الشرقية, وقد سيطر عليّ الشوق العارم لحضور هذه الحفلة, ومشاهدة طارق وتكحيل عيني برؤياه على حد تعبير (حداثيي الشعر الشعبي), وقد كنت صغيراً لأبقى وحدي في الطائف, كما ان والدي لايمكن ان يوافق على حضوري حفلة لطارق عبدالحكيم أو حتى لبيتهوفن, فهو لن يقبل الفكرة من أساسها, ولكن لكل انسان حساباته, ففي لحظة وصول باص ما بعد صلاة المغرب سللت نفسي من يد والدي ومن بين حشد المنتظرين, وجريت بكل ما استطيع حتى وصلت حلقة الخضار، ثم عدت مرة اخرى إلى برحة ابن عباس, وهكذا أخذت أجوب وسط البلد حتى أتيه بوالدي ومن معه, وبعدها لا اعرف ما حل بوالدي من رعب لأني ذهبت على الفور إلى حي الشرقية ابحث عن طارق عبدالحكيم, وبعد ثلاث ساعات تقريبا كنت أبحث فيها عن طارق عبدالحكيم ووالدي يبحث عني، عثرنا على بعضنا بعد ان حفيت اقدامنا, فأكلت ضربة لا أنساها أبداً لسببين: لأنها كانت ضربة موجعة، والسبب الثاني وهو الأهم، لأنها من أجل الفن، فاعتبرتها الامتداد المادي والطبيعي لتباريح الفن الوجدانية, ومنذ ذلك الحين وأنا لا أنسى أي أغنية لطارق عبدالحكيم وخصوصا أغنيتيه الشهيرتين (أبكي على ما جرى لي يا هلي) وأغنية (قلت يكفي البعد يا آسيني).
وقد سمعت ان الاستاذ طارق عبدالحكيم عبّر عن احتجاجه على الطريقة التي غنى بها عبدالمجيد عبدالله اغنية (أبكي على ما جرى يا هلي), بسبب السرعة التي ادخلها على الاغنية, وبالفعل عندما اقارن بين طريقة طارق عبدالحكيم في غنائها وبين طريقة عبدالمجيد عبدالله اشاهد بوضوح الفرق بين الماضي وبين الحاضر,, بين الايقاع الهادئ، المتباطئ لاداء طارق عبدالحكيم وبين الايقاع السريع الذي استخدمه عبدالمجيد عبدالله,, وهي في الواقع مقارنة بين حياتين وبين زمانين، فقد فات الاستاذ طارق عبدالحكيم في نقده للاسلوب السريع ان الاغنية في وقتنا الحاضر تسمع اكثر من عشرين مرة في اليوم الواحد حتى دون إرادة المستمع بسبب توفر وسائل حفظها واعادة بثها بوسائل مختلفة، فالحياة اليوم إذا لم تضع نفسك في اقصى سرعة سيتجاوزك الآخرون.
ولو ان المستمع الصغير شاهد طارق عبدالحكيم وهو يغني ابكي في سطح نادي الهلال وترديده لها ثم التوقف واقحام موال لا مبرر له والتمطيط وصراخ الجماهير مطالبين بالاعادة ثم يعيد حسب طلب الجماهير ثم يدخل في موال جديد ثم يخرشهم بالعود ثم يبدأ الاغنية من جديد,, وهكذا والجماهير تطالب بالمزيد من هذا لربما أصيب بالصرع وخصوصا انه سوف يقود سيارته بعد السهرة وربما سمع نفس الاغنية وعندما يصل إلى البيت ويفتح التلفزيون سيسمع نفس الاغنية.
فلا يمكن ان يقبل ان تكون الاغنية إلا بالصيغة التي طرحها الاستاذ عبدالمجيد عبدالله,, وأرجو ألا يغضب أو يتكدر استاذنا الكبير عندما يسمع الزمان وهو يقول بوضوح: باي باي طارق عبدالحكيم,
وكلٌّ سيسمع الباي باي والذي لا يسمعها اليوم سيسمعها باكر.
عبدالله بن بخيت