كل يوم تصلني رسالة أو رسالتان على البريد الالكتروني بعضها ينطوي على شتائم مقذعة تعودت عليها، ولكن معظمها ينطوي على كثير من المتعة والذكاء واجد فيها ما يسعدني ككاتب, أرد على كل رسالة تقوم على عرض وجهة النظر دون تعصب أو جهل, وخاصة عندما أعرف على ان صاحب الرسالة يتابع هذه الزاوية بين فترة واخرى, لذا اتعامل مع آرائه بجدية واحترام, وليس من المفيد ان اسرد كافة الرسائل, وما لفت نظري رسالة من فتاة تريد ان تبدأ الكتابة وتقول انا موهوبة وتقرأ كثيرا, ولكنها تريد ان تعرف من يأخذ بيد الكتّاب الشباب في مراحلهم الأولى, هل تتصل بالنوادي الادبية؟ هل تتصل بالمسؤولين عن تحرير الصفحات الثقافية؟ أم تتصل بالكتّاب الذين تعجب بهم؟ الحقيقة ان هذا السؤال لم يحيرني كثيرا، لم اسأل نفسي هذا السؤال ابدا, لم افكر في يوم من الأيام ان هناك من سيأخذ بيدي في مسألة الكتابة, فحسب وجهة نظري هذا سؤال منطقه شللي أو حزبي أو فكري, فالأخذ باليد هو دعوة للانضمام الى ناد أو تنظيم أو شلة, أن يأخذ بيدي انسان هو ان يقودني الى مكان أجهله أنا ويعرفه هو, ففي عالم الكتابة هناك فردية لا مثيل لها بين الفنون, الكاتب هو ان تجلس على الطاولة وتكتب ما تمليه عليك افكارك وتجاربك ومعارفك فالكتابة تختلف عن الغناء مثلا, ففي الغناء يمكن ان يساعدك احد في بداية حياتك كأن يتبرع ملحن شهير ويعطيك من الحانه او كاتب كلمات معروف يسمح لك بغناء واحدة من قصائده او يأخذك الفنان معه الى واحدة من حفلاته ويقدمك لجمهوره, اما في الكتابة فأين سيأخذني الكاتب الكبير؟ عندما استمع الى نصائح الكاتب الكبير فهذا يعني انني تخليت عن نفسي وتبنيت وجهة نظره في الكتابة, ومهما حاول الكاتب الكبير ان يكون نزيها فهو لا يمكن ان يقدم سوى وجهة نظره في الحياة والسياسة والفكر والادب, ولن يستطيع ان يقدم لي سر الابداع فالابداع هو جزء من العملية الانتاجية وكلمة ابداع كلمة ميتافيزيقية تستخدم للتخلص من شروحات طويلة لا نهاية لها, اما بعد ذلك فلا يوجد في الابداع سوى (الجهد المبذول) فليس من المعقول ان تكتفي بالعمل ساعة او ساعتين في اليوم وتنتظر ان تكون مبدعا, صحيح يمكن ان تكون كاتب قصة قصيرة او مقالة او زاوية في جريدة أما ان تكون كاتبا حقيقيا فهذا يتطلب عملا كبيرا وقدرة على الانضباط وقدرة على الاعتزال عن الناس فترات طويلة, الكاتب الكبير لن يقول لك او لي سوى ان تعمل بجد، وبكل طاقاتك واذا وجدت ان الكتابة صعبة فاتركها يا أخي فهي في النهاية فرض كفاية او كما يقول هامنجوي اذا وجدت ان الكتابة صعبة فعليك ان تشنق نفسك واذا انزلوك من حبل المشنقة حيا فعلى الاقل لديك تجربة الشنق لتبدأ منها.
أما الذي يقود الناس ويوجه لهم النصائح فهو يبيع فكرا لا فنا, واخطر شيء على الكاتب الجديد مما عرفته من تجاربي هو كثرة الاستماع لنصائح الآخرين سواء في طريقة تفكيره او طريقة كتابته , الا اذا اراد ان يكون كاتبا من الدرجة الثانية او كاتبا حزبيا أو شلليا, فعلى الكاتب ان يصون حريته ولا أقصد الحرية التي نتحدث عنها دائما والمتصلة بالسياسة والمجتمع فهذه حرية سهلة ولا يمكن ان يخدع الانسان فيها, الحرية الحقيقية هي مدى تحررك من زملانك الكتاب ومن الكتاب الذين تعجب بهم وهذه الحرية هي الحرية التي تحتاج الى صيانة يومية لكي لا تنضم دون ان تشعر الى الحس العام مهما كان بريقه, ففكر الآخرين مهما بدأ براقا فهو سجن للكاتب الخلاق.
|