عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الآونة الاخيرة زخرت الصحف بالعديد من المقالات التي يعبر اصحابها عن رأيهم في موضوع (الضرب في المدارس) وذلك بين مؤيد للضرب، وبين معارض له, - وكل رأي يحمل وجهة نظر صاحبه الخاصة.
وكان آخر هذه الآراء ما جاء في العدد رقم 9733 - من جريدة الجزيرة الغراء - تحت عنوان (الضرب في المدارس اثمر أولئك الرجال) حيث كتب الاخ محمد بن عيسى الكنعان - مؤيداً للضرب في المدارس - بل اعتبره وسيلة تربوية (!!!) وعلامة حضارية (!!!)، واكد على ان الضرب في المدارس من (التراث) الذي يجب التمسك به والمحافظة عليه!! وانه من شيم (السلف) الذين يجب الاقتداء بهم، والسير على نهجهم!
وهذا القول مجافٍ للحقيقة، ومنافٍ لابسط القواعد التربوية، ويتعارض مع مقومات التربية السليمة ويخالف حقائق العقل، واصول المنطق السليم، لان كل الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، سواء اكانت دراسات عربية او اوربية، شرقية او غربية، - كلها حذرت من مخاطر الضرب في المدارس ومن مغبة الآثار المترتبة عليه.
والكاتب حر في رأيه - وله ان يعرضه بالطريقة التي يراها - ان الضرب في المدارس من التراث الاسلامي الذي يجب المحافظة عليه، والعض عليه بالنواجذ ! - فنقول له : (لا):
- فها هو ابن خلدون - في مقدمته الشهيرة - يرفض الشدة مع المتعلم، وقهر الولد المتعلم.
- وابن الازرق في كتابه (بدائع السلك في طبائع الملك) يرى ان (الشدة مضرة لاسيما في اصاغر الولدان فمن تربى بالقهر عاد عليه ذلك بضيق النفس، وذهاب النشاط، وحصول الكسل، والحمل على الكذب، والخبث والمكر، والخديعة).
- والإمام الغزالي يقول في الاحياء في تعداده لوظائف المعلم - (الوظيفة الرابعة: وهي من دقائق صناعة التعليم: ان يزجر المتعلم عن سوء الاخلاق بطريقة التعريض ما أمكن، ولايصرح، وبطريقة الرحمة لابطريق التوبيخ، فان التصريح يهتك حجاب الهيئة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الاصرار ولان التعريض ايضاً يميل النفوس الفاضلة والاذهان الذكية الى استبساط معانيه).
والمعلم اكبر سناً، واكثر علماً، واكثر ورعاً، وينبغي ان يتمتع بخصائص عقلية ونفسية واخلاقية، وبصفات خلقية - وخلقية مثالية وان يتسم بالوفاء وعدم القوة وان يعامل الطلاب على انهم اصحابه:
فمتى كان الضرب في المدارس دليل حضارة كما يدعي الاخ كاتب المقال؟ واي حضارة في ان يعود اليك ولدك من المدرسة وقد فقئت عينه، وسلخ ظهره؟ وكسر ذراعه؟
يعلل الاخ - وقوفه في خندق المدافعين عن الضرب في المدارس الى انه (لاعادة هيبة المعلم المغيبة الآن)!
ونتساءل : هل الضرب والعقاب الجدي للطلاب هو الذي سيزيد من هيبة المعلم ؟ هل العصا هي التي ستجعل الطلاب يحترمون المعلم؟ هل الصفع على الوجه هو الذي سيعيد للمعلم هيبته الغائبة (على حد زعمه)؟
ان هيبة المعلم تكمن في شخصيته القوية، وعلمه الواسع واسلوبه التربوي الناجح.
يغالط الاخ كاتب المقال - كثيراً - عندما يؤكد انه يستشف كون الضرب في المدارس وسيلة تربوية وعلامة حضارية من الارشاد النبوي الشريف مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها لعشر .
