تظل قضية تنمية الذوق الجمالي هي الشغل الشاغل للتربية الفنية لكونها مرتبطة بهدف رئيسي من اهدافها، الا وهو تحقيق النمو الشامل والمتكامل لخبرات ولشخصية المتعلم، إن من يتتبع تاريخ التربية الفنية ومراحل تطورها يستطيع ان يتبيّن بوضوح الإنجاز الذي تم تحقيقه مع بداية هذا القرن في العالم أجمع، فبعد أن كان الاهتمام منصبا على تلقين مهارات (الرسم)، و(الاشغال) عن طريق الأمشق او الالتزام بقواعد المنظور ومحاكاة الطبيعة، او تكرار الوحدات الزخرفية وغير ذلك من الاساليب القديمة، أخذت الاتجاهات والأفكار الجديدة تسود، ووضح المفهوم الحقيقي (للتربية عن طريق الفن) من خلال المناهج الحديثة للتربية الفنية التي أبرزت ضرورة التنمية الشاملة لخبرات المتعلم وشخصيته وتنمية قدراته على التخيل والتذوق والكشف والإبداع.
والمدهش ان بعض الدراسات الحديثة قد اثبتت ان بمقدور التربية الفنية ان تقوم - في مجال التنمية الشاملة لخبرات المتعلم - بما لا تقدر عليه غيرها من المقررات الدراسية على كافة المستويات وفي كافة المقررات الدراسية: علوم، جغرافيا، لغات,, الخ، فقد اوضحت تلك الدراسات ان كافة الخطط الدراسية لكافة المقررات تقوم على محاور ثلاثة رئيسة وهي كا يلي:
- المحور الأول: يدور حول اللفظ.
- المحور الثاني: يدور حول العدد.
- المحور الثالث: يدور حول الشكل.
ولقد تبيّن ان اي فرد متعلم إذا خلت دراسته من احد تلك المحاور الثلاثة معناه ان نمو خبراته سيكون غير متكامل، فلا غنى للعلوم او الرياضيات او الجغرافيا او اللغات وغيرها عن الاشكال, فإذا اخذنا بمحور الشكل بوجه خاص وهو قاعدة التربية الفنية واحد ركائز لغة التشكيل (الحجوم والألوان والظلال والخطوط والملامس)، فإننا نجد ان 90% من المدركات والخبرات إنما تقوم على أساس الشكل او الأشكال، ذلك اننا كأفراد وطوال حياتنا من الطفولة الى الكهولة نستخدم أعيننا فنرى أشكالا حولنا وفوقنا، يمينا ويسارا في البيت وفي الحديقة وفي المدرسة وفي الطريق، مبان واشجار واشياء ونماذج مصنوعة وهي على اختلافها وتنوعها تشتمل على قدر من القيم الجمالية، ولا شك ان رؤيتنا لها وتذوقنا لما تشتمل عليه من نسب وتوافق وتضاد وإيقاع وإتقان واختلاف، إنما نزيد من حصيلة مدركاتنا وخبراتنا, ونثري قدراتنا على الملاحظة والمقارنة وإصدار الأحكام وعلى حسن الاختيار، ثم في مرحلة متقدمة تنمو لدى الافراد او لدى غالبيتهم القدرة على التذوق الفني، ولربما القدرة على الابداع والابتكار في مجالات العلوم او الفنون سواء بسواء.
لذلك ستظل كما ذكرنا (قضية تنمية التذوق الجمالي) هي الشغل الشاغل للتربية الفنية، وتصبح مهمتها الأولى هي العمل على ان يسود التذوق الفني والجمالي كافة افراد المجتمع عن طريق ان يحصل كل فرد من أفراده على قسط او نصيب من التربية الفنية, ولذلك فقد اهتمت المؤسسات التربوية في بلادنا العربية بتحديد الأهداف التربوية في خططها وبرامجها واضعة بين اهم اهدافها:
العمل على تنمية القدرة على التذوق الفني والتقدير الجمالي، وهي قدرات لا بد ان ننميها في الفرد منذ نعومة اظافره، حتى يشب عليها وتصبح جزءاً من سلوكه, ونبدأ اولاً بممارسة التقدير الجمالي والرؤية الفنية للطبيعة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى فيما حولنا من اشجار ونبات وازهار وبحار وسماوات تزينها النجوم والشموس والاقمار ثم يتبع ذلك ممارسة التفريق بين الأصيل وغير الأصيل، والتمييز بين الجميل والقبيح من الأشياء المصنوعة التي نقتنيها او نستخدمها.
ثم ثانيا العمل على اكتساب القدرة على إصدار الأحكام الجمالية السليمة في المجال الذي تحكمه لغة الاشكال مما يساعدنا كأفراد ان نصدر احكاما بالتفضيل بين شيء وشيء وبين مسكن ومسكن او حديقة وحديقة او ثوب وثوب أو عمل فني وآخر وغير ذلك.
وعندما نتذوق ثم نصدر احكامنا الجمالية فإنها تصبح سليمة، وتكون مفاضلاتنا صحيحة، عند ذلك تسود الاشكال الجمالية والقيم الجمالية مختلف جوانب حياتنا وتنعكس على البيئة المحيطة بنا وفي المجتمع بأكمله وينعكس ذلك كله على المظهر الجمالي وعلى المسلك الجمالي للفرد والمجتمع، بل وتنعكس ايضا على دعم وتنمية الإحساس بالانتماء للبيئة والارتباط بالآخرين.
التذوق الفني في مناهج دول الخليج
وإدراكا لكافة الجوانب التي ذكرناها ولأهميتها بالنسبة للفرد والمجتمع فقد اهتمت المناهج التعليمية في الدول العربية عامة وفي دول الخليج خاصة بإبراز دور التربية الفنية واشتملت مناهجها الحديثة على أهداف عامة وخاصة، وقد ركزت على أهمية التربية عن طريق الفن، وأبرزت دور التربية الفنية والتذوق الفني والتعبير ضمن الأهداف المحددة للتربية الفنية في مراحل التعليم الإبتدائية والمتوسطة والثانوية.
ويمكن الاطلاع على الصيغة الموحدة لأهداف التربية الفنية بمراحل التعليم العام في دول الخليج - المجلد الثالث - الصادر عن المركز العربي للبحوث التربوية لدول الخليج التابع لمكتب التربية العربي بتاريخ 1405ه/ 1984م، ونجد انه قد حدد عشرين هدفا تربويا كأهداف عامة, كما نجد انه قد اختص التعبير الفني والرؤية والتذوق الفني بسبعة أهداف على وجه التحديد وهي كما يلي:
1- التعرف على البيئة المحيطة بالمتعلم والبيئات الأخرى بالقدر الذي يكفل له الإحاطة بما فيها من مظاهر وتقاليد وعادات، مما يثري فكره وتعبيره الفني التشكيلي.
2- تربية الوجدان وتهذيبه وصقل الحساسية الفنية والتذوق السليم والسمو بإنسانية المتعلم لتنمية حسن المواطنة لديه بحيث ينعكس ذلك على اسلوبه في الحياة وتعامله مع الآخرين في العالم من حوله.
3- تأمل وتذوق الطبيعة ورؤيتها والاستمتاع بما فيها من جمال، وإبداع ونظام، لمعرفة ما تضمنته من قيم ومفاهيم، وتكون لدى المتعلم دقة الملاحظة، الميل نحو حب وتقدير الجمال وتذوقه.
4- متابعة الاطلاع على احدث التطورات العالمية في المجالات الفنية التشكيلية المختلفة, ليواكب المتعلم عصره ويرتبط به.
5- تكوين اتجاهات تشكيلية نابعة من الفنون الإسلامية والعربية وفنون التراث الخليجي، لتنمية شخصية المتعلم مما يؤكد انتماءه لمجتمعه وولاءه له.
6- تنمية الجوانب الابتكارية لدى المتعلم عن طريق الكشف عن زوايا تعبيرية جديدة للعناصر التشكيلية، وتمكينه من عمل تطبيقات متنوعة لكل ما اكتسبه من معلومات ومهارات وخبرات بصورة تراكمية.
7- تنمية القدرة على إدراك وتذوق القيم الجمالية في العناصر الطبيعية والمصنوعة، وتفهم الأعمال الفنية في حدود قدرات المتعلم ونضجه الفكري.
8- كشف ذوي المواهب الفنية ورعايتهم واتاحة الفرص لهم بمزيد من الممارسات التشكيلية لشتى الأساليب والطرق الفنية.
إن القراءة الشاملة لمثل هذه المناهج التعليمية المتطورة والحديثة، وإنما توضح لنا ان عملية التذوق الفني هي خبرات فردية وهي في نفس الوقت عملية اجتماعية من حيث إنها توحد بين الافكار والمشاعر، وتنعكس على المسلك الجمالي للفرد والمجتمع، وذلك مصداقا لما يراه (جون ديوي/ 1961م)، من ان الفن من أشد وسائل الاتصال قوة، وفاعلية، وهو نتاج تفاعل عوامل مشتركة وعامة في خبرة لإنسان وتفاعله مع البيئة والمجتمع وهو حصيلة معلومات ومعارف وخبرات ومهارات تراكمت على مر العصور.
والمطمح الذي يطمح اليه المتخصصون في مجال التربية الفنية في المملكة العربية السعودية وفي كافة ارجاء العالم العربي ان تحتل التربية الفنية موقع الاهمية التي تستحقها بين المقررات الدراسية وان تصبح مادة تقويمية لخبرات المتعلم، وان تكون الدرجات التي يحصل عليها المتعلم فيها مؤهلة له وتحتسب له في النجاح وفي التفوق، في كافة مراحل التعليم العام والجامعي ايضا اسوة بما هو متبع في العالم اليوم من حولنا والله والموفق.
أ, د, صلاح عسكر
الأستاذ بقسم التربية الفنية
كلية التربية جامعة الملك سعود