Saturday 26th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 12 ربيع الاول


يتوقع ظهور رومانسية جريحة ضد العولمة في القرن القادم
الشاعر والناقد د, يسري العزب لـ الجزيرة
وسائل الاتصالات الحديثة لن تقلص وظيفة الوجدان الشعبي
الأديب الذي يوظف التراث الشعبي في أدبه دون وعي يخون الأمانة

* القاهرة - مكتب الجزيرة - فتحي عامر
هل يمكن ان نتوقع مع الدكتور يسري العزب ان العولمة وهيمنة قطب واحد على العالم وتنميط كل البشر في قالب وحيد يريده هذا القطب، سيؤدي في بداية القرن القادم الى عودة نوع من الرومانسية الجريحة الحزينة الباكية كرد فعل ادبي على ما يحدث الآن؟ وهل يمكن ان نتوقع معه بروز انماط جديدة من الأدب الشعبي يبدعها وجدان الجماعة الشعبية في ظل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال العالمية؟ وهل يمكن ان نتفاءل معه بانقشاع موجة التقريب بدعوى الحداثة عن وجه الشعر العامي؟
على اية حال ليس هذا تلخيصا للمحاور التي طرحناها معه في هذا الحوار لكنها فوائح لشهية القراءة في حديث اثرنا ان يكون مسيجا باكبر قدر من التلقائية, فالدكتور يسري العزب استاذ للادب الشعبي في كلية آداب بنها جامعة الزقازيق, وناقد وشاعر اصدر خمسة دواوين شعرية وله عدة دراسات نقدية ابرزها القصيدة الرومانسية في مصر وازجال بيرم التونسي وموسيقى الشعر وقراءة النص والدكتور العزب الذي أطفأ شمعة ميلاده الستيني في يناير الماضي له عدة دراسات في الادب الشعبي وهو رئيس تحرير مجلة الفجر الادبية.
* هل تعتقد ان المذاهب الادبية تفنى ولا تعود الى الحياة مرة اخرى؟ البعض يرى ان الرومانسية مثلا - تجاوزها الواقع ولا توجد مبررات لعودتها مرة ثانية,, ما رأيك؟
- لا يستطيع احد ان يتوقع عودة مذهب ادبي الى الحياة او يدعو اليه؛ لان المذاهب الادبية كالثورات, وحركات التاريخ الكبرى لا تتم الا اذا توفرت لها مجموعة من العوامل المهيئة والدافعة لظهورها ومن ثم لانتصارها وبقائها ثم تنشأ عوامل جديدة تساعد على انهائها وتبذر الارض لتيار او مذهب ادبي جديد, والرومانسية في نشأتها مواد في الغرب او في الشرق، كانت وليدة الثورة الصناعية وجاءت متلازمة مع الفكر الليبرالي الذي دعا الى الحرية في كل شيء, فكانت حرية الذات في التعبير عن نفسها هي الجذر الذي قامت عليه الرومانسية التي قيل في تعريفها ان لها تعريفات بعدد الرومانسيين، وكان كل شاعر يرى نفسه محورا للكون قادرا على تحريك الواقع ورسم خريطة المستقبل للعالم كله، هي اذن حركة نهضة وليست مرضا او دعوة الى الوراء ولولا الرومانسية لما تهيأ الجو لابنتها البكر التي مازالت تسيطر على الابداع حتى اليوم وهي الواقعية فكل رواد المذهب الواقعي تربوا على الفكر والفن الرومانسي وخرجوا منه رافعين راية التمرد عليه فلم يعد الفن تعبيراً عن الذات بل اصبح تعبيرا عن الواقع واصبحت ذات المبدع جزءا فاعلا في الواقع لا محورا له، نحن اذن نعيش حالة جدل فكري وفني تتصارع فيها التيارات الادبية وتتبادل الاخذ والعطاء ولا اظن ان تيارا او مذهبا قضى نهائيا على ما سبقه.
عودة الرومانسية,, لماذا؟
* هل تعتقد ان الرومانسية اذا عادت كنتيجة للصورة المادية القبيحة التي يسير اليها العالم الآن او كرد فعل لهذه الصورة، هل تعتقد انها ستعود بصورتها القديمة؟
- مساحة الرومانسية تقلصت امام الزحف الواقعي خلال النصف الثاني من القرن العشرين, العقد الاخير الذي بدأ النظام الامريكي يسيطر فيه على العالم ناشرا نفوذه في كل مكان تحت دعوى العولمة او العالم الواحد ما ينذر على المدى القريب خلال العشرين عاما الاولى من القرن القادم بظهور نوع من الرومانسية يشكو فيه المبدعون من اضطهاد المادة وطفيانها على الانسان وقهرها للذات والواقع الانساني كله, سيحدث هذا ان لم يستيقظ المفكرون والمبدعون ويستعيدون للانسان ما يضيع منه في ظل الكوكبية والسيطرة الاحادية على المجتمعات والشعوب, وهذه الرؤية هي استشراف لما يمكن ان يحدث في العقدين القادمين وهو ما يستوجب وقفة المفكرين والمبدعين في كل دول العالم خاصة العالم الاضعف والاكثر فقرا في مواجهة الابتلاع حتى لا تجرفهم الشعوب الاقوى تحت اقدامها.
* بصفتك استاذاً للأدب الشعبي ومن المعروف ان هذا الأدب انتجته الجماعة الشعبية في ازمنة لم يكن فيها وجود لادوات الاتصال الحديثة، هل تعتقد ان الوجدان الشعبي في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات مازال قادرا على انتاج ادب شعبي؟
- في مراحل التدهور السياسي والحضاري المشابهة كانت الفنون الشعبية بما فيها الادب تستيقظ وتنعى للقيام بما نكست عنه الفنون الرسمية, ففي مواجهة الصليبيين نشأت السيرة الشعبية العربية وازدهرت وانتشرت في الارض العربية كلها لتجمع الوجدان العربي مثل سيرة ابو زيد الهلالي وعنترة والظاهر بيبرس تحت راية صلاح الدين وقطز، فكانت وراء الانتصار العربي المجيد على الصليبيين، ووجدان الجماعة الشعبية يتميز بالمرونة واليقظة الدائمة ويقوم بدوره في الوقت الملائم ولا يمكن لوسائل الاتصالات الحديثة ان تقلص من وظيفته او تقضي عليه، وسيظل للجماعة الشعبية ثقافتها التي تحمي هويتها القومية وفنونها التي تعبر عنها وسوف يتم توظيف هذه الوسائل او بعضها من قبل الجماعة الشعبية نفسها لخدمة ثقافتها وفنونها وانا اراهن على سلامة البدن الشعبي العربي وعلى قدرته على الصمود على مواجهة ما يراد به من الآخرين حتى لو كان مثقفوه ومن يرون انفسهم كذلك ووضعوا انفسهم ادوات لتنفيذ ارادة الآخرين ضد العرب.
مستقبل الأدب الشعبي
* هل سيكون للأدب الشعبي المنتج في ظل ثورة الاتصالات نفس سمات الادب الشعبي الذي ابدعته الجماعة قبل هذه الثورة؟
- اليس الوجدان الشعبي هو الذي ابدع الفانوس السحري وبساط الريح، ومصباح علاء الدين ومغامرات الشطار، في وقت لم يكن لوسائط الاتصال الحديثة اي وجود او اي ذكر, كان هذا خيالا علميا سابقا صنعته الشعوب قبل ظهور الوسائل الحديثة بقرون بعيدة ان هذا الوجدان نفسه قادر على توظيف هذه الوسائل الحديثة لخدمة آماله وطموحاته وللحفاظ على اصالته وعلى هويته المستقلة وانا متأكد ان الشعوب ستصنع فنونها المعاصرة وليس شرطا ان تكون هي نفس الفنون الشعبية القديمة لكنها ستمتد منها، وتستفيد منها وتوظفها في خلق ادواتها الفنية الجديدة التي تواكب المستقبل الجمعي للشعوب انا لا استطيع التنبؤ بكيفية حدوث هذا لان الجماعة الشعبية تعرف ما تريد اكثر مني وربما كنت احد ادوات هذه الجماعة في اداء مهمتها دون ان ادري واذا كنت كذلك اكون اسعد الناس لاني احقق لوطني ما يريده مني ولا اطمع في اكثر من ذلك.
* في الادب الحديث كثيرا ما نلاحظ استلهام الادباء لاشكال من التراث الشعبي وتوظيفها في اعمالهم الادبية، فمتى يكون المبدع الجديد موفقا في استلهام التراث الشعبي؟
- يكون المبدع الجديد موفقا في استلهامه للمأثورات الشعبية اذا كان واعيا بطبيعة الشعب الذي يتجه اليه بابداعه الجديد، نفسيا واجتماعيا ولغويا واخلاقيا وبقدر وعيه يكون نجاحه والعكس صحيح فمن يتعجل ويحاول مسايرة موجة توظيف التراث الشعبي في عمل ادبي دون وعي حقيقي منه بطبيعة الشعب الذي انتج هذا التراث وحفظه وسلمه امانة للكتاب سيفشل بالتأكيد لانه فقد هذه الامانة ولم يؤدي المطوب منه ازاءها، فالمفروض ان يوصلها بطريقة عصرية جديدة للاجيال الجديدة التي هي سلالة الاجداد الذين انتجوا هذا التراث.
الحداثة والتغريب
* يبدو ان دعاوى الحداثة والتغريب قد طالت شعراء العامية هل تعتقد انها احدثت تغيرات في المجرى العام لهذا النمط الشعري؟
- الحداثة حاولت في السنوات الاخيرة ان تهدم صرحا شامخا اسسته مدرسة شعر العامية من بداية الخمسينات حتى الآن في بناء القصيدة العامية, لكنها فشلت فشلا ذريعا لان هذا البناء القوي كان اقوى من الايادي الهشة التي وظفت في النيل منه, فأصحابها لا يمتلكون مواهب ادبية حقيقية ولم يثقفوا انفسهم بالثقافة الشعبية والفنية التي تمدهم بالروابط القوية مع المتلقي ومن ثم فان حركة الهدم الاخيرة لم تنجح بل حوصرت في مهدها ولم يعد لها تقريبا وجود مؤثر في الواقع الادبي.
* ما هي صور الهدم كما تبدت عند شعراء العامية الحداثيين؟
- أولاً ان اللغة عند الحداثيين لم تعد لغة شعر فهي لا تحمل من المضامين والدلالات ما تحملها لغة الشعر المكثفة من مضامين ودلالات, فانصبت قصائدهم على اجسادهم وذواتهم المريضة في بناء لغوي ركيك وهش, لا يشير الى اي ثقافة يحملها اصحابها سواء كانت رسمية او شعبية، كما لجأ بعضهم الى الغموض والتكلف مما تسبب في ارباك النص ومن ثم ارتبكت عملية التوصيل، وانهارت الجسور بينهم وبين المتلقي وانفصل النص عن الواقع، واصبحت هذه الاعمال ضربا في الفراغ لا تستقر على ارض ولا تتصل بسماء, فلماذا تبقى؟!
* ألا ترى ان هناك ندرة في نقاد شعر العامية؟ ماالسبب؟
- الحال اليوم رغم هذه الندرة احسن مما عليه منذ 20 عاما الذين يتعاطون النقد حاليا يتعاملون مع الشعر العامي كغيره من الابداعات الادبية ولا ينظرون اليه على انه خارج سياق الابداع كما كان يفعل النقاد من قبل بل ان بعض النقاد كتب مقالات ودراسات عن دواوين جديدة لشعراء العامية وشارك بابحاث عن الشعر العامي في معظم مؤتمرات الشعر العامي في السنوات العشرين الاخيرة, وانا ارى انها بداية طيبة سيتبعها مد يواكب المد الابداعي للشعر العامي.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved