Tuesday 13th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 29 ربيع الاول


لحماية الأمن في البلاد
شرطان لسعادة المجتمع ورفاهه

سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة - المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,, وبعد
من خلال متابعتي لصفحة عزيزتي الجزيرة قرأت ما كتبه اخي الاستاذ/ حسن بن ظافر الشكرة- يوم الاثنين الموافق 21 من ربيع الاول عام 1420ه تحت عنوان المواطن مسؤول امنياً حيث تحدث عن موضوع الجريمة ودور المواطن في مساعدة رجال الامن في مكافحة الجرائم، ولا يشك عاقل ولا يرتاب بأن بلادنا من اقل دول العالم في ارتكاب الجرائم وهذا بفضل من الله عز وجل ثم الجهود الجبارة لرجال الامن والمواطنين اذ كل منهما مكمل للآخر.
ولكي يتحقق الامن والامان في اي بلد من بلاد العالم لابد من توفر شرطين اساسيين هما:
1- الوازع الديني 2- الوازع السلطاني.
اذ بهذين الشرطين يسعد المجتمع ويرفل في ثياب العز والكرامة ويتقدم شعبه بالحضارة والزعامة، وهذان المبدآن العظيمان متلازمان وبغياب احدهما تظهر الجريمة ويفسد المجتمع بقدر هذا الابتعاد والانفصام.
فالوازع الديني اقصد به الدين الاسلامي الحنيف وهو الايمان فالمؤمن قوي لانه يستمد قوته من الله عز وجل الذي يؤمن به ويتوكل عليه ويعتقد بأن الله يراه ويحاسبه عن كل صغيرة وكبيرة فيخلص في قوله وفعله ومعاملته مع غيره فتراه يحارب الشر والرذيلة والجريمة وان لم يكن له على فعله هذا نفع مادي ولا هوى شخصي اذ لا يهمه ذلك ويعلم ان امنه وامانه امان للجميع قال تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون .
وبذلك يسلم المجتمع من العقوبة والانهيار والانحطاط اذا كان اهله متصفين بهذه الخصلة الحميدة التي ارتضاها الله لعباده وفطرهم عليها فان ذلك يعتبر قوة عظيمة رادعة للجريمة واهلها يعني قوة الا يمان وصلابته .
والوازع الديني لا يكفي وحده فقط فلابد من وازع سلطاني يقيم حدود الله ويطبق شرعه اذ لا يقل اهمية من الاول فان الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن وهذا يظهر جلياً واضحاً في بلادنا وفقها الله اذ يحكمها ولاة أمر مخلصون شغلهم الشاغل المحافظة على امن البلاد ومقدراته.
فالدولة وفقها الله تبذل جهوداًجبارة مادياً ومعنوياً في سبيل الحفاظ على امن واستقرار المواطن والمقيم ولعلك اخي القارىء - تسمع بين الحين والآخر البيان الصادر من وزارة الداخلية في تنفيذ حكم القصاص او حد الحرابة للمجرمين الذين يحاولون العبث بأمن البلاد وهذا فضل ونعمة عظيمة منّ الله بها علينا مما جعل الدولة من اقل دول العالم في الجرائم.
وخلاصة القول ولكي يتضح ما اقول سابقاً:
ان للايمان بالله وتطبيق شرعه القويم اثراً فاعلاً في تربية النفوس على عمل الخير وترك الشر واليك هذين المثالين في توضيح ذلك:
موقف من التاريخ القديم وآخر من التاريخ الحديث يصور لنا كيف يصنع الوازع الديني ما يعجز عنه وازع السلطان اذا استقل بوحده دون الايمان وذلك نقلاً من كتاب الايمان والحياة للشيخ القرضاوي حيث يقول: في تحريم الخمر بين امة الاسلام والولايات المتحدة الامريكية.
فقد بُعث محمد رسول الله وللخمر في المجتمع العربي سريان وانتشار، تجري من نفوس ابنائه مجرى الدم، يمتدحون بشربها ويفتنون في وصفها ووصف مجالسها وندمائها واقداحها، ويصور شاعرهم مدى تعلقه بها فيقول:
اذا مت فادفني الى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولم يستطع امرؤ القيس الشاعر المعروف - وقد بلغه قتل أبيه- ان يدع الكأس من يده، ويفارق مجلس ندمائه بل قال - كما يروى- كلمته المشهورة: اليوم خمر وغداً امر .
ولم يعرف المجتمع الجاهلي الا افراداً معدودين على الاصابع عافوا شرب الخمر مروءة وسجل لهم ذلك التاريخ كمأثرة نادرة، كزيد بن عمرو بن نفيل.
ومما يدل على اهتمامهم بالخمر انهم وضعوا للتعبير عنها اسماء كثيرة وكنايات مختلفة، والقاباً متعددة المدامة، السلافة، الراح، الصهباء، ابنة العنقود، ابنة الكرم، بنت الحان، بنت الدنان,, الى آخر الاسماء التي بلغت اكثر من مائة.
كما ان تجارتها عندهم كانت في نماء وازدهار.
ومن ادلة شغفهم بها، وتمكنها من نفوسهم، ان كثيراً من الصحابة بعد ان نزلت الآيتان الأوليان في شأن الخمر: قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس و لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ولم يكن التحريم فيها صريحا حاسما، لم يزالوا يشربون الخمر مادام في النص متسع لهم.
ذلك ان الاسلام تدرج معهم في تحريم الخمر - رفقا بهم وتيسيرا عليهم- حتى نزلت آية المائدة الصريحة القاطعة: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون .
وهنا رأينا العجب,, رأينا الرجل يحطم كأسه، ويسفك ما عنده من خمر في الطريق حتى تفيض طرقات المدينة بما كان عند الناس منها.
عن ابي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس ان الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه وينتفع به وذلك قبل التحريم النهائي , قال أبو سعيد, فما لبثنا الا يسيرا، حتى قال:ان الله حرم الخمر، فمن ادركته هذه الآية - يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع , قال ابو سعيد فاستقبل: الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها- اي صبوها وأسالوها- رواه مسلم .
وعن أنس قال: كنت اسقي أبا عبيدة وابي بن كعب فجاء آت فقال: ان الخمر حُرّمت,, فقال ابو طلحة: قم يا أنس فاهرقها,, فأهرقتها متفق عليه .
وعن ابي موسى الاشعري قال:
بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة - اي حلالا- اذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نزل تحريم الخمر يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر- إلى قوله- فهل أنتم منتهون فجئت الى اصحابي فقرأتها عليهم,, قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضا وبقي بعض في الاناء,, فقال بالاناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا,, انتهينا ربنا رواه الطبري في تفسير آية المائدة .
فهل رأت البشرية مثل هذا انتصارا على النفس، وسرعة في الاستجابة، وقوة في الانقياد للامر مهما يكن مخالفا للعادات، مصادما للشهوات؟
الموقف الثاني في الولايات المتحدة الامريكية,, وقد انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشارا اقنع الحكومة بضرر ذلك على الفرد والاسرة والمجتمع فأصدرت الحكومة قانوناً يمنع الخمر، ثم تبين لها بعد مدة يسيرة انها عاجزة تمام العجز عن تنفيذ قانونها، وان افراداً وجماعات اخذوا يعيثون في الارض فساداً بتعاطي الخمور وتهريبها والاتجار بها، والتفنن في صناعتها على استخفاء، واستحضار اخبث انواعها اكثر من ذي قبل.
وقد اعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الاراضي الامريكية كافة وسائل الدول وامكاناتها الضخمة:
1- جند الاسطول كله لمراقبة الشواطىء، منعاً للتهريب.
2- جند الطيران لمراقبة الجو.
3- شغلت اجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والاعلام لمحاربة الخمر وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والاحاديث والمحاضرات وغيرها.
ويقدرون ما انفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات، وان ما اصدرته من الكتب والنشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة اربعة عشر عاماً- لا يقل عن مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد اعدم في هذه المدة ثلاثمائة نفس، وسجن 532,335 نفس، وبلغت الغرامات ستة عشر مليون جنيه، وصودرت أملاك بما يبلغ اربعمائة مليون واربعة ملايين جنيه, ولكن كل ذلك لم يزد الامة الامريكية الا غراماً بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 الى الغاء هذا القانون، واباحة الخمر اباحة مطلقة.
هذه هي نهاية المطاف، وهذا هو ختام القصة:
فشل كامل لامر الحظر,, وسقوط قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونجرس عام 1933.
وذلك هو الموجز التاريخي للمأساة التشريعية باكملها,, تلك التي سميت في الامة الامريكية عهد التحريم .
لقد فشل القانون، وعجز السلطان، وافلست اجهزة الدولة، في منع الخمر ومحاربة السكيرين، برغم الاقتناع العقلي الذي كان سائداً في الامة بضرر الخمر، ولكن الاقتناع العقلي شيء وعمل الارادة شيء آخر, اذن لابد من توفر الشرطين السابقين كما اسلفت,, والله يحفظكم.
ظفر راشد النتيفات
الأفلاج- الهدار

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved