Saturday 26th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 12 ربيع الاول


من الطنطاوي عن الطنطاوي

كانت طفولتنا حافلة بالمعايير (جمع عيارة أو معيارة) وهي - للأصدقاء المقيمين - الالقاب التي ينبز بها الاطفال, ولو عاصرنا بشار بن برد لقال كفى الطفل نبلاً أن تُعد معايرة وكان الكبار يتسابقون ويتفننون في اختيار المعايير، ثم يقهقهون ملء صدورهم، وينثنون بالتهنئة على الكبير المبتدع المبتكر على العيارة الموفقة، بينما يقف الطفل مبهوتاً أمام جذل الكبار وهو يرى عيارة جديدة تضاف الى قائمة المعايير الخاصة به، وكل همه امام الديناصورات قاذفة الالقاب ان لا تشبع العيارة الجديدة، بيد ان هذا من المحال، ففي كل أسرة ممتدة لا بد ان تجد رجلا وامرأة - كحد ادنى - هوايتهما ابتداع المعايير, والغريب ان الهام المعايير اكثر ما ينزل في وقت الضحى مع الشاهي في المشراق ، ولذا ما ان يأتي العصر حتى تكون العيارة الجديدة قد شاعت في ارجاء البيت الكبير.
وكان من نصيبي ذات ضحى ان تجلت عبقرية احدهم فلقبني بالطنطاوي زاعما اني كثير الكلام، اذ كان من المشهور عن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله ان ينتهي وقت برنامجه التلفزيوني قبل ان ينهي حديثه، وفي بدايات برنامجه كان يتجادل بالاشارة مع شخص ما (داخل الاستوديو) يلح عليه ان ينهي كلامه لنفاد الوقت المخصص, ولكنه عرف بالتجربة ان لا جدال في الوقت فصار يختم برنامجه بجملته المشهورة: ايه! خلص الوقت! السلامُ عليكم .
ومن عجب إني كنت - وأنا لم اتجاوز الثانية عشرة - شغوفا بالشيخ الطنطاوي رحمه الله واحاديثه، فقد كنت اتابع احاديثه الاذاعية والتلفزيونية, ولم تزدني هذه العيارة الا حبا للطنطاوي, فقد كان رحمه الله ذا اسلوب بسيط رائع جذاب في الحديث، وذا قدرة مدهشة على الامساك بمسامع المشاهد والمستمع، واذكر في يفوعتي ان برنامجه التلفزيوني كان يستقطب كل المشاهدين اطفالا وكبارا وكهولا، حتى اولئك الصغار الذين لا يفقهون شيئا مما كان يقوله كانوا يتحلقون مع الكبار احتراما للصمت والانتباه السائدين بينهم.
وكان رحمه الله، مع تفقهه في العلم، واسع الاطلاع على العلوم القديمة المعاصرة، وان كان برنامجه التلفزيوني مكرسا للاسئلة الفقهية، فقد كانت برامجه الاذاعية متنوعة الغايات، والمقاصد, وفيها كثير من قصص التراث الاسلامي بمعناه العام ويملحها بذكر النوادر والطرائف.
ولا اعرف الكثير عن التاريخ الشخصي للشيخ الطنطاوي، رحمه الله ولكني اعرف انه كان في شبابه يتصدى للنقد الادبي - مثله مثل سيد قطب يرحمه الله - وقد تناول بنقده المفصل والقاسي ديوان شاعر شاب بعنوان قالت لي السمراء وكان ذلك الشاعر نزار قباني .
واذكر اننا، طلبة اليمامة الثانوية، استضفناه في امسية في اوائل السبعينيات، وكنا مراهقين عاديين: نؤدي الفروض في اوقاتها، ونصوم رمضان، وترف قلوبنا عندما يمر بنا اتوبيس البنات, ومع ذلك، ومع ان الحضور لم يكن اجباريا، ضاقت القاعة الكبيرة بالحضور فافترش البعض الممرات, وامطرناه بوابل اسئلتنا، وكانت تتحول احيانا الى حوار، واتسع صدره لكل اسئلتنا، ولا اذكر الآن إلا سؤالا واحدا، ولكني اذكر انه كان وقورا متواضعا، وكان في حديثه ظرف لا يخل بما له من وقار، وكانت اجوبته دليلا عظيما على سماحة الاسلام، وعدم ضيقه بمتغيرات العصر.
والسؤال الذي اذكره، ان احدنا سأله عما اذا كان التصفيق - تحية وتقديرا - حلالا أم حراما, فتحدث حول الموضوع في دقيقة او دقيقتين وختم اجابته بقوله: وعلى هذا فالتصفيق حلال، بس ما بيعني هيك اني بدياكم تصفقوا لي .
رحم الله الشيخ علي الطنطاوي، واسكنه فسيح جناته، وجزاه عنا خير الجزاء.
د, فهد سعود اليحيا

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved