كتب المؤرخ الانجليزي الشهير كار في كتاب له بعنوان ما هو التاريخ ؟ إن التاريخ هو الماضي منظوراً إليه بعيون الحاضر، ذلك ان كتب التاريخ لا تتضمن على سبيل الحصر كل الاحداث والوقائع التي حدثت في اوقات ماضية، وإنما تلك التي يعتبرها المؤرخ واقعة تاريخية جديرة بالرصد والتسجيل.
ومعنى ذلك، ان المؤرخ يسجل ما يعتبر انه هام ويساعد على اعطاء صورة عن الحقبة او الفترة التاريخية التي يؤرخ لها, وعلى سبيل المثال، فهناك آلاف من الاشخاص الذين يزورون متحف الشمع في لندن دون ان يعتبر احد ذلك أمراً هاماً او يستحق التسجيل ولكن عندما قام الرئيس كلينتون بزيارة له تم تسجيل هذه الواقعة بالصوت والصورة، وأحيانا يتم تسجيل التاريخ بأثر رجعي فمن من المصريين والعرب عرف مثلا عن قرية صغيرة في صعيد مصر اسمها بني مر لولا ان الرئيس جمال عبدالناصر انتسب إلى تلك القرية وذاع اسمها مع صعود نجمه في السياسة العربية في حقبتي الخمسينيات والستينيات.
وكما ان تحديد الوقائع والاحداث عادة ما يعبر عن وجهة نظر المؤرخ ومفهومه للتاريخ، فإن المنهج الذي يتبعه للربط بين تلك الاحداث، وإبراز دلالاتها يخضع ايضا لوجهة نظره, فهناك مدرسة تاريخية تنظر إلى تاريخ الدول والمجتمعات من وجهة نظر حكامها, وأبرز مثل على ذلك مؤرخ مصر الكبير الاستاذ عبدالرحمن الرافعي الذي أرخ لتاريخ مصر في عدد من الكتب حملت اسماء مثل عصر محمد علي، وعصر إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمد فريد,, الخ، وعكس ذلك وجهة نظر مؤداها ان فترة حكم او قيادة شخص ما تصلح اساسا للتميز بين مراحل تطور المجتمع، ومن ابرز المدافعين عن هذا الاتجاه توماس كارلايل الذي اعتبر التاريخ نتاجا لجهود وابداع الابطال وان العنصر الحاسم له في مسيرة اي مجتمع وتطوره هو ظهور ذلك النمط من الابطال الذين يتركون بصماتهم على حياة المجتمع.
وهناك مدرسة اخرى ركزت على التاريخ الاجتماعي بمعنى حركة القوى والجماعات والفئات المختلفة وكيف تتفاعل فيما بينها لتحدد مسيرة المجتمع في اتجاه معين, وهناك مدرسة تأثرت بالأفكار الماركسية سجلت التاريخ من منظور العلاقات بين الطبقات وانماط تفاعلها من صراع وتعاون، وهناك مدرسة رابعة ركزت على تاريخ الافكار وتطورها فبحثت في الاصول التاريخية لفكرة ما، وكيف نشأت وتطورت، والعوامل التي ادت إلى ذيوعها ورواجها ولعل من اهم الكتب في هذا المجال مؤلف باربرا وارد بعنوان خمسة افكار غيرت وجه الانسانية .
العمل التاريخي إذاً، سواء من حيث معيار تسجيل الاحداث او من حيث منهج تفسيرها، يعكس وجهات نظر مختلفة، وهذا لا يعني بالضرورة عدم الموضوعية لان كل انسان له اولوياته وانحيازاته ووجهات نظره, والانسان المحايد تماما يندر، او ربما يستحيل وجوده، لذلك يرى البعض ان الموضوعية هي اعلان الباحث عن انحيازاته, ولكن شتان بين ان تعكس الكتابة التاريخية انحيازاً لمذهب أو فكرة أو منهج ما في التحليل وبين الظاهرة التي نراها في بلادنا العربية وهي التوظيف السياسي للتاريخ والذي نعتبره آفة اخلاقية وسياسية مدمرة لتاريخ المجتمع من ناحية ولانتماء الاجيال الجديدة من ناحية اخرى.
والذي اشير إليه هو خضوع كتابة التاريخ للتقلبات السياسية، ولاهواء الحكام الذين يتغيرون من فترة لاخرى،, والذي يقارن، على سبيل المثال، كتب التاريخ المقررة في المدارس في عدد من بلادنا العربية من فترة لاخرى يجد فيها تقلبات لايمكن تفسيرها بأي معيار علمي او فكري، فتجد عدد الصفحات المخصصة لتغطية الفترة التي حكم فيها ملك او رئيس ما تزداد او تتقلص، كما ان التقييم الذي تتضمنه لتلك الفترة يختلف ويتغير، ونجد في هذا الاطار كتابات تاريخية لتبرير توجهات نظام سياسي ما أو لاجراء سياسي تم اتخاذه، بل لقد رفعت بعض النظم العربية شعار اعادة كتابة التاريخ ، وتكون اعادة الكتابة بالطبع من وجهة نظر النظام القائم.
ويرتبط بالتوظيف السياسي للتاريخ ان يصبح التاريخ احد اسلحة الاقتتال السياسي بين الاحزاب والنظم السياسية، وفي هذا السياق تتأجج روح ثأرية بين المناصرين لنظم الحكم التي سادت في فترات تاريخية سابقة ففي مصر، على سبيل المثال، مازال البعض يناقش ما إذا كان ما حدث ليلة 23 يوليو 1952 يمثل انقلابا عسكريا أم ثورة، والصراع بين المؤرخين المشايعين للفترة التي سبقت عام 1952م، وأولئك الذين أيدوا التغيير الذي حدث في مصر مازال مستمراً ونجد تعبيرات عنه في الصحف والمجلات السيارة، بل نجد اقتتالا بين المؤيدين لمرحلة الرئيس عبدالناصر والاخرين المؤيدين لمرحلة الرئيس السادات، وهكذا، فإن التاريخ اصبح سلاحا سياسيا، ومصدرا لشرعية التوجهات السياسية الموجودة في مجتمعاتنا العربية، فكل اتجاه يسعى للبحث عن نسب تاريخي
التاريخ إذاً لا يتعلق بأمور مضت وانقضت، والماضي في كثير من الاحيان مازال يمثل مصدراً لشرعية الحاضر، كما ان هذا الماضي يقدم الاساس لكثير من جوانب الهوية والانتماء، وهذا صحيح في اغلب المجتمعات ولكن من الصحيح ايضا، اننا نعيش في عالم يتغير مع ازدياد سرعة التغير ووتيرته، الامر الذي يطرح على المجتمعات المعاصرة قضايا جديدة وتحديات مستحدثة ليس لها سوابق او جذور في الماضي، وسوف يتوقف نجاح المجتمعات والدول المختلفة في مواجهة تحديات الغد، على قدرتها في بلورة الصيغة المناسبة التي توفق بين احترام الماضي دون ان يصبح قيداً على المستقبل، وبين خوض غمار المستقبل دون فقدان الهوية والانتماء.
|