لكل منا عالمه (السري), ذلك الذي لا يريد (أو: لا يستطيع) ان يطلع عليه احدا ما، الا اذا تضخم ارشيف هذا العالم ولجأ الى الطبيب ملتمساً فيه العزاء الاخير, ولحظتها يمعن في ال(كشف) عن كل ما يدور في ال(أنا) من تأنيب (غالباً!) وندم، كل الشفافية التي عامل بها الآخرين، كل كلماته الحميمة تجاه شخوص ليسوا هم ابطال قصته الحقيقيين، ولكنهم يشبهونهم او حتى (يتقاطعون معهم) ان المؤلم (لحظة الكشف) هو انه يضطر لقول ما كان يمكن ألا يقال!! او ان يتذكر انه روى رؤياه لشخص لا يستحق ان تروى له الرؤيا! حاولت ان افهرس (عالمي السري)، على نظام (مكتبة) مثلا او حتى (دليل عناوين) فما استطعت لذلك سبيلاً, كان الحقل المظلل دائماً هو الأصل, هذا (حقل الملاحظات)! ويا,, الله! كم هو مزدحم هذا الحقل, شبيه بحقل ألغام! لندع جانباً هذه الذاتية, نحن الآن نشترك في قراءة جريدة, والجريدة (دائماً) ليست ملكاً لأحد مهما ادّعى ذلك! بالأمس كنت في دائرة حكومية اتعامل معها بالأوراق, وتتعامل هي معي بالبطاقة التي ضاعت مني, كنت مطمئناً لأن مدير الدائرة كان في غاية الديناميكية, ولكني في انتظار البطاقة البديلة كنت ارى وجوه الذين يترددون بشكل شبه دائم على هذه الدائرة وغيرها, فهو ما ان ينتهي من تطعيم طفله الجديد حتى يتم ابلاغه بضرورة اضافة المولود الى دفتر العائلة, بناء على تقرير مكتب اسمه (مكتب المواليد والوفيات) اي انه (مكتب) جامع مانع, فان اهمل تسجيل وليده لا يمكنه ان يرفض تسلم (شهادة وفاة) اي قريب له لأنه بدونها تصبح هناك تراكمات لا يعلم مدى صعوبتها الا من قدر الله عليه هذا القدر, وكل ما يجيء من الله حياه الله, لا مفر من هذه العبارة, اقول انني في انتظار البطاقة لمحت شخصاً خُيل الي انني اعرفه, ناديته بالاسم المتداول في الحارة قبل ثلاثة عقود ونيف, فاذا به يلتفت بحماس, وما ان رآني حتى تهلل وجهه, وغادرت غيمة كآبة داكنة وجهه النحيف, واحتضنني, كان يقوم بذلك في ود قلما تشعر به, كان يسألني عن احوالي بحرص شديد على أن يسمع مني شيئاً طيباً, اسنانه التي تآكلت من التبغ القوي كانت منفرجة بحب عظيم, سألته: لماذا جئت الى هنا؟ فقهقه, قال: ان زوجته ولدت بالأمس, وانه جاء ليضيفه الى (التابعية) فاذا به يكتشف ان هذه التابعية ألغيت, حل محلها بطاقة! تصور، (يقول لي): بطاقة بحجم اقل من راحة اليد, والأدهى (قال ذلك بشكل يكاد ان يكون مسرحياً) انه لا يضاف للبطاقة احد, قال: هنالك بطاقة كبيرة اكبر من حجم الجيب! يسمونها (دفتر العائلة), وهذا (قال) يحتاج مني عناء كبيراً، انا كما تعرف آخذ حقناً ضد الكآبة, ولست فاضياً لكي اضيف او أحذف, ثم ضحك بمودة حقيقية: حاولت ان ابطل الدخان ولم استطع, لكني بطلت الشاهي, ثم قال بلهجة الخبير:
- لا تشرب الشاهي بعد الغداء, فهو يقلل امتصاص الجسم للحديد! وحين قلت له انه الآن يبدو رائعاً (كان هذا شعوري الحقيقي) وانه تم شفاؤه, قال لي انه يشكر روحي الطيبة, اولاً, ثم قال: (لا، ليس هذا فحسب, لقد قررت ان اشتري استراحة للأولاد) لقد قتلنا البيت: دش، او زوار سخفاء,,) لكن يبقى هم هذه الحقنة, ماذا افعل بها؟!.
قلت له بحب: خذها بحب! وباستمرار.
الله,, ما اعظم العالم السري حين يتكشف بكل هذا الود الصادق!.
|