Tuesday 13th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 29 ربيع الاول


فصاميات
شعر

تركوني,.
فمضيتُ
والتوى عِرقُ بساقي
فهويتُ
رغم أن الأرضَ قربي
والصناديدَ بزندي
بيد ان الطفل مني
ما استباح العذر مني
فانطلق
فبكيتُ وبكوا
ونسيتُ ونسوا
قربَ عهدي بالطفولة
***
تسعون شتاء,, مرَّت
والزهرة كالهرم الأكبر
كتلال الطيف المتفجرِ, بهدوء
في اللون الأبيض
كسيول الذهب المتحجر,, بخضوعٍ
في الحجر الأبيض
ليت شعري,.
مالهذا الليل أسود
ما لليلى,, تفتكُ الأقمارَ فتكاً
وهي حلمٌ
في سديم الكون
- أصلاً -
ما تحقق
***
وقد يأتي المساء
بألف وجهِ
وألف سورٍ
وألفِ قلعة
بخيولها وجنودها
ودموعها المستكنة
وتغريني أحاسيسي
بذات المشهد العاري
وأوصالي,.
تُكذِّب في دمي,, طوعي
وتدعو لي,.
بذاتِ الخزي والعار
كأنا ما شربنا الماءَ معاً
كأنا ما شهدنا النور معاً
كأن الظفرَ واللّحمَ
خرافاتٌ,.
خرافاتٌ,.
خرافاتٌ,.
تفكُّ القيدَ من ضلعي
إذا ما اهتزَّ,, مُنتشياً
فيضُ اللحم,, من سقمي
ومِن قدَري
ومن دقاتِ أشعاري
وقد تنتابنا,.
قصة للحبِّ أخرى
وقد تنتابنا
لحظاتُ حزنٍ أو سرور
وقد نعودُ إلى دواخلنا
لنبكي من جديدة
مع أنه,.
لا شيء يستدعي البكاءَ
فلا جديد
وقد نفيقُ,.
هياكلا هزلى
يُكبِّلها الجمود
تحثو العظامَ على العظامِ
بنصف عود
وتستلذُّ,.
لكالحاتِ الطرفِ
والعينِ الحسود
محسن عوض السهلي
الخرج

***
** إن الحكمة لا تأتي إلا بعد تقدم السن وفوات الأوان هذا ما أدركه بأسف المسرحي اليوناني سوفوكليس في مسرحيته الشهيرة أنتيجونا وما أدركه بعدمية محملة بالحزن - الذي لم يعد له قيمة الحزن - محسن السهلي في قصيدته هذه قصاميات ,, وبعد ان كان عمره قد تجاوز سن التسعين!!
وإذن فالسهلي يعرض علينا خلاصة تجربة تسعين سنة تسعون شتاء مرت، والشتاء لايمر مرتين في عام واحد ، مستمدا من ذاته الخاصة مادة يضرب بها المثل وبالتالي كان عليه ان يبدأ استعراض تجارب السنين التسعين من اول خطوة للسير، يغامر بها الطفل ليجرب السير، دون ان يراجع نفسه او يتحسب النتائج بيد ان الطفل في ما استباح العذر مني ، ليقفز الى ادراك سن التسعين في المقطع التالي,, طبيعي ان فضاء قصيدة لا يتسع لترتيب زمني لمختلف مراحل العمر، كما انه لا يتسع للعد والحصر لمختلف تجارب كل مرحلة واستخلاص دروس الخبرة منها، ولهذا يلجأ السهلي الى القفز من باكر الطفولة إلى افول الشيخ في قفزة للمراحل ويكتفي بالاشارة الاختزالية الكلية لخلاصة مجمل التجارب لكل مرحلة: (هويت,, فبكيت وبكوا، ونسيت ونسوا) وتلك سنة الحياة وطبيعة الانسان,,!
لا يعدد السهلي تجاربه ودروسها، بل لا يتوقف عند تجربة واحدة خاصة ويستفيض في إضاءاتها من كل زواياها ليصبح محوراً أساسياً وموضوعاً لقصيدته,, وبالتالي تتحول القصيدة بين يديه عن ان تكون قصيدة تجربة إلى ان تكون قصيدة وعي أو قصيدة خبرة في قصيدة التجربة تجربة حب مثلاً يجب ان نعرف كل شيء من تفاصيلها ومبررات الحكم عليها كي ننحاز مع الشاعر او ضده إذا لم يقنعنا، وفي قصيدة الوعي تتحول الشخوص إلى رموز عامة بلا اسماء ولا ملامح محددة،وتتحول الاحكام إلى خلاصات لها صفات الاحكام العامة، وتعتمد القصيدة على ازكاء اثر انفعالي عام، مبرره هنا عند صديق الصفحة محسن السهلي هو ضرورة ان يثق الناس مثلنا، حول اعمال الشباب، بحكمة الشيوخ مثل السهلي،الذي يتحدث بلسان من خبر لتسعين سنة!! فما هي تلك الحكمة العامة التي يستدرجنا إليها السهلي؟
يرى السهلي ان الوعي الانساني، في عز نضجه واكتماله في شيخوخة التسعين، لا يعود يصنف الناس والاخلاق والاحداث والاوضاع والتجارب، فكل شيء - مما يراه الغريرون سلبا - يتساوى مع كل شيء يرونه ايجابا، الحزن يساوي الفرح، والتذكر يساوي النسيان كلاهما قد ضاع، والحب اشتعالا يساوي الملل والسأم والانصراف ومراودة النفس على تصديق الاكاذيب التي صنعتها هي نفسها لتساوي افتضاحات الامور في اسوأ أوضاعها باعتبارها الحقائق الحقيقية المعاشة,, اي شيء يعني اي شيء ويساويه، ولهذا فعجوز التسعين يرى ان كل شيء ليس إلا نائبة تصيب المرء، الحب ينتابنا، وقد تنتابنا لحظات حزن او سرور وقد ينتابنا البكاء ولا شيء يستحق البكاء طالما انه ليس جديداً,, لهذا - أقول - فعجوز التسعين الذي تقوس ظهره، وأصبح مظهره هزليا تحفو في هيكله العظام على العظام، وبينه وبين القبر مسافة عشر سنوات بالناقص يستلذ لكاحلات الطرف,,!
هذه تجربة شعرية جديدة للسهلي، بالغة النضج كما عودنا وإنما يبقى حولها تساؤلان:
في استعادة مرحلة الطفولة من قبل عجوز التسعين، تحميل لتلك الاستعادة بنفس موقف الحكمة التسعينية,, ولا بأس فهي اشارة للبدء قد تكون ضرورية,, هذه واحدة،لكن وعي التسعين نفسه، الذي صبغ بلون طفولة غضة لا تدرك شيئا، هو نفسه وعي غير حقيقي، فعمر السهلي كله - ربما كان شاباً أو كهلاً - كشاعر لا يتسع لتجارب تسعين سنة تعلمه فيها الحكمة!! هي حكمة شاب قفز، والقى بنفسه في اتون التسعين بكل هذه العدمية التي لا تبالي بكل شيء، ليس إلا رؤية شعرية شابة وناضجة، عذبها ودفع بها إلى كل هذا اليأس ما تراه من نكران كأنا ما شربنا الماء معاً كأنا ما شهدنا النور معاً,, .
كأن كل شيء محض خرافة، وما الناس إلا طيف بلا لون ولا شكل ذائب في فضاء بلا لون وان غشاه بياض الضوء والنور,.
اي ان الدافع الى عدمية الانسحاب، ليس حقيقة الا احتجاج الرفض الثائر والمدين لكل شيء,.
تلك سمة من سمات الفن في صوره الراقبة على اي حال وسمة تعطيه قوة الايجاب في حالات الانسحاب والسلب، وتنطق مبدعاً كالسهلي في شبابه بحكمة وإدراك شيخوخة كان قد سلك دربها ايضا المسرحي الشهير سوفو كليس وهو يقرر ان الناس لا يتعلمون إلا بعد تقدم السن وفوات الاوان، وكأنما ينظر خلفه ويصف سنا متقدمة للشيخوخة تجاوزها واستخلص دروسها مع انه كان في فاتحة شبابه,.
شكراً وتحية لصديق الصفحة محسن السهلي,.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved