Saturday 26th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 12 ربيع الاول


زياد الدريس بين الحماس والحميس!
د, محمد الكثيري

يبدو أن أخانا الرائع زياد الدريس في مذكراته الرائعة أيضاً لم يكتف بحمس مراجعية فقط، بل امتدح الحمس والرفس بل والطفس أحيانا ليشمل موظفيه الذين منحته البيروقراطية سلطة عليهم, أما أولئك الذين يكبرونه فان الأستاذ زياد يصبح هوالمحموس بدلا من الحامس والمرفوس بدلا من الرافس وهذه خصلة من خصال البيروقراطيين، وهي خصلة حميدة تمكنهم من البقاء في كراسيهم حتى آخر قطرة رفس.
وقد استمر البيروقراطي بالنيابة سعادة الأستاذ !! زياد الدريس يمارس أسلوب الحمس والصلخ حتى جاء حمسه على يد المستر توم وهو واحد من أصغر العاملين المتبرقطين الذي يبدو أن كبده كانت محموسة من ممارسات البيروقراطي المستعار.
لقد أبدع الأخ زياد هذه المرة بدون سعادة وبدون أستاذ أيضاً في تصوير الممارسات الادارية الموغلة في البيروقراطية وسلوك أصحابها وذلك في كتابه المفيد والشيق محيط العطلنطي: مذكرات بيروقراطي بالنيابة , لقد أبدع كاتبنا في تصوير الخلل الذي ينخر في جسد مؤسساتنا العامة وكيف ان دور الجهاز ينتقل من خدمة المراجع وتهيئة كافة السبل للموظف لأداء عمله على الوجه المطلوب الى إشباع رغبات البيروقراطي وإرضاء نزواته السلطوية, بل إن زياد تمكن من تسليط المجهر على السلوك المتناقض الذي يعيشه الكثير من البيروقراطيين, وهو سلوك يحسه الموظفون والمراجعون على السواء ويتسبب ليس فقط في ارتفاع نسبة الحموضة عندهم ولكن ضغط الدم والسكر.
وبالرغم من كل تلك الابداعات والقفشات الساخرة التي تفوق فيها الأستاذ زياد، إلا أنني تمنيت ان كاتبنا تحدث عن البعد الاجتماعي للبيروقراطية وكيف ان المجتمع بما يمنحه للبيروقراطيين من هيبة واحترام بل ومن إشعارهم بالتفضل على الناس عند تقديم الخدمات لهم، ساهم في صياغة عقول هذا النوع من البشر، وأدى الى ان ينتفض المراجع وهو يقف امام أحدهم مقدماً معاملته مسبوقة بطال عمرك وجزاك الله خير وكأن المراجع واقف أمام باب مسجد وليس صاحب حق يريد الحصول عليه.
كنت أتمنى، أيضاً، ان الأستاذ زياد صور لنا كيف ينتشي البيروقراطي ويحطم كل الأنظمة حينما يدلف الى مكتبه من يحمل ورقة فيها تحايا من أبوعبدالله أو أبوناصر ليجيبه البيروقراطي أبشر وكل شيء على شأن أبوعبدالله يتسهل حتى لو كان الأمر يحتاج فزعة سواء من عبدالله أو من أبيه.
تمنيت أيضاً - مرة ثالثة- ان زياد صور لنا كيف يتلذذ البيروقراطيون بصياغة الأنظمة وحفظها وعشق فقراتها وبنودها، بل ونقاطها وفواصلها، لتتحول لديهم من وسيلة لأداء العمل وتحقيق أهدافه الى كونها العمل بذاته بل والشغل الشاغل لهؤلاء.
تمنيت - مرة رابعة- ان زياد صور لنا حال البيروقراطيين الكبار ومكتبهم - عفواً مكاتبهم- وطقوسهم الغريبة، بل وقدرتهم العجيبة على توفير ما يشاؤون لتلك المكاتب بدءاً من السجاد الفاخر وحتى الرسوم المعلقة على الجدران، وعجزهم أو تعاجزهم في الوقت نفسه عن تأمين ورقة تطبع عليها معاملة مراجع أو كريسي يجلس عليه موظف لأداء عمله.
ولأنني استمرأت الأماني وتلذذت بها كما هي حال البيروقراطيين مع الكراسي وأجهزة الإعلام، فدعوني أتمنى أمنية أخيرة وهي أن يواصل الأستاذ زياد ابداعاته ويسخر قلمه المميز، بل وينقله من المجتمع الصغير المتمثل في المكتب وبيروقراطييه الى المجتمع الأكبر، فلدينا الكثير من الهوايل السلوكية التي تحتاج قلماً مبدعاً مثل قلم زياد لتصويرها.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved