ان الشاعر الحقيقي هو ذلك الانسان الذي يقول من كلامنا ماليس منه , والفن كائن يتنفس برئتين لا تعمل احداهما في ظل غياب الاخرى.
ويمثل الرئة الاولى الفنان المبدع، اما الثانية فذلك الفنان المتلقي واكثر الكثير من الناس هم تبعة التصفيق المدفوع والبهرجة الاعلامية المحتواة او انهم يكونون تحت افرازات مرحلة عمرية ضاغطة، تدفع بهم الى الحركة المستديمة ونبذ السكون الداعو الى التقوقع حول الفكر والغوص بمصايبح التأمل في لجج الاعماق,, ومبدعي هذه الفئة المتلقية هم في الغالب لا يدومون الا في ارشيف الدوائر الحكومية المتخصصة.
اما الفن الخالد في ذاكرة التاريخ وعلى حناجر الناس، فهو ذلك الفن الذي يحترم كل نصف منه نصفه الاخر مقدرا له مستقبلا وجهته.
فيتوجب على الفنان المبدع ان ينشق على نفسه مترجلا عن آرائه متجاهلا دوافعه الشخصية ليرى نفسه رقما احاديا في خانات الاعداد,, وان يقول الحقيقة كما هي عليه لا كما ينبغي ان تكون عليه، وان يستعين بالخيال على الواقع لا بالواقع على الخيال, فعليه اذاً ان يفترش خصوصيته ليفف عليها العامة.
ولعل من واجبات الفنان المتلقي ان يرتفع بنفسه عن العلمية اذ ان ما يربطنا بالفنان المبدع ابداعه بغض النظر عن لونه وجنسه وطبقته وخلقه.
كما يتوجب على الفنان المتلقي ان يدرك سببية تناقض ابداع الفنان المبدع ولعلنا نلمس ذلك في قول طرفة بن العبد:
(فإن تبغني في حلقة القوم تلقني وان تقتنصني في الحوانيت تصطدي) |
وهو ذلك الشاعر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن احد ابياته حينما سمعه على لسان أم المؤمنين عائشة بنت ابي بكر الصديق رضي الله عنهما رضي الله عنهما وارضاهم (ان هذا من كلام الانبياء)- أو كما قال عليه السلام -.
وتعود سببية تناقض الابداعات الى تناقض الاحداث وتباينها مما يؤثر ذلك لا شعوريا على الحالة الانفعالية وتلون الوجدان كما يقول بذلك رواد المدرسة التحليلية, وعلى ضوء ذلك فاننا نحسب تناقض ابداع المبدع حجة له في صدق مشاعره لا حجة عليه في تزييفها، والا لماذا ندفع بأموالنا مقابل ديوان شعر اذا كانت كل قصيدة فيه هي في الواقع قصيدة واحة؟!
كما انه لا يجدر بنا كفنانين متلقين ان نفترض ان ابداعات المبدعين مرآة لمبدعيها ان كنا نؤمن قياسا بأن اعذب الشعر اكذبه, اما الشعر الصادق فهو الذي نبتلعه في اعماق اعماقنا ونخشى من ان نراه على شفتي غيرنا.
ألم تر اننا نطرب لشعراء الغزل وعلى رأسهم عمر بن ابي ربيعة حينما يتغنون بالصبابة والوجد والهيام وهم اقرب ما يكونون الى هيكل المرأة من علميتها.
كما ان شعراء الحماس يزرعون في ابداننا انتفاضة الحرب ولذة الموت مع اننا لا نفترض فيهم الشجاعة بل ان العرب لم تكن لتمنحهم فرصة اثباتها اذ كانوا يوكلون لهم من الجند من يصد اسنة الاعداء ان تنوش جلودهم.
ان الشعر عملاق لا يرضي تقزم البلاغة والنقد ومحدوديتهما البلهاء ولو ان الشعراء المبدعين ارخوا آذانهم منصتين لمات الشعراء المتلقون قهرا وحسرة وكمدا، وانني اتفق وقول من قال: (ان من يستطيع ان يفعل فانه يفعل، ومن لا يستطيع فانه ينتقد) وانصحه بمقولة من يقول: (اما ان تتقدم الصفوف او ان تمشي في آخرها ولكن لا تقف في طريق احد).
والفن بشكل عام هو ذلك الهرم الماسي المرصع بالذهب الذي يسكن اعلى ادواره الشعر ثم الموسيقى، واقل القليل من الناس موزعون على ادواره, اما الاكثرية الباقية منهم فهم يطوفون حوله ويملون اعينهم بجماله كل على حسب قربه من هذا الهرم الماسي.
ياسر الشريم
** مقالة الصديق ياسر الشريم رؤية اكثر من ممتازة للفن في علاقته بطرفيه الاساسيين المبدع، والمتلقي واساس الامتياز في هذه المقالة انها تلقي جانبا بمعظم الاطروحات النقدية المتداولة وتستغرق في تأمل فلسفي يبحث عن اسباب الجمال في الفن ويؤسس لنفسه رؤية خاصة، والذي لاشك فيه ان ياسر الشريم - كشاعر اساسا - قد افاد كثيرا من خبرته للعملية الابداعية وممارسته لها وكرس طاقاته وقناعاته الابداعية لحظة ممارسة الابداع لخدمة رؤيته النقدية.
جديرة باهتمام كبير التفاتة ياسر الشريم الى دور المتلقي وثقافته في اكتمال معادلة الفن.
في القصيدة مثلا يستخدم الشعراء الرمز او الاسطورة كاشارات تفجيرية اختزالية تكون مفعمة بقدرة ايحائية لاحد لها ومن ثم تعمل على تكثيف التجربة الشعرية,, لكن ذلك كله يصبح بلاجدوى حين لا يكون المتلقي على وعي بالدلالة في تلك الاشارات ما لم يكن شريكا في تراث مشترك يجمع المبدع والمتلقي عبر خبرة معرفية في حال شعورية واحدة وجميل تشبيهه بهرم الفن وذلك للازدحام حول قاعدته للذين يطوفون حوله، وتلك القلة التي تصل قمته ، ويبدو ان حياتنا الثقافية التي أثخنها الطواف حول القاعدة قد غيبت رؤى كرؤية الصديق ياشر الشريم.
لسنا ندري وقد وقعت رؤية ياسر الجمالية في مكانها المناسب من نفوسنا ان كنا قادرين على ان نطالبه بالمضي في هذا التوجه ام ان مخاوفنا من ان يمس ذلك شيئا من طاقاته الابداعية تدفعنا الى دعوته الى الانتباه الى القصيدة بشكل اكثر, في الحالين نحن سعداء بكل ما يصلنا من الصديق الدائم للصفحة ياسر شريم.