وفي رأيي ان هذا الاستشهاد في غير موضعه - وهو بذلك قد حمل الكلام على غير محمله، وساقه في غير مساقه لان هذا الحديث يوضح اهمية التربية الاسلامية المبكرة، ولان تارك الصلاة كافر بإجماع الآراء - ولأنها عماد الدين ومن تركها فقد ترك الدين فقد امرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ان نضرب ابناءنا لتركها بعد ان نأمرهم بها لمدة ثلاث سنوات كاملة، لان الاب اذا ظل يأمر ولده من سن السابعة حتى سن العاشرة ولم يصل فانه بذلك يكون مستحقاً للعقوبة، - لان هذه العقوبة - وهي الضرب - ستكون منقذة له من خطر عظيم جداً الا وهو ترك الصلاة الذي يقوده الى جهم وبئس المصير فهل يصح هنا القياس؟ - لا لان التقصير في العبادة له شأن خاص، فهل نسوي بين الضرب لترك الصلاة، والضرب لان الطالب قام بتجليد دفتره باللون الازرق، - بينما المعلم يريده باللون الاخضر؟!
- هل نسوي بين ضرب المعلم وضرب الاب؟
لاشك ان هناك فرقاً كبيراً بين عاطفة الاب وعاطفة المعلم وبالتالي بين ضرب الاب الرؤوف الرحيم بأولاده وضرب المعلم الذي يعاني من ازمات نفسية او اجتماعية او اسرية فيفرغ هذه الشحنة بأقرب متعامل معه وهم الطلاب.
ان غرس العلم التعليمي اذا اردنا له ان ينبت، وينمو، ويزدهر - فلا بد له من مقومات - اولها - واهمها - ان يكون عمل المعلم - وكل القائمين على العملية التعليمية - ان يكون عملهم قائماً على اساس من تقوى الله، ومراقبتة والخوف منه، وان العمل امانة سوف يحاسبون عليها امام الله عز وجل.
ان نوع الامة يتوقف على نوع المواطنين الذين تتكون منهم ونوع المواطنين يتوقف الى حد كبير على نوع التنشئة التي يتلقونها , وان اهم العوامل في تقرير نوع التنشئة هو نوع المعلم، ذلك ان وظيفة المعلم ليست تعليمية فقط - اي تلقين الدروس للتلاميذ - بل انه يقوم بتزويدهم بالمعارف والمهارات والسلوكيات اللازمة لجعلهم ايجابيين في مواجهة مشكلات مجتمعاتهم وتنمية قدراتهم ليتمكنوا من الحياة في عصر فرضت فيه المدنية الحديثة على اختلاف تجلياتها النظرية والتقنية معطياتها على اركان المعمورة.
لذا - يجب ان تتركز اهتماماتنا على النواحي التالية:
- هل تقوم المدرسة بواجبها التربوي الىجانب دورها التعليمي، وكذلك المعلم؟
- هل يعطي المعلم اهتماماً للاهداف الوجدانية، والمهارية التي ينبغي عليه ان يحققها خلال الحصة الدراسية؟
- هل يحرص المعلم على اكتساب تلاميذه للقيم والمهارات، والخبرات الحياتية؟
- كيف يمكن معرفة ان هذه الاهداف سابقة الذكر قد تحققت لدى التلميذ؟ وماهي معايير تحقيقها؟
اعتقد ان هذا هو الاهم وهو مايجب مناقشته بعد ان طال النقاش حول موضوع (الضرب في المدراس).
ونختتم بما قاله معالي وزير المعارف من انه (على الرغم من التعميمات المشددة علىالمدارس تبلغني حالات طلاب ضربوا ضرباً نجم عنه اذى بدني او نفسي بليغ، فكيف لو ابيح الضرب؟) (1) !
ونكرر بدورنا نفس السؤال : اذا كان هذا هو الحال رغم منع الضرب بالمدارس بقرارات وزارية؟ فكيف سيكون الحال لو ابيح الضرب؟
كرم عبدالفتاح حجاب
جامعة الإمام - الرياض
(1) مجلة المعرفة - العدد 31 - شوال 1418ه