تجتاح بلجراد وغيرها من المدن الصربية ثورة شعبية في نهاية القرن العشرين تطالب بنزع الحكم من الديكتاتور سلوبودان ميلوسيفيتش لرفع الظلم عن الناس بوقوع القتل فيهم من شق وطرف بضربات الناتو على بلادهم وامتناع العالم عن مساعدتهم في إعادة بناء دمار الحرب الا بعد خروج من كان سبباً فيها من السلطة والحكم.
الحرب غير المبررة التي فرضها سلوبودان ميلوسيفيتش على بلاده دفعت المثقفين المسحوقين والمزارعين الفقراء وسكان المدن من اصحاب الدخول المتدنية المحدودة والمسرحين من الخدمة العامة في دواوين الحكومة او من كوادر الجيش والبوليس بدون رواتب تقاعدية الى الثورة على النظام القائم بعد تجريم سلوبودان ميلوسيفيتش بقتل الناس جميعاً حتى اصبحت كل اسرة صربية تبكي على عزيز لها قتلته قنابل حلف الناتو.
اشتعلت هذه الثورة الشعبية من مدينة كاكاش قبل ايام قليلة ماضية، واضرم نيرانها معلق رياضي يتحدث الى الناس عبر شاشة التلفزيون عن مجريات مباراة في لعبة الركبي، توقف المعلق فجأة عن الحديث المتعلق بالمباراة، وصرخ في الناس بجلاجل صوته، لقد حان الوقت للانتقام من سلوبودان ميلوسيفيتش، والرجال المجرمين من حوله الذين اثكلوا الامهات ويتموا الاطفال، وروع كل الناس من الرجال والنساء لأن الموت كان يلاحقهم بمضاجعهم في بيوتهم وتسوقهم في اسواقهم، وفي مكاتبهم اثناء العمل وفي نواديهم اثناء اللهو فخطر الموت كان يطارد كل الناس في كل مكان.
اخذ المعلق الرياضي يبكي بحرقة امام كل الناس الذين يشاهدون مباراة الركبي في منازلهم، وتعمد المخرج ان يركز الكاميرا عليه ويهمل المباراة لأنه يعرف بأن الرجل مكلوم بفقدان كامل اسرته الأب والأم والزوجة والابناء الثلاثة وهم نيام بضربة خاطئة من طيران الناتو، اصاب منزله ليلاً فقتلت كل من كان فيه ونجى بحياته لانه كان خارج البيت يؤدي عملاً بمحطة التلفزيون.
الغضب الجماهيري في الشارع الصربي جاء نتيجة التقاء آلاف المواطنين في المقابر لدفن موتاهم الذين يسمونهم قتلاهم، وظل غضب الناس صامتاً يتهامسون به سرا فيما بينهم خوفاً من بطش السلطة حتى جاء لهم صوت المعلق الرياضي المكلوم في اسرته، والمطالب بالثورة على النظام القائم، فخرجوا عن صمتهم وبدأت مسيرات الاحتجاج على ما حدث تجول في شوارع المدن الصربية، وبانعدام الخوف من قمع السلطة لهم انقلبت تلك المسيرات الى ثورة شعبية تطالب الاطاحة بالنظام القائم وتقديم رموزه الى المحاكمة العلنية.
زاد من قوة هذه الثورة الشعبية تعاطف الكنيسة الشرقية الارثوذكسية مع الناس في الشارع ضد المسؤولين في السلطة، وهذا التعاطف بين الكنيسة والناس يشكل خطورة بالغة على سلوبودان ميلوسيفيتش ونظامه لأن رضا الكنيسة الشرقية عن النظام القائم في بلجراد يكسبه الشرعية وغضبها عليه يفقده الشرعية ومن القدرة على الاستمرار.
الثروة التي أحدثكم عن اندلاعها في صربيا اليوم بسبب الموت الجماعي للناس هي ثورة الجياع، وليست المثقفين في الصالونات او المنتديات او المقاهي الذين ينظرون بآرائهم لما حدث اما انتقاداً او تبريراً له وفقاً للهوى الثقافي الذي يربطهم بالسلطة ويفصلهم عنها ولكنهم مهما كانت آراؤهم مع او ضد الحكومة فانهم لا يتحركون من مواقعهم بالنزول الى الشارع ومشاركة الناس في ثورتهم، وانما يواصلون نقاشهم وهم قاعدون.
مطالب الثوار الجياع في الشوارع المكلومين بقتل الاهل وذوي القربى تختلف عن سخط السياسيين في المكاتب وجنرالات الجيش في الثكنات على الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش لأنه عجز عن تحقيق حلم صربيا الكبرى، فكان هدفهم من قبل عامين الاطاحة بالحكم العاجز عن تحقيق آمال الصرب وتقلد السلطة بدلاً منه لايجاد صيغة عملية تحقق العلو لصربيا على ركيزتي التفرقة الدينية والتعصب العرقي.
من الظلم ربط ما يحدث اليوم في شوارع المدن الصربية بما حدث بالأمس في بلجراد وهو ما يحاول فرضه انصار سلوبودان ميلوسيفتش لارهاب الناس بما حدث للسياسيين والجنرالات في سنة 1997م من قمع وزج في السجون ليثبتوا قوة النظام القائم في مواجهة الشغب في الشارع ليفتحوا الحوار بين السلطة في بلجراد وبين حلف الناتو في بروكسل لحماية الناس ما مغبة من يفعلون في الشارع الصربي لأن السلطة لا تسكت عنهم الا بالتوفيق بين مطالبهم وبين مسؤوليات الحكومة القوية.
إن طلب توسط الناتو للتوفيق بين الشعب في الشارع وبين الحاكم في السلطة يعكس عدم فهم للارادة الدولية التي تطالب باسقاط سلوبودان ميلوسيفيتش من سدة السلطة والحكم وتقديمه الى محكمة الجزاء الدولية في لاهاي التي طالبت بمثوله امامها لمحاكمته على جرائمه الانسانية في اقليم كوسوفا وفرض الموت على اهل بلده بالحرب غير المبررة مع حلف الناتو ليفرض على صربيا بالقوة ما رفضت القبول به سلمياً.
انصار سلوبودان ميلوسيفيتش يريدون قلب نتائج الحرب لصالحهم بتحويل الناتو من منتصر يملي شروطه على المنهزم الى وسيط يوازن بين السلطة المجرمة وبين الشعب المعتدى عليه ،وهو منطق معوج يرفضه الناتو حتى يغلق الباب للهرب في وجه المجرمين الذين شاركوا سلوبودان ميلوسيفيتش في جرائمه من مواقعهم المختلفة في السلطة، واصبح من الضروري تقديمهم جميعاً إلى محكمة الجزاء الدولية لمحاكمتهم على ما ارتكبوه من جرائم ضد المواطنين بدوافع التفرقة العرقية والتعصب الديني المحرمان بكل الشرائع الدولية.
إلقاء القبض على سلوبودان ميلوسيفيتش وعصابته في اوكار الحكم تتطلب مؤازرة دول الناتو وغيرها من الدول المختلفة لثورة الجياع في شوارع المدن الصربية حتى ينجح الناس في الاطاحة بالنظام القائم وملاحقة رموزه لمنع اختفائهم بالمجتمع بهوية جديدة واشكال مختلفة ومهن مضللة، وكذلك التصدي لهم لمنع هروبهم الى خارج البلاد طلباً للايواء السياسي عن روسيا المتعاطفة مع مجرمي الصرب في الحكم.
إن العمل الدولي ضد سلوبودان ميلوسيفيتش يتكامل في اهدافه مع الثوار الراغبين في الاطاحة به لأنه يمكن الاسرة الدولية من القيام بالمهمة المكلفة بها من محكمة الجزاء الدولية في القاء القبض على عصابة الحكم في بلجراد بعد ان يجردها الشعب من كل سلطاتها التي تحول دون القاء القبض عليه الآن.
يجب ان نعرف بان ثورة الشعب في الصرب لم تأت بحثاً عن الديمقراطية وانما جاءت بحثاً عن لقمة العيش بعد ان اصابهم نقص في الاموال والارزاق وهذا الدافع للثورة يجعلها تلتقي مع ثورة النساء في فرنسا التي قامت مع نهاية القرن الثامن عشر في باريس ووصلت الى قصر الحكم في فرساي لتطالب لويس السادس عشر ملك فرنسا بتوفير الخبز بالاسواق الفرنسية حتى لا يموت الناس جوعاً، غياب الحس عند ماري انطوانيت عن مشاعر الناس وفقرهم جعلها تقول عندما سمعت بأن ثورتهن جاءت بسبب غياب العيش عن الاسواق لماذا لا يأكلن الجاتو ؟.
عدم مراعاة توجيه الثورة الشعبية الفرنسية الى المسار الديمقراطي قد فرض ديكتاتورية عاتية في فرنسا اذاقت المواطنين علقم الموت على مقصلة روبس بير وازعج الدنيا بأسرها صهيل خيل نابليون بونابرت الذي اراد اخضاع العالم بالقوة للسيطرة الفرنسية، وبعد هذه التجربة المريرة من الحكم الديكتاتوري الفرنسي في الداخل بدوافعه العدوانية على الخارج قامت ديمقراطية نموذجية في فرنسا كان لها تأثيرها على مسار التاريخ الانساني بالعطاء الفكري الحر، الذي مكن الشعوب في اوروبا الخروج من قوقعة الخضوع للحاكم الى رحابة المشاركة في الحياة العامة, العالم في حاجة اليوم الى اختصار الطريق على ثوار الشوارع في المدن الصربية بتوجيه العمل الثوري الى المسار الديمقراطي لتجنب الانسان المواطن في الصرب من ويلات الحكم الديكتاتوري الجديد الذي قد يكون أعنف من النظام الديكتاتوري الحالي وتحمس العالم من التعامل مع نظام ديكتاتوري يتربص للانتقام من الذين حالوا دون تحقيق حلم صرب الكبرى فيقوم عدوان صربي جديد في داخل اقليم البلقان يستهدف تحقيق هذا الحلم رغم انف العالم الذي يستشعر بالخطر من خلخلة الأمن في البلقان على الاستقرار والتوازن الدولي الحل الديمقراطي يمثل الاسلوب العملي للمشكلة القائمة في الصرب لأنه يقضي على الفاقة والعوز والجوع بين الناس بفتح سبل الرزق امامهم تحت مظلة المساواة والعدل ويضع اسساً للتعامل الاقليمي المتوازن الذي ينعكس على العلاقات الدولية القائمة على المصالح المشتركة.
|