كان الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمن يطمح الى تهجير الغالبية الكبرى من الطوائف اليهودية في مختلف اقطار العالم الى فلسطين وقد اشارت التقارير التي كتبت عن احداث ما بعد نهاية الحرب العالمية الاولى الى خطط تقدم بها وايزمن للحلفاء يطالب بمقتضاها ان يقسم المشرق العربي بكامله الى منطقتين: الاولى- يهودية تكون فلسطين مركزها بعد ان يتم تهويدها تماماً باربعة او خمسة ملايين مهاجر يهودي، والثانية- عربية يكون مركزها المثلث الصحراوي الواقع بين مكة ودمشق وبغداد كما قال وايزمن وان تكون الهيمنة على المنطقتين معاً لليهود لانهم كما ادعى اصحاب المال والعلم والاكثر اخلاصاً للغرب (1).
لقد كان الخيال الصهيوني جامحاً جداً حيث اوضح وايزمن في مشروع قدمه للبريطانيين بعد دخولهم لفلسطين عام 1918م ان اليهود لايقبلون الا بالسيطرة على كامل القطر الفلسطيني على الاقل، ومما جاء في مشروع وايزمن قوله ان مشكلتنا مع الفلسطينيين العرب هي مشكلة اقتصادية لاسياسية، فمن وجهة النظر السياية لايكمن مركز الجاذبية العربية في فلسطين، بل في الحجاز، او في الحقيقة، في المثلث الذي يقع بين مكة ودمشق وبغداد (2)
لكن ظروف وتعقيدات مابعد الحرب والمقاومة والاحتجاجات التي ابداها العرب لم تسمح للانجليز والحلفاء ان يتعاملوا مع خطة وايزمن كما كان يريد، فهم لم يلتزموا لليهود باكثر من انشاء وطن قومي يهودي في فلسطين حسبما جاء في وعد بلفور، وفي الوقت ذاته كان الانجليز قد التزموا للعرب بالاستقلال التام بعد نهاية الحرب مقابل انضمام العرب اليهم في تلك الحرب حسب اتفاقيات مكماهون والملك حسين, (3)
واهم من هذا وذاك ان العرب اكتشفوا ما كان يراد بهم وان الانجليز خدعوهم فتصدوا للمؤامرة الانجليزية ليس في فلسطين وحسب، بل في الاقطار العربية الاخرى ايضاً وان كان بحد ادنى من المقاومة، ولذلك لم يدخر الانجليز وسعاً بعد الحرب في تنفيذ ما التزموا به لليهود بحدود الوطن القومي اليهودي في فلسطين الذي وعدوهم به، وتملصوا التملص التام من كل ما التزموا به للعرب من الاستقلال التام، فخاض العرب نضالاً متفاوتاً ومتذبذباً مع اليهود والانجليز في فلسطين، ومع الانجليز في الاقطار العربية الاخرى ادى الى نتائج اقل من الحد الادنى مما كان ينبغي فلم يفشل المخطط الانجليزي اليهودي في فلسطين ولكنه تقزم وتحجم ولم يتحطم.
كان ونستون تشرشل وزيراً للمستعمرات البريطانية وزار فلسطين بعد نهاية الحرب العالمية الاولى واظهر انحيازاً واضحاً لخطة تهويد فلسطين وعامل الشخصيات الفلسطينية الذين قابلوه وعرضوا عليهم مطالبهم، عاملهم باحتقار ورد عليهم بصفاقة بالغة كما اشرنا في بحث سابق، ولذلك فانه عندما صار رئيساً للوزراء غداة قيام الحرب العالمية الثانية نراه يبادر الى محاولة احياء خطة الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمن التي تقدم بها للحكومة البريطانية عند نهاية الحرب العالمية الاولى يوم كان تشرشل وزيراً للمستعمرات وابدى حماساً شديداً للمشاريع الصهيونية, (4)
وقد قدر لمحاولة تشرشل هذه ان تموت في مهدها والى الابد وذلك على يد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، حيث يحدثنا الاستاذ خير الدين الزركلي في كتابه شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز عن ان تشرشل اخبر وايزمن بعد بداية الحرب العالمية الثانية عام 1940م قائلاً اود ان تعلم ان لدي مشروعاً لايمكن تحقيقه الا بعد الحرب، انا ارغب ان ارى ابن سعود سيداً للشرق الاوسط، رئيساً للرؤساء فيه شرط ان يسوي الامور معكم وسيكون من شانكم ان تحرزوا خير مايمكن من شروط، ونحن بطبيعة الحال سنساعدكم, احتفظ بهذا الامر سراً، الاانك تستطيع ان تتحدث به الى روزفلت حين تبلغ امريكا، فلايعجزنا انا واياه حين نتوجه بعزيمتنا امر من الامور (5)
ويورد الزركلي في كتابه الآنف الذكر نصاً لوثيقة سعودية رسمية وهو التالي نقل اوربي الى جلالة الملك رسالة عن لسان وايزمن يعرض فيها عليه عشرين مليون جنيه لقاء وقوفه على الحياد في قضية فلسطين وان رئيس الولايات المتحدة الامريكية يكفل وايزمن في تحقيق هذا الوعد (6)
من ذلك يتضح ان خطة وايزمن القديمة التي عمل تشرشل على احيائها قد تم تبنيها من قبل بريطانيا وامريكا والصهيونية العالمية مجدداً وعرضت على الملك عبدالعزيز للحصول على موافقته عليها مثلما عرضت خطة اللورد بالمرستون عام 1840م على السلطان العثماني عبدالمجيد قبل مائة سنة، واذا كان سلاطين بني عثمان وحكوماتهم ورجال ادارتهم وافقوا على فتح ابواب فلسطين للهجرة اليهودية وانشاء اولى المستعمرات اليهودية الاستيطانية فيها وتضاعف عدد اليهود في فلسطين اكثر من تسع مرات في ظل الدولة العثمانية قبل وعد بلفور (7) فان الملك عبدالعزيز لم يرفض خطة وايزمن ومساعي الانجليز وامريكا لجعله يقف على الحياد وحسب، وانما انتفض للدفاع عن قضية فلسطين واظهر رحمه الله غيرة شديدة في التصدي لتلك المؤامرة الخبيثة وتبنى خطة مقابلة لهذه الخطة، وكانت خطته تقوم على ان اليهود الذين تجمعوا في فلسطين ليس لهم اي حق تاريخي او واقعي فيها وان شعب فلسطين شعب صغير وضعيف ومسالم وان الدول الكبرى ترتكب ظلماً فادحاً لامثيل له في التاريخ حينما تؤازر الهجرة اليهودية الى فلسطين وتتجاهل حقوق الفلسطينيين وجهادهم في سبيل الذود عن حقوقهم المشروعة.
لقد ناشد الملك عبدالعزيز كلا من بريطانيا وامريكا باسم الصداقة التي تربطها بالعرب والمسلمين وباسم الانسانية التي كانوا يرفعون شعاراتها ويدعون للذود عنها واهاب بهما في رسائل مباشرة وبيانات عامة دونت في مختلف المراجع التاريخية ناشدهما العدول عن تاييد العدوان اليهودي ضد الفلسطينيين وعدم الانزلاق في معاداة العرب والمسلمين باهدار حقوق الفلسطينيين لصالح الافاقين اليهود الذين يتم تجميعهم من مختلف اقطار الارض، وقال اكثر من مرة على امريكا وبريطانيا ان تختارا بين ارض عربية يسودها السلام والهدوء وارض يهودية غارقة بالدم .
وعندما اقترح الرئيس الامريكي روزفلت على الملك عبدالعزيز ان يجتمع بالدكتور وايزمن زعيم المنظمة الصهيونية او يعين الملك عبدالعزيز شخصاً يلتقي بشخص من الوكالة اليهودية للبحث في حل يرضى به كل من العرب واليهود وبعث روزفلت موفداً من قبله يعرض هذا الامر على الملك عبدالعزيز اجابه الملك قائلاً: من جهة مقابلتي للدكتور حاييم وايزمن فاحب ان يعلم فخامة الرئيس باننا نقابل كل من ياتي الينا من جميع الاديان، بكل ترحاب مع القيام بالواجب لهم حسبما يقتضيه مقامهم من الاكرام، اما اليهود بصورة خاصة فلايخفى على الرئيس مابيننا وبينهم من عداوة سابقة ولاحقة، وهي معلومة ومذكورة في كتبنا التي بين ايدينا ومتأصلة من اول الزمان، فمن هذا يظهر جلياً اننا لانأمن من غدر اليهود ولايمكننا البحث معهم والوثوق بوعودهم.
اولاً-لاننا نعرف نواياهم نحو العرب والمسلمين.
وثانياً- لاننا لم نتصل بالعرب لنعرف رأيهم.
وكما ذكرت فيما اتقدم اذا رغب فخامته ان نقوم باستمزاج واستطلاع رأيهم، اي العرب، فنحن نقوم بتحقيق تلك الرغبة حينئذ، اما الشخص الذي هو الدكتور وايزمن فهذا الشخص بيني وبينه عداوة خاصة وذلك لما قام به نحو شخصي من جرأة مجرمة بتوجيهه الي من دون جميع العرب والمسلمين تكليفاً دنيئاً لاكون خائنا لديني وبلادي الامر الذي يزيد البغض له ولمن ينتسب اليه وهذا التكليف قد حدث في اول سنة من هذه الحرب، اي الحرب العالمية الثانية، اذ ارسل الي شخصاً اوربياً معروفاً يكلفني ان اترك مسألة فلسطين وتأييد حقوق العرب والمسلمين فيها ويسلم الي عشرين مليون جنيه مقابل ذلك، وان يكون هذا المبلغ مكفولاً من طرف فخامة الرئيس روزفلت نفسه، فهل من جرأة او دناءة اكبر من هذه؟ وهل من جريمة اكبر من هذه الجريمة يتجرأ عليها هذا الشخص بمثل هذا التكليف ويجعل فخامة الرئيس كفيلاً لمثل هذا العمل الوضيع؟.
اني لااشك بأن فخامة الرئيس روزفلت لايقبل هذا لا في حقي ولافي حقه، فهذه من جملة الاسباب التي اريد ان تعرضوها على فخامة الرئيس حتى يرى الى اي حد يتجرأ اليهود للوصول الى غاياتهم الباطلة وينظر برأيه السديد في هذه الاعمال التي يغني بيانها عن وصفها (8)
لقد اثرت مخاطبات الملك عبدالعزيز ومساعيه السياسية الحميدة على الرئيس الامريكي روزفلت وخصوصا بعد ان التقى الاثنان في 15 شباط عام 1945م في البحيرات المرة قرب الاسماعيلية بمصر على ظهر سفينة امريكية وتباحثا في امور كثيرة ومن بينها القضية الفلسطينية.
وقد اتفقت جميع المراجع الاجنبية والعربية ان الرئيس روزفلت عرض على الملك عبدالعزيز رغبته في ضرورة حل مشكلة المشردين اليهود وباعتبارها قضية انسانية، ودار الحوار بينهما على النحو التالي:
الرئيس روزفلت- ان في بالي امراً بالغاً يشغلني ولهذا استشيركم واطلب عونكم، وهذا الامر هو قضية انقاذ بقايا اليهود في اوربا واعادة توطينهم بعد ان عانوا العذاب على ايدي النازيين الذين شردوهم وخربوا بيوتهم وقتلوهم بالجملة، فأنا اشعر بمسؤولية شخصية حيالهم ومصمم على بذل العون لحل مشكلتهم فما رأيكم في ذلك؟.
الملك عبدالعزيز- من اين شردوا؟ ومن شردهم؟ اعطوهم احسن بيوت الالمان واراضيهم، اليسوا هم الذين اضطهدوهم؟
الرئيس روزفلت- ان للناجين من اليهود رغبة عاطفية في سكن فلسطين وانهم يخشون من الاقامة في المانيا حيث قد ينالهم العذاب ثانية.
الملك عبدالعزيز- اني لا اشك في ان لليهود اسباباً قوية تمنعهم من الثقة بالالمان، الا اني لا اشك ايضاً في ان الحلفاء سيدمرون قوة النازيين الى الابد، وسيكون نصرهم عزيزاً بحيث يبسط جناح الحماية على ضحايا النازية، واذا كان الحلفاء لاينوون ان يشرفوا بحزم على سياسة المانيا في المستقبل فلماذا يخوضون مثل هذه الحرب الفادحة الثمن؟
إني شخصياً لا اتصور ان اترك عدوي في مركز يسمح له بأن يرد الضربة بعد هزيمته ولا استطيع ان اترك له قائمة تقوم
الرئيس روزفلت- انا اعتمد على الكرم العربي وعلى معونتكم في حل المشكلة الصهيونية.
الملك عبدالعزيز- دع العدو الظالم يدفع الثمن فعلى هذا الاساس نخوض الحرب نحن العرب، فالمجرم هو الذي يجب ان يؤدي الغرامة وليس المتفرج البريء، اي شر ألحقه العرب بيهود اوربا؟ انهم المسيحيون الالمان الذين سلبوهم اموالهم وارواحهم، اذن فليدفع الالمان الثمن.
الرئيس روزفلت- انك لم تقدم لي اية معونة لحل هذه المشكلة.
الملك عبدالعزيز- بشيء من الحدة- اني كبدوي غير متعلم لا افهم مقصدكم من عدم الزام الالمان بالتعويض على اليهود، ان من تقاليد العرب توزيع الضحايا الناجين من المعركة على العشائر المنتصرة وفقاً لعدد كل عشيرة، وان في معسكر الحلفاء خمسين بلداً اصغرها فلسطين التي عهد اليها بأكثر مما تطيق من اللاجئين الاوربيين (9)
وانتهى اللقاء بين الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت بأن اكد الاخير انه لن يعمل شيئاً يساعد به اليهود ضد العرب وانه لن يقوم بأية حركة عدائية للعرب، وان هذه ستكون سياسته المقبلة كسلطة تنفيذية لحكومة الولايات المتحدة الامريكية، وقد اكد الرئيس روزفلت قناعته هذه في خطابه للكونجرس الامريكي بعد عودته الى الولايات المتحدة الامريكية ومما جاء في ذلك الخطاب قوله:
لقد وعيت عن مسألة الجزيرة العربية وتلك المشكلة بحذافيرها، مشكلة المسلمين واليهود، وعيت عنها في حديث دام خمس دقائق مع ابن سعود اكثر مما كنت استطيع معرفته بتبادل ثلاثين او اربعين رسالة (10)
وقال روزفلت إني لن اتخذ قراراً يغير من وضع فلسطين الاساسي الا بعد استشارات كاملة مع كل من العرب واليهود، ولن اتخذ موقفاً يؤذي العرب او يؤدي الى عدائهم مع اليهود (11)
وارسل روزفلت رسالة الى الملك عبدالعزيز يؤكد له فيها هذا الموقف وذلك بتاريخ 5 ابريل عام 1945م (12) لكن الرئيس روزفلت توفي بعد ذلك بسبعة ايام فقط واشارت اصابع الاتهام الى انه توفي بدسيسة من اليهود وأنصارهم في الادارة الامريكية من المحيطين بالرئيس بعد ان يئسوا منه عندما تأكدوا انه عرف الحقيقة واقتنع بها من مصدرها الوثيق وتبنى موقفاً منصفاً من قضية فلسطين بعد لقائه بالملك عبدالعزيز، وهذا هو ماكان سيفسد خططهم الشريرة فعمدوا الى التخلص منه بأساليبهم المعهودة التي لم يكن الرئيس روزفلت هو اول او اخر ضحاياهم من النخبة الممتازة من قادة العالم وأحراره.
وامام مقاومة الشعب الفلسطيني وحنكة الملك عبدالعزيز السياسية فشلت خطة الدكتور وايزمن والتي ساندها مساندة قوية رئيس وزراء الحكومة البريطانية تشرشل، وهي الخطة التي كان يستهدف بها وايزمن تحويل فلسطين كلها الى يهودية مثلما ان انجلترا انجليزية وامريكا امريكية على حد قوله (13) ومن ثم جعل فلسطين مركزاً لامبريالية يهودية تدور في فلكها امم وشعوب منطقة الشرق الاوسط كلها وليس العرب وحسب.
وبدلاً من هذه الخطة اتجه وايزمن الى التركيز على اقامة الدولة اليهودية بكل ما يستطيع على جزء وحسب من ارض فلسطين بعد ان ضمن موقف الادارتين البريطانية والامريكية لانجاح هذا الهدف الذي ادى الى قيام دولة اسرائيل والتي دعي لرئاستها عالم الفيزياء اليهودي الشهير الفرد انشتاين فرفض قائلاً إن دولة تنشأ كما نشأت اسرائيل لجديرة بالفناء .
للموضوع بقية
المراجع:
(1)تاريخ فلسطين الحديث ص 96 الدكتور عبدالوهاب الكيالي.
(2)المرجع السابق.
(3)يقظة العرب ص 251-275جورج انطونيوس.
(4)انظر:تاريخ فلسطين الحديث ص 143-145
(5-6)شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز ص1135-1136خير الدين الزركلي.
(7)كيف اغتصبت فلسطين ص99-108للباحث.
(8-11)الزركلي ص1138-1143 و1173-1174 و1194-1195 و 1197.
(12)النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ص 309 الدكتور عبدالرحيم احمد حسين.
(13)يقظة العرب ص 522 جورج انطونيوس.
|