Tuesday 13th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 29 ربيع الاول


فيما تعقد القمة الأفريقية ال 35 بالجزائر
جذور وملابسات الحروب الأفريقية

* القاهرة- مكتب الجزيرة- د, أحمد السيد الصاوي
لم تتوقف عجلة الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا، ولم تتوقف معها المناقشات والابحاث التي تدور في كافة ارجاء العالم العربي والافريقي، وفي ندوته السنوية التي اقامها معهد البحوث والدراسات الافريقية مؤخرا بجامعة القاهرة دارت النقاشات والابحاث حول الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا حضرها نخبة كبيرة من الباحثين والمهتمين بالشئون الافريقية يتقدمهم رئيس جامعة القاهرة ومساعد وزير الخارجية المصري للشئون الافريقية الذي القى كلمة افتتاحية بالنيابة عن عمرو موسى وزير الخارجية.
دارت وقائع الجلسة الاولى حول المحور التاريخي للقارة السمراء واشتملت على اربعة ابحاث رئيسية كان البحث الاول منها للدكتور عبدالله عبدالرازق وتناول فيه الجذور التاريخية للحروب الاهلية في الكونغو الديمقراطية بدءا من استيلاء بلجيكا على اراضي الكونغو وعقد مؤتمر برلين 1884م الذي انتهى الى انشاء دولة الكونغو الحرة بادارة بلجيكية وذلك نتيجة لخوف انجلترا وفرنسا من وقوع الكونغو بمساحتها الشاسعة في ايدي قوة كبيرة فتم تسليمها لبلجيكا الضعيفة.
اضطراب أحوال الكونغو نتيجة منطقية
واشار الدكتور عبدالله عبدالرازق في بحثه الى ان اضطراب احوال الكونغو وانتشار الحروب الاهلية فيه كان امرا منطقيا في ظل اتساع مساحة الدولة التي تعادل تقريبا مساحة غرب افريقيا المقسمة الى 18 دولة وتنوع الاجناس والقبائل، بالاضافة الى السكان الاوائل من الاقزام كانت هناك قبائل البانتو الذين اسسوا عدة ممالك مثل مملكة الباكونجو القرن 14م والبالبو 15-16م والزنوج النيليون والتوتس في اقليم كيفو والمونجو في حوض الكونغو الاوسط وقبائل الكوبا في اقليم كاساي، وقبائل اللوندا واللوبا ثم قبائل الواريجا في شرق الكونغو.
ونتيجة لذلك فعندما اجريت اول انتخابات في الكونغو عام 1957 كانت الاحزاب المشاركة فيها ترتكن الى الخلفيات القبلية لاسيما وان الحكم البلجيكي لم يساعد على تأهيل الكوادر الوطنية تاركا امور البلاد لكل من الكنيسة والمؤسسات التجارية والحكومة وجميعها كانت تحت ادارة العناصر الاوروبية.
فحزب الاباكو الذي كان يقوده جوزيف كازافوبو ويدعو لتقسيم الكونغو الى عدة دول كان يمثل تحالف قبائل الباكونجو اما حزب الكوناكات الذي كان يطالب برئاسة تشومي بانشاء اتحاد فيدرالي فكان يمثل قبائل اقليم كاتنجا, ثم تطرق البحث الى وقائع الصراع على السلطة والتي انتهت بمقتل بياتريس لومومبا رئيس الوزراء في عام 1965م وانفراد كازافوبو برئاسة الكونغو حتى اطاح به رئيس اركان الجيش جوزيف موبوتو الذي تسمى فيما بعد باسم موبوتوسيس سيكو وحوّل اسم دولة الكونغو الى زائير .
ويخلص البحث الى سرد وقائع استيلاء لوران كابيلا على الحكم بمساعدة عناصر التوتس ثم انقلابه عليها بزعم سعيها لاقامة دول كبرى لعناصر التوتس في منطقة البحيرات العظمى وما كان من تدخل انجولا وزيمبابوي لصالح كابيلا وانحياز وكلاء امريكا في المنطقة بزعامة موسيفيني رئيس اوغندا ورئيس رواندا للمتمردين ضد كابيلا.
استبعاد المسلمين
وجاءت الورقة التي قدمها الدكتور ماهر عطية شعبان لتتناول موضوع الحروب الاهلية في نيجيريا وبالتحيدد قضية انفصال اقليم بيافرا, وقد اشار في بحثه الى ان نيجيريا تشتمل على 300 قبيلة لكل منها تقاليد وتراث مميز ولذا فقد عمدت انجلترا اثناء استعمارها لهذا الاقليم الى اتباع سياسة الحكم غير المباشر بالاعتماد على الامراء والحكام الوطنيين الذين يحكمون اقليمهم ومناطقهم تحت اشراف المقيمين البريطانيين, وعندما وضعت بريطانيا دستور 1923 قامت باستبعاد الاقليم الشمالي المسلم من تشكيل البرلمان, وبايعاز من سلطات الاحتلال غذيت روح القبلية التي تجسدت في تشكيل الاحزاب، فجاء المجلس الوطن لمواطن نيجيريا ممثلا لشعب الايبو في شرق نيجيريا وجماعة العمل لتمثل شعب اليوربا في الغرب اما مؤتمر شعب الشمال فكان معبرا عن الفولاني ويخلص البحث الى ان سعي بيافرا الاقليم الشرقي الى الانفصال عن نيجيريا له اسبابه الاقتصادية حيث يزخر بالموارد الاقتصادية وخاصة البترول وان للماضي الاستعماري ودور القوى الاجنبية دورا مؤثرا في تغذية هذه النزعة الانفصالية.
وعرض الدكتور صبري ابراهيم سلامة بحثا عن تأثير الحرب الاهلية النيجيرية في ادب شعب الهوسا المسلم، وبخاصة على حركة الشعر الهوساوي, وقد ضم البحث تحليلا اضافيا للآلية الشعرية التي كتب ابياتها الشاعر الهوساوي يوسف عبدالله بيتش عن احداث الصراع الدموي في نيجيريا خلال الاعوام من 1966- الى سنة 1970م.
مستقبل السودان
وافردت الجلسة الثانية للاوضاع في السودان وفيها تحدث الدكتور احمد ابراهيم دياب المؤرخ السوداني عن 45 عاما من الحرب ووقائعها واصفا احداثها المأسوية بانها موت امل وتحطيم أمة.
وجاء بحث الدكتور ابراهيم نصر الدين ليتناول الحرب الاهلية في السودان والذي اكد في مقدمته على انه منذ التسعينيات تعددت اطراف الحرب وتشابكت وتناقضت مواقفها وامتدت الحرب لتتعدى نطاق الجنوب وتصل الى الشرق والغرب وادى ذلك كله الى فتح الباب واسعا امام كافة الخيارات الصراعية للمشكلة بما في ذلك الانهيار الكامل للدولة السودانية على غرار الحالة الصومالية او وضع ليبيريا او انفصال الجنوب ومعه الغرب والشرق عنوة او استيلاء الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج على السلطة في السودان وتغيير الهوية السودانية كلية حتى وصول جعفر نميري الى السلطة في عام 1969 في حين خصصت الفترة الثالثة للحكم الذاتي الاقليمي للجنوب 1969-1983 وتناولت الفترة الرابعة انفجار الحرب الاهلية من جديد.
اما المبحث الثاني فكان عن طبيعة المشكلة وسيناريوهات التسوية ويذهب الدكتور ابراهيم نصر الدين الى ان الصراع الحالي في السودان ماهو الا صراع سياسي بالدرجة الاولى بمعنى انه صراع للسيطرة على سلطة الدولة واستخدامها في دولة تفتقر الى التماسك الوطني وبهذا المعنى فان هذا الصراع في جوهره هو صراع سياسي رغم انه احيانا ما يغلف بمضامين ثقافية واقتصادية- اجتماعية.
واختتم الدكتور فرج عبدالفتاح ابحاث هذه الجلسة ببحثه عن الاقتصاد السياسي لجنوب السودان والذي استهدف منه ابراز العامل الاقتصادي وعدم التساوي في توزيع المنافع العامة كعامل دافع للحركات الانفصالية في افريقيا، اعتمادا على دراسة ميدانية ممولة من منظمة العمل الدولية قام بها ويليام هاوس عضو المنظمة عن طبيعة ومحددات التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين القطاعات الفلاحية في المنطقة الممتدة من غرب النيل الابيض وحتى حدود اوغندا, وقد اثبتت الدراسة انه مازال السكان في تلك المنطقة بحاجة لابسط الاحتياجات الانسانية من سلع وخدمات ضرورية حيث يعتبر الامن الغذائي مفقودا بالمرة هناك.
وضمت الجلسة الثالثة اربعة ابحاث عن نماذج للحروب الاهلية في شرق افريقيا, وكان من نصيب الصومال بحثان الاول منهما للدكتور جمال ضلع، الذي استعرض فيه اسباب الحرب الاهلية ودور القبلية فيها وكذلك الاطراف الاقليمية والدولية ومسار التدخل الدولي تحت غطاء الامم المتحدة.
مساعدات المملكة
اما البحث الثاني فكان عن السياسات والمواقف الدولية والاقليمية تجاه ازمة الصومال وقدمته الدكتورة نجوى الفوال وتناولت مواقف القوى الاستعمارية السابقة في الصومال وخاصة مواقف ايطاليا ثم فرنسا وموقف الامم المتحدة من الازمة الصومالية وكذلك مواقف الدول الاقليمية كاثيوبيا وكينيا وجيبوتي، وافردت جزءا للحديث عن الموقف العربي وبخاصة دور مصر واعلان القاهرة نوفمبر 1997 والمساعدات التي قدمتها المملكة العربية السعودية التي شاركت في القوات الدولية وقامت بتوزيع المعونات ومواد الاغاثة داخل مقديشو وغيرها دون ان يعترضها اي فصيل، كما قامت القوات السعودية بتوزيع نسخ من القرآن الكريم وعملت المملكة على ترميم المساجد واعادة ائمتها وتحديث مدارس القرآن الكريم وتقديم الغذاء لطلابها كما قدمت النفط للمنظمات الانسانية الصومالية.
وكانت الجلسة الرابعة عن نماذج للحروب الاهلية في غرب افريقيا, ومن اهم ابحاثها ذلك الذي قدمه د, شوقي عطا الله الجمل عن الصراعات والحروب الاهلية في سيراليون وتناول فيه دور انجلترا في تأسيس سيراليون كمستعمرة يقطنها الزنوج الذين حاربوا في صفوف بريطانيا اثناء الحرب الاهلية الامريكية، وبالتالي تأسيس انجلترا لشركة سيراليون التي انشأت مدينة فري تاون العاصمة ونقلت اليها اعدادا كبيرة من الرقيق المحررين وبعد تحريم الرق في عام 1803م توقف المحررون على سيراليون واصبحت احدى مستعمرات التاج البريطاني قبل ان تحصل في 27 ابريل 1961 على استقلالها داخل الكومنولث وتصبح جمهورية مستقلة في 19 مارس 1971م.
وحظيت دولة تشاد ببحثين اولهما قدمه السفير د, جلال عبدالمعز عبدالرحمن تحت عنوان الصراعات والحروب الاهلية في تشاد وركز فيها على دور الاستعمار الفرنسي في زرع الشقاق ودور ليميا في عهد الملكية ثم بعد ثورة الفاتح ثم الصراعات القبلية ودورها في الحرب الاهلية بتشاد.
اما البحث الثاني فقدمه الباحث التشادي الاستاذ محمد شريف جاكو عن الصراع السياسي في جمهورية تشاد واوضح فيه ان اسباب الصراع تتلخص في انعدام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وغياب المؤسسات الاجتماعية فضلا عن الصراع على السلطة بين السياسيين واتخاذهم السلطة وسيلة للثراء, واكد ان الصراعات العرقية او الدينية ليست فاعلة في تشاد فضلا عن أن اللغة العربية هناك هي بمثابة مطلب قومي.
وجاءت الجلسة الخامسة حاشدة بالابحاث التي تركزت حول نماذج للحروب الاهلية في وسط افريقيا.
فقدم الدكتور صبحي قنصوه بحثا عن الازمة الرواندية من ثورة الهوتو 1959 الى حرب الابادة الجماعية 1994 واوضح فيه ان رواندا دولة صغيرة ولكنها كثيفة السكان ل 7,5 ملايين نسمة حسب احصاء 1993 وقد حققت وحدتها السياسية في ظل نظام مركزي للسلطة قبل مجيء الاستعمار الاوروبي بوقت طويل حيث جسدت الاقلية التونسية نخبة الحكم في مواجهة الاغلبية من الهوتو, ويتميز الصراع في رواندا ببساطة التكوين العرقي هوتو+ توتس والاختلاط الجغرافي بين العرقيين وكذلك انتشار المسيحية بينهما.
وارجع الدكتور قنصوة اسباب الصراع الى ماهو تاريخ يتعلق بميراث العلاقات الاثنية في رواندا قبل الاستعمار وماهو ثقافي يتعلق بالصور والانماط والمدركات الذهنية التي شكلت نظرة الجماعات الاثنية الرواندية الى نفسها والى غيرها فضلا عن الاسباب الاقتصادية كثرة السكان وندرة الارض والسياسة المتصلة بطبيعة واتجاهات النخب السياسية الاثنية من الهوتو والتوتس ومدى استعدادها وقدراتها على توظيف الانتماءات لاغراض سياسية, واخيرا العوامل الخارجية الاقليمية والدولية.
الأطراف الإقليمية في حرب الكونغو
وكان بحث الدكتور محمود ابو العينين هو آخر ابحاث هذه الجلسة وعنوانه دور الاطراف الاقليمية في الحرب الاهلية في الكونغو الديمقراطي في ظل الجمهورية الثالثة وتعرض فيه للاسباب والعوامل المحلية لهذه الحرب وفي مقدمتها العامل العرقي 200-250 مجموعة قبلية عرقية وتأثير الميراث الاستعماري ودور بلجيكا واحجام موبوتو عن منح الجنسية لتوتس البانيا مولينجي الذين انحازوا الى كابيلا في حربه لخلع موبوتو، وكذلك ازمة الشرعية التي تخيم على الجمهورية الثالثة والتي تبدو واضحة في عداوة كابيلا للخصوم السابقين كوبوتو وخاصة ضد زعيم الاتحاد من اجل التقدم والديمقراطية ايتين تشيسيكيدي الذي يحظى باهتمام امريكي فضلا عن الغموض الذي يكتنف شخصية كابيلا نفسه .
واستعرض الدكتور ابو العينين تدخلات الاطراف الاقليمية في الحرب ومصالحها مؤكدا على ان هناك دوافع ذات طبيعة امنية وسياسية تدفع حلفاء المعارضة الاقليميين راوندا اوغندا بوروندي الى تأييدهم مثل مشكلة الهوتو اللاجئين وتسليح كابيلا للعناصر التي تحارب نظام موسيفيني في اوغندا، فضلا عن المصالح الاقتصادية اذ ان الصراع في جانب منه صراع الماس والنحاس ويكفي ان قوات اوغندا تتوغل في الكونغو لسلب الذهب والماس.
اما انجولا فهي تمتلك حدوداً طويلة مع الكونغو وتخشى ان يؤدي اضطراب الامور في المنطقة الى اتاحة الفرصة لقوات يونيتا الانفصالية لاستعادة نشاطها بقيادة سافيمبي وبالنسبة لنامبيبيا فقد انحازت لكابيلا في اطار موقف جماعة التنمية لدولة الجنوب الافريقي سادك SADC .
وفيما يتعلق بالجهود الاقليمية والدولية لاحتواء الحرب وتسوية الصراع فقد بدأأواضحا منها ان امريكا تشجب تدخلات دول الجوار فيما تعلن فرنسا حيادها وتسعى بلجيكا الى تقريب وجهات النظر بين اطراف الصراع وقد اظهرت الاحداث ان SADC هي اكثر الاطراف الاقليمية فعالية وان منظمة الوحدة الافريقية غير جاهزة للتعامل مع الازمة الكونغولية.
وفي الختام افردت جلسة خاصة عن آثار الحروب الاهلية على المجتمعات الافريقية وعرضت خلالها ابحاث الدكتور عراقي الشربيني عن الحياة الاقتصادية في ظل انهيار الدولة والدكتورة هيام الببلاوي عن الحروب الاهلية ومشكلة اللاجئين في افريقيا.
وقدمت الدكتورة عزيزة بدر بحثا عن التكلفة والاثار الاجتماعية والاقتصادية للصراعات الداخلية وانعكاساتها على البيئة والتنمية البشرية في افريقيا, وتحدثت فيها عن تأثير انهيار النظام الدولي الثنائي القطبية وآليات العولمة في تفجير وتغذية الحروب الاهلية واوضحت ان هذه الحروب قد ادت الى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي تجسد في ارتفاع نسب الوفيات وخاصة بين الاطفال وتدهور نسبة الالتحاق بالمستوى الاول من التعليم ونصيب الفرد من الغذاء والسعرات الحرارية فضلا عن نقص الاستثمارات وزيادة نفقات الدفاع وانخفاض نصيب الفرد من الدخل الوطني.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved