جلست تنظر الى المطر المنهمر خلف الشباك الزجاجي وصوت الرعد بقوته يوقظ مابداخلها من مخاوف واحزان.
تناولت الكتاب وجلست تنتظر تنتظر شيئا لن يعود ولكنها بقيت تنتظر.
وقعت عيناها على كلمات كأن كاتبها يقصدها هي بعينها (قرأت هذه الكلمات بصوت مرتفع وكأنها تريد ان تسمع الآخرين ولكن اين هم هؤلاء؟ ليس بجوارها سوى الصمت والسكون الذي يقطع حبل افكارها السوداء كلما تنبهت لذلك السكون.
حاولت يائسة تجاهل هذا الصمت وقرأت عبارة جرحتها حتى النخاح (ما فقد لن يعود فلنبحث عن شيء غيره) اغلقت الكتاب متابعة بنظرها حبات المطر المتساقط الذي يغسل شباكها ولم يغسل احزانها الدفينة تمتمت بصوت منخفض وبعد ان تنهدت (ما فقد لن يعود فلنبحث عن شيء غيره) ولكنها ظلت كل يوم تجلس تحت الشباك وتنظر للبعيد وهي تقول (لن يعود ولكن لن ابحث عن شيء غيره)
بدرية محمد المطيري
حفر الباطن
** هناك قصيدة انجليزية كلماتها آسرة، من الاعمال التي التقطتها حساسية المطربين والملحنين فأضافوا لها سحرا جديدا في الاداء ، يقول مطلعها: مرحبا، اهو انت جئت تبحث عني وبطلة القصيدة الوحيدة التي تعاني اوجاع الانتظار كانت ببساطة قد سمعت حفيف اوراق جافة يدفع بها الهواء فوق ارصفة الشارع ولكن تعلقها بامل عودة من تنتظر هو الذي انطق السؤال الغريب على لسانها موجهاً الى لا احد, والام في قصيدة للسياب تعرف ان ابنتها قد ضاعت ولكنها ترى وجهها في كل وجه يصادفها ونازك الملائكة قد اتحفتنا في هذا السياق بقصيدتها نهاية السلم ومنها ابيات تقول:
عد أم سيموت
صوتي في سمعك خلف المنعرج الممقوت
وأظن انا شاردة في قلب النسيان
لاشيء سوى الصمت الممدود
يهمس في سمعي ليس يعود
لا ليس يعود .
والبياتي و يأتي مع الفجر ولا يأتي والتراث الاجنبي وقصة انتظار جودو وغير ذلك كثير.
تلك حالة انسانية موجعة تلتقطها بنبضها الذي نظمت ايقاعه المتواتر الحزين على ايقاع زخات المطر صديقتنا بدرية المطيري.
ليس معنى تلك الامثلة التي ابتدأ بها الكلام ان بدرية تكرر افكارا متواترة وانما معناه انها تتميز بذلك الحس الانساني والحساسية الشفيفة التي وجهتها حيث وجد شعراء وادباء كبار صيدهم الثمين في التقاط تلك الحالة الانسانية التي لابد تمارس فعلها بقوة على كل من ينتبه اليها، في الحياة، او في الفن تلملم بدرية المطيري قصتها في مساحة ضيقة - زمنا وكتابة - لكي تجعل منها دفقة واحدة وقد افلحت.
اغلب الظن ان بدرية بقليل من التجريب والمتابعة ستتكشف عنها كاتبة جيدة للقصة القصيرة شكرا لها ونحن بانتظار مزيد منها.
|