Saturday 26th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 12 ربيع الاول


خريطة سياسية جديدة في إسرائيل
د, علي الدين هلال

اذا تجاوزنا ردود الفعل الاولية لنتائج الانتخابات الاسرائيلية، والتي عكست ارتياح كثير من التعليقات العربية للتخلص من نتنياهو، وتأملنا في دلالة الانتخابات الاسرائلية ونوع الخريطة السياسية التي افرزتها انتخابات الكنيست (البرلمان) الخامس عشر, وما يمكن ان تسير إليه من دلالات بشأن مستقبل الحياة السياسية في اسرائيل.
ونقطة البدء في فهم ذلك هو ادراك ان الحملة الانتخابية التي دارت خلال عام 1999 كانت اساساً حول قضايا داخلية، ففي الانتخابات السابقة كان معيارالتقييم للاحزاب المختلفة هو الموقف تجاه الفلسطينيين والعلاقة مع العرب، وسعى انصار الليكود الى الزج بقضايا السياسة الخارجية والدولة الفلسطينية والوجود الفلسطيني في القدس لكي يتم الفرز السياسي بناء على ذلك ولكن الرأي العام الاسرائيلي لم يستجب لذلك، فقد ساد الشعور بأنه رغم وجود عقبات في عملية التسوية السلمية، فإن مسار تلك العملية لن يعود الى الخلف, قد يتوقف احيانا، ولكنه يعاود مسيرته, وقد نجح باراك ومؤيدوه في ابراز النتائج الاقتصادية والاجتماعية السلبية المترتبة على سياسات حكومة الليكود, وخاضوا الانتخابات حول قضايا الداخل، وفوتوا على نتنياهو فرصة تأجيج المشاعر الوطنية لصالح مواقفه المتطرفة.
وتشير نتائج الانتخابات الى عدد من النتائج، اولها، تراجع نصيب الحزبين الكبيرين - العمل والليكود - من مقاعد البرلمان، فالعمل تراجع من 32 مقعداً الى 27 مقعداً، والليكود من 34 مقعدا الى 19 مقعداً, وثانيها، انهيار القوى اليمينية الوطنية المتطرفة فالليكود فقد قرابة نصف مقاعده، كما خسرت الاحزاب المؤيدة للمستوطنين في الاراضي العربية المحتلة, وثالثها، ازدهار احزاب الوسط والتي تتضمن عددا من احزاب المهاجرين الروس, ورابعها، بزوغ حزب شاس كثالث اكبر حزب، فقد زاد عدد مقاعده من 10 مقاعد الى 17 مقعداً، وتبدو غرابة ذلك في انه حدث في الوقت الذي صدر فيه حكم قضائي ضد رئيس هذا الحزب بالسجن لاتهامه بالرشوة وانحرافات مالية.
والانهيار الذي اصاب الليكود لم يأت من فراغ, فقد تسببت فيه سلسلة الانقسامات والانشقاقات التي حدثت بسبب سياسة نتنياهو وعدم استعداده لمشاركة اقرانه في السلطة, وترتب على ذلك تحول عدد من قادة الليكود مثل ميرودور وزير المالية، وموردخاى وزير الدفاع، وليفى وزير الخارجية الى خصوم سياسيين له.
ولكن انشقاق تلك الاسماء الكبيرة تضمن دلالة اهم فيما يتعلق بالقاعدة الانتخابية لليكود, فتاريخيا، صوت اليهود الشرقيون لصالح الليكود لانهم اعتبروا حزب العمل ممثلا للارستقراطية الاشكنازية واليهود الغربيين الذين لم يعاملوا اليهود الشرقيين على قدم المساواة وباحترام، وكان صعود الليكود نتيجة التحالف الذي اقامه بيجن بين اليهود الشرقيين والتيارات اليهودية المتطرفة، وكان هذا التحالف هو الذي اوصل الليكود الى السلطة، في انتخابات 1999 قام موردخاي وهو من اصل عراقي كردي، وليفي وهو من اصل مغربي بدور حاسم في تحويل جزء كبير من اصوات اليهود الشرقيين لغير الليكود, وكان تصويت اليهود الشرقيين حاسما في إلحاق الهزيمة بنتنياهو وبالليكود.
رافق انهيار اليمين السياسي المتطرف، تبعثر مقاعد البرلمان بين عدد كبير من الاحزاب التي سوف يكون على رئيس الوزراء باراك ان يتفاوض معها بهدف تكوين حكومته الائتلافية, فوفقا للقواعد، فسوف ينعقد البرلمان لاول مرة بعد ثلاثة اسابيع من اعلان نتيجة الانتخابات، وسوف يكون امام باراك فرصة 45 يوما لتشكيل الحكومة.
ما هي العلاقة بين هذه الخريطة وفرص احياء عملية التسوية السلمية؟ اول علاقة هي ان تلك الخريطة الجديدة للاحزاب في الكنيست تعطي لباراك فرصة اكبر في تشكيل وزارة ائتلافية دون ان يضطر لادخال الاحزاب اليمينية المتطرفة في الحكم اي انه يستطيع تشكيل ائتلاف بين احزاب تقبل جميعا باتفاقية اوسلو وتكون على استعداد لتنفيذها, ولكن من ناحية اخرى، فإن تركيز باراك سوف يكون على الوضع الداخلي في اسرائيل، وسوف يكون على استعداد للمضي قدما في القضية الفلسطينية، او على المسارين السوري واللبناني بالقدر الذي يساعده على تحقيق اولوياته الداخلية، وهذه هي الورقة التي من الارجح ان يستخدمها باراك وان كان باراك لا يريد ان يظهر في صورة المتساهل مع العرب لان ذلك سوف يستخدمه خصومه السياسيون من الليكود ضده, ولعل ذلك هو ما دفعه في اليوم الثاني لاعلان نتيجة الانتخابات الى اصدار عدد من اللاءات مثل رفض تقسيم القدس، ورفض وجود جيش فلسطيني على حدود اسرائيل، ورفض حل المستوطنات الكبيرة، والتعهد باجراء استفتاء قبل الانسحاب من اية أراضٍ عربية اخرى.
وسوف تكشف لنا الايام القادمة عن الطريقة والسرعة التي يريد بها باراك التعامل مع عملية التسوية, والارجح ان طريقته ستكون مختلفة عن نتنياهو، فالاخير كان رافضا لعملية السلام من حيث المبدأ، واعتقد ان اتفاقية اوسلو مثلت تفريطا في حقوق اسرائيل ووضع نفسه خارج عملية التسوية ساعيا لتعطيلها وتعويقها ونسفها ان امكن باراك، من الناحية الاخرى، سوف يتعامل مع عملية التسوية من داخلها، ولن يكون مقيدا باعتبارات الاحزاب والحركات المتطرفة، كما سوف يكون معه رصيد مواقف حزب العمل والتي تتضمن مبدأ الاعتراف بإقامة دولة فلسطينية.
وقد يبدأ باراك بتطبيق اتفاقية الواي كبادرة لحسن النية، ولالتزام اسرائيل بتعهداتها الدولية, وقد يقوم بطرح خطة لتنفيذ ما تعهد به بشأن الانسحاب من الحزام الحدودي مع لبنان في خلال عام من تاريخ انتخابه, ويزيد من اهمية ذلك دعوة ضباط الجيش العاملين في المنطقة اللبنانية المحتلة الى ضرورة الانسحاب,, ولننتظر كيف سوف يحدد باراك حركته واولوياته,
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved