Thursday 8th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الخميس 24 ربيع الاول


جدلية العقل الأدبي *
تأليف: أبي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري
عرض: عبداللطيف الأرناؤوط *

يثير كتاب (جدلية العقل الادبي) مسائل فنية هامة كما يعكس جدلية الفكر لدى مؤلفه العلامة الشيخ عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري الذي استطاع من خلال كتبه ومجموعاته في الادب العربي ان يرسخ مفهوم الحداثة الادبية ومعاييرها استنادا الى الواقع العربي والاسلامي ويفرز ما توصل اليه من دراسات نظرية وتطبيقات ماتعة وذكية درس من خلالها كثيرا من النصوص الادبية الحداثية بروح الناقد الذي يتمتع بذائقة ادبية ممتازة وعمق ثقافي واطلاع واسع على الدراسات النقدية المعاصرة وعقل منهجي قادر على تجلية الحقائق المتصلة بتفسير النصوص التي افرزها ادب الحداثة بعد ان دفع ما فيها من لبس وغموض وتعميات كثير من النقاد الى تحميلها ما لا تحتمل او توجيهها غير الوجهة التي يريدها مبدعها بسبب ما يحمله النص من انزياحات لغوية وتكثيف قاصر عن الايصال او مقصود بحد ذاته لابراز ما وراء الشعور واستبطان الاعماق الخفية للنفس الانسانية التي تعجز اللغة عن وصفها وكشف جوانبها.
وكتاب (جدلية العقل الادبي) يعد توسيعا وتطبيقا لدراسات المؤلف (ابي عبدالرحمن الظاهري) النظرية التي سبق ان قدمها في كتب سابقة على انه يغلب التطبيق ويبدأ به كتابه استنادا الى ما قدمه من دراسات ثم يستجمع ملاحظاته التطبيقية في دراسة نظرية احتلت القسم الاخير من الكتاب تحت عنوان (عقلنا الادبي) وتسهيلا على القارىء الذي يتعذر عليه ان يتمثل ما ورد في الكتاب من تطبيق اذا لم يكن مطلعا على مؤلفات الشيخ ابي عبدالرحمن الظاهري سأقتصر دراستي الجانب النظري ثم سأتناول ما ورد في الكتاب من تطبيق في دراسة لاحقة وفي هذا المنهج فرصة ليربط القارىء ما بين فكر المؤلف والامثلة التي ساقها.
في الصفحة 79 من الكتاب وتحت عنوان (عقلنا الادبي) خلاصة موجزة لرأي المؤلف ونظريته فيما يجب ان يكون عليه ادبنا العربي المعاصر ومفهوم الحداثة وهو رأي يحسم كثيرا من الجدل حول مسائل عديدة كثر النقاش فيها كالتزام الاديب والجدل حول الفن للفن او الفن للحياة كما يكمل آراءه النظرية النقدية في كتبه السابقة.
يريد الشيخ ابن عقيل الظاهري بالعقل الادبي ما انتجه التعبير الجمالي الارقى وكلما اتسعت دائرة جدلية العقل الادبي امكن للناقد في ضوء هذا الاتساع ان يتناول الادب الانساني عامة او ادب امة من الامم كالادب العربي او ادب مرحلة من المراحل كالادب الحديث، او ادب فئة من الفئات، ونحلة من النحل الشعوبية او بيئة من البيئات كالادب الاندلسي، وللعقل الادبي عند ابي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري علامات تتجلى في ظاهرات تتعلق بجمهور الادب او بالاديب ذاته او بأدبه.
فمن علاقات العقل الادبي من خلال جمهوره: الموهبة الادبية الفطرية التي يجب ان يتحلى بها الناقد او قارىء هذا الادب ومفسره اضافة الى الموهبة الفكرية وبراعة التنظير والثقافة الخاصة في حقل من حقول الادب كالشعر والثقافة العامة المتنوعة في حقول أخرى (1) .
ومن علامات العقل الادبي من خلال ذاته ان يكون الادب معرفة قبل ان يكون تعبيرا فالادب معرفة جمالية وليكون ادب الاديب معرفيا يجب ان يتميز بالخصب والوعي اما بداوة المعرفة وفطريتها وسذاجتها، ولا سيما في العصر الحديث فتمنح الادب سذاجة بين مختلف الآداب,, وتجعل وظيفة النص الادبي ترسيخا للامية بين المعارف العصرية (2) .
ولهذا فاننا لا ندرس ادب البدائيين من باب الاعجاب بمعارفهم وانما من باب معرفة مشاعرهم, فمن صفة العقل الفني كما يقول الكاتب الروسي تولستوي:
ان تحكمه عدوى الفن حيث تنتقل عدوى النص اي الحالة النفسية التي يحملها الى القارىء او السامع فيتوحد مع صاحب النص لانه ناب عنه في التعبير عن حالة يشعر بها, ويفرق المؤلف العلامة (الظاهري) بين عدوى جمالية بحتة قادرة على الانتشار والتأثير في اي انسان مهما كان انتماؤه وعدوى موضوعية ترتبط بوحدة الفكر او العقيدة او العادات والتقاليد، وهي لا تؤثر في الآخرين الا في حدود ما يجمع بين المبدع والمتلقي فالمؤمن مثلا لا يستمتع بخمريات ابي نواس, وكما يذهب (تولستوي) الى ان الوعي الديني بحكم شموله ووجوده بين البشر جميعا هو المعيار لتقديم المشاعر التي يتناولها الفن كذلك يؤمن ابو عبدالرحمن الظاهري بان الدين هو مرشد الانسان للخير والشر ومبادئه هي الناظم لقيم الفن والادب (3) .
والمؤلف (الظاهري) يتفق مع تولستوي بان وجود قيم في الادب مستقلة عن الدين كزخرفة البيوت والافتتان بالزينة في وصف المواكب والاحتفالات امر لايتعارض مع الوعي الديني اذا تناولها الاديب مادامت لا تناقض الوعي الديني ولا تصطدم به.
كذلك فان الاحاسيس التي ينقلها زمننا لا يمكن ان تتطابق والاحاسيس التي كان ينقلها الفن زمن اليونان والرومان بسبب تبدل القيم تحت تأثير الدين فلم يعد المثال القيمي في الادب المعاصر تجسيد عظمة فرد كفرعون مصر, او جمال الجسد الذي مجده الاغريق، وانما صارت قيم الحب والوداعة والعفة والرأفة هي مثلنا الاعلى ومعيارنا الذي نحكم من خلاله على قيم الادب والفن، (4) كما هي الحال في اللوحات الكنسية التي تستمد قيمتها الفنية من مدى قدرتها على نقل الاحساس الديني لدى الفنان, وهنا تبرز صفة من صفات العقل الادبي: هي القدرة على كشف وسائل تعبيرية جديدة وتوسيع آفاق الدلالة باشعاع جمالي فكلما استطاع المبدع ان يجدد في طرق ووسائل تعبيره كان اكثر قدرة على جذب المتلقي والتأثير فيه, فأدب المعقول له وجود عقلي تكشف عنه المفردة اللغوية المعجمية والعبارة النحوية المقننة وادب اللامعقول يكشف عن وجود تلفيقات من الحس وصور الخيال, ويلاحظ ابو عبدالرحمن الظاهري انها عاجزة عن الايصال فان لم تكن قادرة على الايصال فتعبير المبدع لغو لا يعني شيئا (5) , وقد يكون مصدر العجز والغموض في التعبير هو المبدع نفسه وعدم وضوح ما يريد ان يعبر عنه في نفسه او تقصيره في اختيار مرآة او قناع لا يلائمان فكرته او يوحيان بها جماليا (6) , ويتناول المؤلف (الظاهري) بعض المعادلات التي لا تعد من العقل الادبي، وهي شائعة لدى الجمهور او نقاد الادب منها: ان نقيس قيمة شعرنا بسيرورة شعر شاعر دون ان نحكم على الظروف التي ساعدت على هذه السيرورة.
وهي ظروف لا صلة لها بالعقل الادبي فلا يعد الادب الشعبي مثلا افضل من الادب الفصيح اذا كان المقبلون عليه اكثر، ذلك ان الامر يرتبط بعوامل اجتماعية خارجة عن نطاق العقل الادبي كانتشار الثقافة, ولو بعث احد الجاهليين في عصرنا والقى قصيدة له لما لاقى رواجا في عصرنا لان جمهور ذلك الادب محدود بحكم ثقافته وما يملك من وسائل تمكنه من التواصل (7) ,كذلك لا يحكم على الشعر اذا كان قائله اقدر على ادائه في المحافل لان القاء الشعر امر يخرج عن دائرة العقل الادبي، ومن ذلك ان يكون الشاعر متمذهبا لحزب او شيعة فهو ممجد من شيعته وحزبه ولو كان ناظما وسيعد ناظما ولو حفلت قصائده بالاباء القومي والعزة الوطنية, وليس من العقل الادبي ان يكتسب الشاعر جمهورا لانه انتقد نظاما او هاجم حاكما او دغدغ مشاعر الناس الجنسية، اذا استغل حاجتهم وتعطشهم للحرية، فأحبوه لانه استجاب لما في نفوسهم من ظمأ بغض النظر عن مستوى شعره (8) .
ويخلص العلامة (الظاهري) الى ان الشاعر او الاديب او الفنان يمكن ان يلتزم مضامين دينية ووطنية ومنطقية تنبع من عقلنا الادبي دون ان يتنافى ذلك مع حريته الجمالية، فالقيم ولا سيما الدينية والخلقية منها لا تقيد حريته الجمالية، فالمعوّل على طريقة التعبير وليس على المضامين, ذلك ان ادباء العالم سَمَوا فنيا بفضل قدراتهم الفنية وتعبيرهم المحكوم بقيم جمالية، بغض النظر عن انتمائهم المتنوع، اما مضامينهم فتحكمها امور خارجة عن العقل الادبي كالانتماء والوراثة, على ان التزام الاديب قيم الحق والخير تجعله اكثر انتماء للبشرية ذلك لان هذه القيم معترف بها من قبل العدد الاوفر من سكان الارض, (9) والمضامين لا تضيق لدى الاديب الملتزم بل تتسع بمقدار اتساع القيم التي يؤمن بها وانتشارها.
وينتقل المؤلف الى رصد ملامح هويتنا العربية الاسلامية تاريخيا: فيرى ان تاريخ العرب لم يرتبط بدين غير الاسلام ولم يفلح هذا التاريخ الا منذ ان اتبع العرب رسولهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وان العربية لغة الاسلام والاسلام دين ناسخ والعرب قادته وقوام اهله، فدورهم طليعي في العالم ولابد ان يكون ادبهم طليعيا, وان وجودنا العربي مشروط بالاسلام وكل مفهوم قومي بغير شرط الاسلام يناقض الحقيقة, فالتراث العربي القومي فيه الوثني والماجن، فيه ما يلتقي وقيم الاسلام وهو الثابت والمعقول, واما التراث الوطني غير العربي فليس تراثنا وانما نستعير منه الميزة دون المجمل, واخيرا فان حياتنا ليست ما بين المهد واللحد لاننا نؤمن بالاخرى فتقييد العقل الادبي بعقلنا يلغي ذاتية الجمال اذا ارتبط الحس الجمالي بالمضمون, وبما ان الضمير الديني الخلقي والمنطقي يتلقى المضمون باستحسان فان ادراك الجمال يكون ذاتيا اذا استحسنه المسلمون وزكته قيم المسلمين, فالجمال حكم ذاتي لكنه موضوعي من ناحية التصور كما يقول الفيلسوف كانت، بافتراض عمق الشعور به.
وينتقل المؤلف ابو عبدالرحمن الظاهري الى الحديث عن العقل الادبي المعاصر الذي بدأ به بمدرسة البعث السلفية للشعر العربي التراثي والتي يتبناها البارودي وابن عثيمين وهو ادب يمكن وصفه بالمعاصرة لا بالحداثة لانه ينهل من القديم.
وصبت فيه تيارات التجديد بدءا بالشاعر احمد شوق ومرورا بجماعة ابولو.
ثم بدأت الحداثة بنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي ولم يتحرر الادب العربي من الرومانسية بسبب ثبات النزعة الغنائية لدى الانسان.
ومن خلال الرفض او التمرد شملت الحداثة كل اوشاب تحطيم الثوابت والتطرف الملي والشعو بي والطائفي, وما من حداثة الا وترتبط بالعقل والعلم وثقافة الشعوب والاجيال لاثراء الحس الجمالي، فالجمال في الادب الحديث وليد خبرات حضارية وثقافية وتجديد للاشكال الادبية.
ولا يجلو هذا الادب الا بعد تحليله وتفسيره واستيعاب نصوصه الحداثية لابراز قيمه الفنية واشكاله الجمالية وتعبيره عن المضامين بصور جمالية وفي مواقف جدلية.
والتجديد مطلب، وهذا يسوغ جعل الحداثة قيمة، على ان تكون مطلبا لعقلنا الادبي الذي لا يغير الثبات، فليست الحداثة تحكيما لثوابتنا والا اصبحت عبثا وجوديا او رفضا لثوابتنا اذ لا سلام للانسان الا مع مجتمعه, اما اغتراب الشاعر الى فلسفات وقيم خارجة عن نطاق مجتمعه فهو ضياع واستسلام للامعقول ولأحلام الخيال ومنابت السأم والاستلاب والسوداوية التي لا تعكس معاناة حقيقية بل زائفة (10) ,وهي دعوة مشبوهة لتحكيم كيان المجتمعات وخصوصيتها, فبيئتنا والحمد لله ليس فيها من مسببات القلق ما يدفع الى ادب سوداوي كما هي الحال لدى الفئات المنغلقة على نفسها والمنعزلة والتي اصبح قلقها عنصريا كاليهود الذين يمارسون بين الدياسبورا والجيتو ونفذت عزلتهم بالقلق العنصري العدواني، والغريب ان بعض شعراء جيلنا ونقادنا يرون من هذا معلما ادبيا في التجديد الادبي او الاقتداء بسوداوية مثل سوداوية كافكا, ان شعر الصعاليك في الادب العربي هو ثمرة قلق وتمرد لكنه قلق اتخذ منحى ايجابيا وشجاعة في مواجهة الحياة واعبائها, ورومانسية العذريين لم تكن مترهلة بل كانت رومانسية نبيلة تقدر المرأة وتعشق العفاف والتسامي وتصون الشرف وان عقلنا الادبي الحديث انبعاث وتواصل مع عطاء الآخرين ولكنه لا يجوز ان يكون غرقا في الاساطير وتصيد الرموز والاقنعة لتغريب عقلنا الادبي وتسخيره لتضليلنا.
هذه اطلالة على وجهة نظر المؤلف ولا يتسع هذا المقال لعرض تطبيقاته ودراسته لنصوص من ادبنا المعاصر وادب الحداثة في ضوء ما دعا له، ولابد من الاشارة الى اهمية الافكار التنظيرية التي طرحها المؤلف (ابو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري) وبخاصة فهمه الالتزام الادبي وتوفيقه بين الالتزام والحرية في الادب وفضحه الاتجاهات المشبوهة او المتطرفة في مسيرة ادبنا تحت اسم الحداثة الامر الذي يستدعي ان تدرس آراؤه دراسة جادة فنحن نعنى كثيرا بنظريات منظري الادب من الغربيين من امثال (كروتشه ولانسون وتين) ولا نقيم وزنا لآراء نقادنا ما سلف منهم كابن قتيبة وابن رشيق والآمدي ونرى ان ما قدمه الغربيون المعاصرون من دراسات جمالية ادعى لاهتمامنا في حين ان كثيرا من آرائهم لا ترقى الى ما توصل اليه نقادنا في هذا الباب.
الهوامش:
(*) جدلية العقل الادبي, تأليف: ابي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري.
1- جدلية العقل الادبي ص 4.
2- المصدر السابق ص 51.
3- المصدر السابق ص 56.
4- المصدر السابق ص 57.
5- المصدر السابق ص 70.
6- المصدر السابق ص 71.
7- المصدر السابق ص 76.
8- المصدر السابق ص 78.
9- المصدر السابق ص 80.
10- المصدر السابق ص 93.
*- دمشق
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved